بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
إخوتي المشاهدي، أعزائي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لازلنا في قوانين القرآن الكريم، وقانون القرآن الكريم اليوم "الحياة الطيبة".
من منا لا يتمنى الحياة الطيبة؟ من منا لا يتمنى أن يعيش سليما معافى سعيدا؟
ذلك بأن كل إنسان قد فطر على حب وجوده, وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده..
هذا شأن أي إنسان على وجه الأرض، ولكن من أين يأتي الشقاء؟ يأتي الشقاء من الجهل، فالجهل أعدى أعداء الإنسان، والجهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به. لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم. إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئا، بل يظل المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم، فقد جهل.
إذن الحياة الطيبة تتوق لها كل النفوس، الحياة الطيبة يسعى إليها كل إنسان، الحياة الطيبة هي محط الرحال عند كل البشر، ولكن، هل لها قانون؟ هل لها معادلة ثابتة؟ هل ينطوي القرآن على قانون للحياة الطيبة؟
الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } .
ندقق في الآية، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ..} من كان عمله صالحا، ومعنى عمله صالحا، أي مطبقا لمنهج الله أولا، ويقدم من علمه وماله وجاهه الكثير لبني البشر؛ لأن الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. لكن لن يستطيع الإنسان أن يقدم هذه الخدمات وأن ينضبط هذا الانضباط إلا إذا آمن بالله، إلا إذا آمن بالذي خلق السموات والأرض، إلا إذا عرف سر وجوده وغاية وجوده، فالإيمان بالله أولا والعمل الصالح ثانيا هما سببان رئيسيان للحياة الطيبة.
نعيد الآية للمرة الثانية: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }.
أيها الإخوة، الإنسان إذا تفكر في خلق السموات والأرض، وهذا القرآن الصامت، أو إذا تدبر القرآن الكريم وهو الكون الناطق، أو تأمل في سنة سيد المرسلين وهو القرآن الذي يمشي.. إذا تأمل في خلق السموات والأرض، وتدبر آيات القرآن الكريم، وحاول أن يفهم سنة سيد المرسلين، يستنبط حقائق كبرى، ما الكون؟ الكون مسخر بكل ما فيه للإنسان، بدليل قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}.
ثم هو يعرف الحياة الدنيا، وقد سماها الله دنيا لأنها تمهيد لحياة عليا، التي فيها ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ويعرف حقيقة الإنسان، هو المخلوق الأول من بين جميع المخلوقات؛ لأنه قبل حمل الأمانة. وهو المخلوق المكرم؛ لأنه قبل حمل الأمانة، ولأنه المخلوق المكلف بعبادة الله عز وجل، كلفه الله أن يعبده. والعبادة: "طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية".
والإنسان أيها الإخوة ينبغي أن يعلم حقيقة الحياة الدنيا لأنها دار ممر وليست مقرا. منزل ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح برخاء لأنه مؤقت، ولم يحزن بشقاء؛ لأنه مؤقت. قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا. فيؤخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
عرف حقيقة الكون، وعرف حقيقة الحياة الدنيا، وعرف حقيقة الإنسان الذي خلقه الله لجنة عرضها السموات والأرض يدفع ثمنها في الدنيا.
أيها الإخوة الأحباب، من عرف حقيقة الكون والحياة والإنسان وحقيقة المنهج الذي أنزله الله لهذا الإنسان، وحقيقة ما بعد الموت، وحقيقة الذي يسعده والذي لا يسعده.. عندئذ يكون قد مشى في طريق الحياة الطيبة.
أيها الإخوة.. يعني كي أوضح هذا الموضوع النظري، لو واحد سافر إلى بلد.. سافر إلى فرنسا، ونام في أحد الفنادق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب؟ نحن نعجب من هذا السؤال! نسأله نحن: لماذا جئت إلى هنا؟! إن جئت تاجرا اذهب إلى المعامد والمؤسسات، وإن جئت سائحا اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، وإن جائت طالب علم اذهب إلى الجامعات.
متى تصح الحركة؟
حينما تعرف الهدف.
فأنت أيها الإنسان حينما تعرف أن الله خلقك لجنة عرضها السموات والأرض وجاء بك إلى الدنيا كي تعرفه في الدنيا، وتعرف منهجه وتحمل نفسك على طاعته، وكي تتقرب إليه بالعمل الصالح عندئذ تصح حركتك في الحياة الدنيا. وحينما تأتي حركتك مطابقة لمنهجك، حينما تأتي حركتك في الحياة مطابقة لسر وجودك، ولهذا المنهج الذي وضع لك ، عندئذ تسعد، فالإنسان يسلم ويسعد، إذا عرف سر وجوده وغاية وجوده، ثم عرف أبرز شيء في الحياة الدنيا وهو العمل الصالح.
أيها الإخوة الكرام، لئلا يتوهم أحدنا أن الحياة الطيبة تعني أن تكون غنيا.. لا أبدا. ليست الحياة الطيبة أن تكون غنيا، ولا أن تكون قويا، ولا مانع من أن تكون غنيا،ولا مانع من أن تكون قويا، بل إنك إن رأيت أن طريق الغنى وطريق القوة سالك وفق منهج الله، يجب أن تكون قويا أو غيا أو قويا غنيا لأن فرص العمل الصالح المتاحة أمام القوي الغني ليست متاحة لكل إنسان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كل خير".
إذن الحياة الطيبة أن تتصل بالله، وأن تطيعه وأن تسعى لمرضاته، عندئذ يتفضل الله عليك أيها المؤمن بسعادة سمها السكينة، سمها الراحة سمها الرضا.. هذه كلها من صفات الحياة الطيبة التي وعد الله بها المؤمنين.
على كل، لو أردنا أن ندخل في بعض التفاصيل، الحياة الطيبة شعور، طمأنينة، تفاؤل، ثقة بالله، راحة نفسية، إحساس بالأمن، النظرة الثاقبة، القرار السليم، الموقف الحكيم، السمعة الطيبة، الراحة النفسية، الراحة الأسرية.. هذه كلها حياة طيبة، مع شيء لا يعرفه إلا من ذاقه، وهو الاتصال بالله عز وجل..
فلو شاهدت عيناك من حسن
الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك من حسن خطابنا
خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة مرة
عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
الحياة الطيبة أن تتصل بأصل الجمال وهو الله جل جلاله، وبأصل الكمال وهو الله جل جلاله، وبأصل النوال وهو الله جل جلاله، أنت مع الأصل، أنت مع المنعم لا مع النعمة. العالمة الغربي مع النعمة، والمؤمن مع المنعم.. خرق النعمة إلى المنعم، ووصل إلى أصل السعادة وإلى أصل العطاء، وإلى أصل الكمال وإلى أصل الجمال.. ولذلك قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} .
والحياة الطيبة ذاقها من عرفها، ومن عرفها ذاقها. والإنسان حينما لا يصل إلى الحياة الطيبة ضيع أموره سدى، وقد وصف الله هؤلاء الذي شردوا عنه فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ويقول بعض العارفين بالله:
"ماذا يعفل أعدائي بي؟ بستاني في صدري.. إن حبسوني فحبسي خلوة، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، إن قتلوني فقتلي شهادة".
وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها الحياة الطيبة، وثمنها أن تكون مؤمنا، وأن يكون عملك صالحا، بشقي صلاح العمل: الاستقامة، والبذل والتضحية.
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


