ماذا يدور في رأس الأسير؟
هذا سؤال خطير.. والوصول إليه عسير.
الإجابة عليه تحتاج إلى اقتحام حدود، وتخطى أسوار وسدود، وفتح أبواب، وفك أغلال وقيود.. للوصول أولا إلى رأس الأسير.
ثم ماذا يا ترى؟!!
وكم نحتاج حتى يغرد هذا الحبيس فيبوح بأسراره؟!!
الشيخ فوزي الشريف يقدم لنا هدية ثمينة جاهزة.. وغنيمة عظيمة باردة.
سجل لنا "خواطر أسير".
هذه الأفكار والخواطر سجلها في أشد الظروف وأظلم الليالي والأيام في التسعينات من سنة 1994إلى سنة 2001.
وكتبها في وقت كانت أسباب الفناء كلها تحاصره.. والوساوس والظنون جميعها تهاجمه.
كانت غارات الوساوس وهجمات الظنون لا تهدأ؛ ورغم ذلك لم تستطع أن تنتهز منه فرصة غفلة تاهت منه فيها خريطته:
من هو؟

ما هويته؟
ما قصته؟
ما هدفه؟
كما أنها لم تنجح في تسريب الأمل بل اليقين من قلبه المؤمن.
كلما اشتدت شراسة الأحوال تفجر في نفسه الإصرار على التأكيد والتشديد والتكرار على معالم طريقه:
من هو؟
ما غايته؟
ما أمنياته؟

هذا الإصرار هو الذي أمده بأسباب الحياة والبقاء ودحر كل معاول الفناء.
ومن هنا قدم هذه الخواطر هدية إلى:
من أنت أيها الأسير؟
"إلى كل روح بُذلت في سبيل الله.
إلى كل ظهر جُلد في سبيل الله وظل صامدا ً متمسكا ً بعقيدته.
إلى كل زوجة صبرت خلف زوجها، وكل طفل ذاق مرارة الحرمان من والده.
إلى كل هؤلاء.. ومن بينهم شهداء محنتي ورفقاء غربتي أهدى هذه الأبيات وتلك الكلمات".
وخواطر الأسير كنز إنساني لا يقدره إلا المقدرون للإنسان؛ المهتمون بدراسته في كل أحواله.
فالأسير إنسان في حالة محنة.. والإنسان في المحنة موضوع للدراسة والتأمل واسع وكبير وثرى.. حتى أن القرآن قد اهتم بهذا الموضوع وسجله.

فما هي حركة وجدانه يا ترى؟
ما هي خواطره التي تعكس ظنونه وهواجسه؛ معاناته وآلامه؛ جراحه وهمومه؛ آماله وأحلامه؟
ما الذي يمكن أن تحدثه فيه المحنة من آثار وتغيير؟
وهل ترى كل ذلك واحد في وجدان كل إنسان؟
في ديوان الشريف زفرات وأنات لكنها مختلفة عن شكاوى كثير من السجناء.
وعندما نقرأ في "خواطر أسير" فقد نتوقع أن يتجول بنا ويشركنا في هموم السجين الذي حرم من كل شيء.. فيحدثنا كثيرا ً عن الحرية.. ثم عن ليل السجين.
كما قال شاعر:
طلع النهار على الدُنى وعلىّ ما طلع النهار
ليل السجون يلفني ..........................
وقال آخر

لابد وأنك زرت سجون كي تعرف أن الموت حنون
ولكن خواطر الشريف الأسير وهمومه ليست من هذا النوع!
إنها ليست ككل أحاديث النفس والشجون التي رأيناها.. وقد سجلها المساجين على جدران الزنازين وسيارات الترحيل.
لقد تسامت روحه عن همومه الشخصية.. ولذا فقد سطر لنا عمق المأساة التي تشغله.. فإذا بها ليست غرامه وهيامه.. ولا حرمانه وأشجانه.. ولا عداواته وانتقامه.. ولا حتى لهيب شوقه لأسرته وزوجته.. ولا والده أو ولده.. ولا الحبس والجدران والقيد.. وإنما الذي أبكى عيونه وقتلته به شجونه فهو كما قال:
دَمَى قلبي وقد ذرفت عيوني وهاج الشوق والتهبت جفوني
ثم ينفى أن يكون ذلك من أجل عبث الغرام:
وعن عبث الغرام أصون قلبي ويأبى خاطري طيف المجون
وإنما ما أجج هواجسه وأشعل قلبه هو نوع ظنون وأطياف من الماضي:

وأطيـــــــاف تذكره زمانـــــــــا وتلقيه الخواطر بالحنين
فيسألني فؤادي عن جدود مضوا للخلد في دنيا ودين
فكانت نخوة الأحرار فيهم وعافوا العيش في ذل مهين
لعز الأمس تبكيني عيوني وذل اليوم تقتلني شجوني
وهذا البيت الأخير يلخص لنا القسم الأساسي من ديوانه الحزين سماه: "زفرات".
قال في التقديم له:
"زفرات كانت مكتومة أشعر أنها همٌُّ جليل وعبءٌ ثقيل فأخرجتها في هذه الأبيات".

ونحن خلال هذه الأبيات وهى ديوانه المسمى "خواطر أسير" سنتجول سويا ثم نقف أمام بعض الزهرات فنتعرف عليه من خلالها:
من هو؟
يولع السجين بحفر اسمه في كل مكان لعله يقاوم نسيانه ومحو اسمه من سجلات الحياة.. أو يصحح ظنون من يراه في صفوف المساجين.
لذلك يكتب الشريف قصيدته بعنوان: "أنا مسلم" لا ليقاوم النسيان في غيابات السجون.. وإنما في الحال الراهن كله لأمته.
يقول الشريف: بعد أن ضاعت هويتي.. وغابت عن الأرض سيادتي فجهلني البعيد والقريب.. فخرج من لحمى ودمى من يبيع ثروتي ويخون عقيدتي فأمسكت بقلمي:
قف يا زمان التيه واسمع قصتي أنا مسلم والكل يعرف أمتي
ولْتسألنْ كسرى وقيصر من أنا وسل الصليب وسل حفيد القردة
وسل الغمام عن الرشيد وملكه ينبيك تاريخ تملّك صفحتي

ويقول: 
نسبى إلى الإسلام يعنى من أنا تاج على هام الزمان بغِرة
أنا صانع الأمجاد في زمن مضى هذى صروحي اليوم تحكى قصتي
أنا باعث الأنوار في كل الدُنا والغرب يرتع في أتون الظلمة
ما قصته؟
نتوقع أن يكتب بحرقة عن شيء من حياته.. ثم قصة اعتقاله الأليمة لكنه يفاجئنا بأن يحكى عن أصله الإسلامي وما فعله (الغرب) به:
فيقول في قصيدة بعنوان "هذى قصتي":
أنا شاعر عشق القصيد يراعتي وتملكت كل القلوب بلاغتي
أنا باعث الأنوار في كل الدُنا والغرب يرتع في أتون الظلمة
علمتهم كيف الطريق إلى العلا .......................................!
فماذا كان شكر الغرب لهذا الفضل عليهم ؟؟
يقول في آخر شطر: 
وبغفلة سرقوا الخيول ورايتي !!!!
هذه قصته وهى قصة المسلم والإسلام مع الغرب عاشها هو.. فهو ابن الإسلام تذوب قصته في قصة الإسلام فيصبح هم الإسلام هو شاغله وهو قضيته وله قصة أخرى مع أعداء العقيدة من بني قومه فيقول:

ومضى الزمان لكي أرى من قومنا من جاء يطعن في أصول عقيدتي
ذبحوا الخلافة كي تصير وليمة ودعَوا كلابًا كي تلوغ بقصعتي
وبالتأكيد نحن شغوفون بقصته التي لم يكتبها فهي لا تستحق في نظره أن تسجل!.
لكنى أعرف أنه من مواليد سنة 1962 بأشراف قنا.
حاصل على بكالوريوس العلوم.
شغوف بدراسة الفقه ومطالعة الأدب.
اعتقل في التسعينات بسبب نشاطه في الدعوة إلى الله.
ورغم أنه لا صلة له بالعمليات العسكرية من قريب ولا بعيد إلا أنه تعرض لمحاكمة عسكرية كانت لها قصة عجيبة من تصاريف القدر!!
فبينما هو في زنزانته إذا باسمه يتردد في قضية لم تخرج إلى حيز التنفيذ.. وإنما كانت مجرد أفكار من بعض الإخوة لكنها جاءت في ظروف غاية الاضطراب.. فعرضت على القضاء العسكري وحكم عليه فيها بالمؤبد.. فرج الله كربه.

ما هي مأساته؟
رغم ما ذكرنا من قصته التي لم يشر إليها ولو مجرد إشارة في ديوانه.. إلا أنه حين يذكر مأساته فإنه يقول:
مأساتنا تروى حكايتها الدموع فديارنا ظلماء لا تجد الشموع
وترابنا ماتت بباطنه الزروع وعلا البكاء من الجبال إلى الربوع
بسمائنا ما عاد نجم قد نراه والشمس غابت عن ربانا والفلاة
والغيث يهجر أرضنا فمتى نراه هذى حكايتنا التي فوق الشفاه
عجبت له هو في زنزانته معذب.. لكن مأساته في فلسطين التي يقول إنها:
"في كل يوم تستغيث ولا نجاه".
وفى بغداد : 
بغداد يا دار الخلافة من يجيب صوتا لها يعلو المآذن بالنحيب
وفى السودان
أرض يقسمها الصليب كما يميل وبكى التراب فراق قومي والنخيل
مأساته إذًا هي مأساة الشعوب الإسلامية في كل ديار الإسلام.
وجراحه هي جراح المسلم والإسلام لذا فدماؤه تسيل ولكن ليس في زنزانته وإنما يقول في قصيدته بعنوان جراح أمة:
دمائي تسيل بكل البقاع كأني لقيط وقومي رعاع

أي كأن قومي رعاع ليس لهم هذا المجد والتاريخ فهو يستنكر أن تسيل دماء المسلم هنا وهناك.. وهم ابن هذا المجد.
ثم يذكر جرحه في أفغانستان التي يفرشها العدو هناك بنار:
تبيد زروعي وغرسي وطفلي الوليد
وفى الشيشان التي أصبح فيها:
لحمى طعامًا تلوك الكلاب وعرضي أسيرًا ورهن الذئاب
ويبوح عن جراحه في قصيدة أخرى تحت عنوان ألم وحسرة:
تحكى القوافي عن الجراح تدمينا بلا دواء ولا طبيب يداوينا
كل الجراح لها دواؤها وغدت جراحنا حيث أودت بالمداوينا
طبيبنا بات يشكو سقم علته فمن يداوى الجراح بعده فينا
وذو السقاية يشكو اليوم من ظمأ فمن سواه بماء عاد يسقينا
ما هي آلامه؟
وآلام هذا الأسير ليس هي آلام كل سجين مهموم بها ليل نهار.. وإنما يقول:

وآلمني صراخ العرض غوثاً وقتل الابن طفلا أو جنينا
صموده ورغم جراحه الغائرة إلا أنها هي وآلامه ومأساته لم تهز صموده فهو صامد:
أنا لن أموت وإن وريت مع الثرى سيظل قولي في الخلود أسهمي
سر صموده
لكن ما سر هذا الصمود؟
يكشف عن هذا السر فيقول إنها عقيدته وصبره ويقينه وعزة نفسه:
أنا مسلم بعقيدتي وعزيمتي أسد أشم شامخ لم يهزم
زنزانتي صبري يضيء ظلامها ويقين قلبي في سماء الأنجم
وجدارها الصخري يحكى عزتي أسد يثور زئيره لم يُكلم
زفراته يظل الأسير ينفث زفراته المحرقة التي تعبر عن حرقته.. ونار جراحه التي تلهب أعماقه فيقول:
يا أرض ثوري علىّ وادفني جسدي فلست أشكو اليوم من عددي

لكن قومي غثـــاء السيل قد جبنـــوا وعند كل لقاء ســــلموا َقَودي
ثم يفصل أحوال أمته التي أحزنته ثم يجملها ثم يطالب الأرض مرة أخرى أن تثور
يا أرض ثوري فهذى حال أمتنا ثملة من كؤس الذل للأبد
أسائل القلب والأحزان تقتلني واليأس يأكل في الأحشاء والكبد
أين الخيول التي كانت فوارسها تسبى النجوم وفى البطحاء كالأسد
أحلامه وآماله يبوح لنا بآماله فإذا هي آمال عالية سامية يقول مثلا: 
متى الشمس تشرق فوق الهضاب وتصفو سمائي ويمحى الضباب
ويزرع أرضى بنوهــــا الشبــــاب ودارى تعيش بغير اكتئــــاب
ويحكم أهلي بآي الكتاب

ويقول: 
فمتى تعود لدارنا أمجادها ونزيل عارًا من جبين الأمة
ويقول 
فهل نغدو كما كنا بأمس إذ الصديق والفاروق فينا
ونبنى ما بأمس قد هدمنا ونركب خيل بدر فاتحينا
شخصيته
تظهر شخصية هذا الشاعر واضحة فهو كبير القلب عالي الهمة واسع الأفق صافى النفس.
ليست له أحقاد شخصية مع أحد.. فهو لم يبك ماله ولا عياله ولا في ديوانه حرف عن الأذى الذي تعرض له.
وإنما عداوته هي عداوة دينه وأمته.. فأعداؤه هم الذين عادوا عقيدته وبغوا على أمته وأوطانه.
وهو رغم قوته في الحق وشدة غيرته.. إلا أنه عاطفي متزن ـ كما سيجيء ـ مسالم ومسالمته نابعة من فهمه الجيد لقضيته ومن نشأته السوية.. فهو رغم ما تعرض له من أذى خلال أشد فترات السجون التي عرفتها مصر.. إلا أنه يقول مناجيا وطنه في أجمل زفرة كتبها ـ في نظري ـ:

أنا قد حبوت على ترابك يا وطن
وغُذيت من حلو الثمار بلا ثمن
وشربت نيلك في الرخاء وفى المحن
وعسى ترابك أن يكون لي الكفن
هذه هي نشأته وهذه هي علاقته وانتماؤه للوطن.. ولذا فهو يسوق له عتابا رقيقا معبرًا عن منهجه:
"حتى متى أبقى الغريب عن الوطن
والكل يأبى أن يدين لي الزمن ؟؟؟"
وهو هنا لا يقصد غربة شخصه.. وإنما غربة ما يدعو إليه.
أما عن علاقته بالشعوب فهو يقول:
هذى شعوبك قد ترى أنى الأمل
وتمل من منح الوعود بلا عمل
وتضيق من خطب النفاق بلا خجل
ويمضى على هذا النسق.
ثم يذكر لماذا جاء هو؟.. وما ذا يريد؟

أنا جئتها أمحو الضباب عن القمر
حتى نرى صفو السماء بلا كدر
ويفيض نيلي بالعطاء كما غبر
ويعود في دارى الأمان بلا حذر
***
أنا عدت بالقرآن لا أبغى الصلف
أنا جئت أصلح ما تفاقم من تلف
بشريعتي وأعيد سيرة من سلف
هذا شعاري قد رفعت بلا جنف
وهكذا كانت جولتنا في قسم الزفرات من أول ديوان للشاعر فوزي الشريف.
ونحن على وعد بإذن الله أن نستكمل جولتنا قريبا.. ولكن في رسائله من وراء القضبان فرج الله كرب شاعرنا وفك أسره قريبا آمين.
الجمعة الموافق:

30/5/1431هـ
14/5/2010م

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 283 مشاهدة
نشرت فى 11 إبريل 2014 بواسطة denary

ساحة النقاش

على الدينارى

denary
موقع خاص بالدعوة الى الله على منهج أهل السنة والجماعة يشمل الدعوة والرسائل الإيمانية والأسرة المسلمة وحياة القلوب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

120,055