جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
فتاوى ابن تيمية |
|
من أضخم الموسوعات الشرعية المعتمدة، المتلقاة من علماء الأمة ـ ليس بالقبول فحسب ـ وإنما بالإعجاب والفخر الكبيرين. الموسوعة التي تُغنيك عن اقتناء الكثير من أمهات الكتب؛ لشمولها، وتنوعها، وعمقها، وجاذبية عرضها، وسلاسة أسلوبها، ووحدة منهجها. الموسوعة الغنية بالعقائد، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، والمناظرات، المشتملة على: الفقه وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث وأصوله، والتصوف وأصوله،... الحاوية لكل ما يحتاج إليه المسلم في معرفة ماضيه، وحاضره، ومستقبله من النواحي الشرعية. الموسوعة التي لها من الرحابة، والتأثير ما جعلها قبلة الأصوليين، ووجهة المحدثين، ومرشد المفسرين، وإمام المتكلمين، وبغية العارفين، وضالَّة المستفتين، وسراج المتمنطقين، ومشكاة المتفكرين.
|
|
في ذكر منشأه وعمره ومدة عمره رضى الله عنه وأرضاه هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ولد في حران في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة وبقي بها إلى أن بلغ سبع سنين ثم انتقل به والده رحمه الله إلى دمشق فنشأ بها وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة ودلائل العناية فيه واضحة. وختم القران صغيرا، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمة مجالس الذكر وسماع الأحاديث. ولقد سمع غير كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية أما دواوين الإسلام الكبار ك مسند احمد وصحيح البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن أبي داود السجستاني والنسائي وابن ماجة والدارقطني فإنه رحمه الله ورضي عنهم وعنه فإنه سمع كل واحد منها عدة مرات، وأول كتاب حفظه في الحديث الجمع بين الصحيحين للإمام الحميدي . وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، كما أنه لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء غالبا إلا ويبقى على خاطره أما بلفظه أو معناه. لم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، حتى اتفق كل ذي عقل سليم انه ممن عني نبينا بقوله أن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها فلقد أحيا الله به ما كان قد درس من شرائع الدين.
في ذكر تعبده أما تعبده رضي الله عنه فإنه قل إن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته وزمانه فيه، حتى انه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى. وكان في ليله متفردا عن الناس كلهم خاليا بربه عز وجل، ضارعا مواظبا على تلاوة القرآن العظيم مكررا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية. وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس، بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا احرم بالصلاة تكاد تتخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه. وكان غالب دعائه: "اللهم انصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر الهدى لنا اللهم اجعلنا لك شاكرين لك ذاكرين لك أواهين لك مخبتين إليك راغبين إليك راهبين لك مطاويع ربنا تقبل توباتنا واغسل حوباتنا وثبت حججنا واهد قلوبنا اسلل سخيمة صدورنا، يفتتحه ويختمه بالصلاة على النبي ثم يشرع في الذكر". وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر فلا يزال في الذكر يسمع نفسه وربما يسمع ذكره من إلى جانبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة. وإذا رأى منكرا في طريقه أزاله أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها أو تأسف على فواتها وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلي عليه. ثم يعود إلى مسجده فلا يزال تارة في إفتاء الناس وتارة في قضاء حوائجهم حتى يصلي الظهر مع الجماعة ثم كذلك بقية يومه. وكان مجلسه عاما للكبير والصغير والجليل والحقير والحر والعبد والذكر والأنثى قد وسع على كل من يرد عليه من الناس يرى كل منهم في نفسه ان لم يكرم أحدا بقدره ثم يصلي المغرب ثم يتطوع بما يسره الله. ثم يقرأ تلاميذه عليه من مؤلفاته حتى يصلي العشاء.
في ذكر بعض زهده وتجرده وتقاعده عن الدنيا وتبعده أما زهده في الدنيا ومتاعها فإن الله تعالى جعل ذلك له شعارا من صغره. روي عن شيخه الذي علمه القرآن المجيد قال: "قال لي أبوه وهو صبي، احب إليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القراءة والتلقين ادفع إليك كل شهر أربعين درهما". قال: "ودفع إلي أربعين درهما"، وقال: "أعطه إياها فإنه صغير، وربما يفرح بها، فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقل له لك في كل شهر مثلها". فامتنع من قبولها وقال: "يا سيدي إني عاهدت الله تعالى أن لا آخذ على القرآن أجرا". ولم يأخذها. فرأيت إن هذا لا يقع من صبي إلا لما لله فيه من العناية.
في هيئته ولباسه كان رضي الله عنه متوسطا في لباسه وهيئته لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ويمد النظر إليه ولا أطمارا ولا غليظة تشهر حال لا بسها ويميز من عامة الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها من عالم وعابد بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطهم ولم يكن يلزم نوعا واحدا من اللباس فلا يلبس غيره بل كان يلبس ما اتفق وأخبرني غير واحد أنه ما رآه ولا سمع أنه طلب طعاما قط ولا غداء ولا عشاء ولو بقي مهما بقي لشدة اشتغاله بما هو فيه من العلم والعمل بل كان يؤتي بالطعام وربما يترك عنده زمانا حتى يلتفت إليه وإذا أكل أكل شيئا يسيرا، وأخبر أخوه الذي كان ينظر في مصالحه الدنيوية أن هذا حاله في طعامه وشرابه ولباسه وما يحتاج إليه مما لا بد منه من أمور الدنيا، وما رأيت أحدا كان أشد تعظيما للشيخ من أخيه هذا أعني القائم بأوده وكان يجلس بحضرته كأن على رأسه الطير وكان يهابه كما يهاب سلطانا، وكنا نعجب منه في ذلك ونقول: من العرف والعادة أن أهل الرجل لا يحتشمونه كالأجانب بل يكون انبساطهم معه فضلا عن الأجنبي ونحن نراك مع الشيخ كتلميذ مبالغ في احتشامه واحترامه، فيقول: إني أرى منه أشياء لا يراها غيري أوجبت علي أن أكون معه كما ترون. وكان يسأل عن ذلك فلا يذكر منه شيئا لما يعلم من عدم إيثار الشيخ لذلك.
في ذكر قوة قلبه وشجاعته وأخبر غير واحد أن الشيخ رضي الله عنه كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم إن رأى من بعضهم هلعا أو رقة أو جبانة شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة وبين له فضل الجهاد والمجاهدين وإنزال الله عليهم السكينة وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان ويقوم كأثبت الفرسان ويكبر تكبيرا انكى في العدو من كثير من الفتك بهم ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت.
في ذكر وفاته وكثرة من صلى عليه وشيعه الشيخ مرض أياماً يسيرة قبل وفاته، ثم رضي الله عنه بقي إلى ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة الحرام وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم وذلك من سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. فما أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجئ للصلاة عليه إلا حضر ،وتفرغ له حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها. وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام. واتفق جماعة من حضر حينئذ وشاهد الناس والمصلين عليه على انهم يزيدون على خمسمائة ألف. وقال العارفون بالنقل والتاريخ لم يسمع بجنازة بمثل هذا الجمع إلا جنازة الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه. ودفن في ذلك اليوم رضي الله عنه أعاد علينا من بركاته. ثم جعل الناس يتناوبون قبره للصلاة عليه من القرى والبلاد مشاة وركبانا. وما وصل خبر موته إلى إلا وصلي عليه خصوصا ارض مصر والشام والعراق وتبريز والبصرة.
|
ساحة النقاش