| ||
هو كوليرا العصر بكل تأكيد.. الوباء الذي أصاب العالم وبدأ ينتشر من مكان إلي آخر يقضي علي الأخضر واليابس, ويخطف حياة البشر, ويحيل العالم علي اتساعه إلي ساحة من الفوضي وعدم الاستقرار والافتقاد إلي الأمان.. إنه الإرهاب الأسود الذي لا يميز بين ضحاياه أيا كان لون البشرة أو الدين أو الوطن. إن ما جري في شرم الشيخ من مذابح وجرائم علي أيدي عناصر الإرهاب يجعل الأزمة تتجاوز حدود مدينة السلام, ومن قبلها طابا ولندن ومدريد وأنقرة وعدة مدن آسيوية مرورا بما يجري في العراق وما تتعرض له مدن عربية وخليجية أخري من عمليات إجرامية تهدد المواطنين وتدمر حياتهم المعيشية وتقضي علي أرزاقهم. لقد جاءت العملية الأخيرة للكشف عن أن العالم كله بات غير آمن تحت وطأة الإرهاب ولم يعد أكثر أمنا كما قال من تزعموا قيادة الحملة الدولية عليه وحدهم.. وإذا كانت الحاجة إلي عقد مؤتمر دولي لمواجهة الإرهاب قد فرضت نفسها علي أرض الواقع, فإن الخبراء الاستراتيجيين يصفون روشتة أمنية وفكرية عربية إسلامية لمواجهة هذا الوباء. المحلل الاستراتيجي محمد مجاهد الزيات ـ مدير البحوث بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط ـ قال لنا إن هناك عددا من الحقائق التي كشفت عنها التفجيرات الأخيرة يجب دراستها بدقة, وأهمها * أمام جيل ثالث من المجموعات والعناصر المتطرفه يختلفون كثيرا عن الصورة النمطية لعناصر التشدد الذين انخرطوا في جماعات العنف في السنوات الماضية, فهم علي درجة علمية كافية ويمتلكون الخبرات والتقنية اللازمة لصنع المتفجرات والتخطيط الدقيق المحكم لعملياتهم الإرهابية كما أن نسبة كبيرة منهم لم تذهب إلي أفغانستان, ولهم خلايا نائمة في العديد من الدول علي اتساع العالم ويستفيدون بصورة كبيرة من التقدم الهائل في وسائل الاتصال. * إن هناك إستراتيجية جديدة للعمل الإرهابي من خلال نوع من الانتشار واللامركزية لجماعات وخلايا محلية تعمل بصورة مستقلة دون تنسيق مركزي مباشر مع تنظيم القاعدة الرئيسي وكيل محلي للتنظيم الدولي تدين بالولاء لقادة القاعدة كما أن لهم مخططاتهم التي تتفق في النهاية مع إستراتيجية ومخططاط تنظيم القاعدة الأم. إن هذه المجموعات والعناصر لديها إمكانات ماديه كافية لتغطية عملياتها ولاتزال مصادر تمويلها مستمرة رغم جميع الجهود الدولية خاصة الأمريكية لإغلاقها. * إن الوضع في العراق يمثل ميدانا لتدريب وصقل الخبرات وتفريخ الإرهاب وتجنيد عناصر التنظيم التي تتولي مسئولية العمل المحلي في بعض دول المنطقة. وفي ضوء هذه الحقائق فإنه لضمان عدم تكرار هذه الأحداث أو الحد منها وإجهاضها يتعين أن نأخذ في الاعتبار أنه رغم حالة الاستنفار الأمني المسبق الشديد تصريح وزير الداخلية فقد تم تنفيذ هذه العمليات وهو ما يؤكد قدرة عناصر جيل الإرهاب الجديد علي التخطيط الدقيق والمحكم والدراية الكاملة بحقيقة الوضع الأمني, الأمر الذي يؤكد الحاجة إلي مزيد من الإجراءات الأمنية غير التقليدية خاصة أن اقتحام فندق غزالة تم بنفس أسلوب اقتحام فندق طابا. * إنه مع التسليم بوجود عناصر محلية أسهمت في تنفيذ العمليات الإرهابية إلا أنه من المرجح مشاركة عناصر خارجية في التنفيذ وأن هناك صلة واضحة بتنظيمات خارجية. * إن مصر أمام مستوي جديد من العنف الإرهابي قد يحتاج إلي معالجات سياسية واقتصادية إلي جانب المعالجات الأمنية لهذه الظاهرة, وقد يكون من المفيد إعادة المراجعة لبعض ممارسات العقاب الجماعي لأقارب وأصدقاء المتهمين والمشكوك فيهم لعدم توفير بنية جديدة للإرهاب. وأما الخبير الاستراتيجي اللواء أحمد عبدالحليم فيؤكد أن تغير السياسات الخارجية للدول الكبري ينمي الإرهاب ويدعمه ويشجعه لمزيد من إسالة دماء الأبرياء علي مستوي العالم, كما أن الهيمنة الأمريكية علي المنطقة والتدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق دفع بالجماعات الإرهابية نحو ارتكاب المزيد من العمليات أملا في وقف الهيمنة والمد الأمريكي بالمنطقة. وإذا كانت العمليات الإرهابية تستهدف مواجهة المد الأمريكي فإن الجماعات الإرهابية تلجأ إلي القيام بمثل هذه العمليات في شرم الشيخ وطابا أو ضد دولها وحكوماتها الإسلامية أملا في السيطرة علي السلطة ونقل المواجهة من عمليات صغيرة إلي حروب كبري ضد الهيمنة الأمريكية, وكل هذا دفع في الاتجاه نحو غياب الأمن وشيوع الجريمة الموجهة ضد الأبرياء في كل مكان. وأكد اللواء أحمد عبدالحليم صعوبة مواجهة مثل تلك العمليات الإرهابية التي جعلت العالم يواجه ما أشبه بـ اللهو الخفي الذي لا نعلم أين ستكون ضربته القادمة, وهي بمثابة مجموعات صغيرة بالمفهوم الصراعي تصعب مواجهتها أمنيا أو التصدي لها, الأمر الذي يفرض علي دول العالم ضرورة الإسراع نحو عقد المؤتمر الدولي للإرهاب والذي سبق أن نادي به الرئيس مبارك لسنوات طويلة والذي سيأتي ضمن ـ وفي إطار ـ عمليات المواجهة العالمية للإرهاب بحثا عن المزيد من الأمن والأمان للعالم. أما ضياء رشوان الباحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والمتخصص في شئون الجماعات الدينية فيؤكد أن سلسلة العمليات الإرهابية التي ضربت شرم الشيخ ومن قبلها لندن وطابا يحاول مرتكبوها توجيه رسائل محددة وواضحة تهدف زعزعة الاستقرار العالمي وتهديد السياسة الخارجية للدول المستهدفة بتلك العمليات التي يخطط ويدبر لها بعناية فائقة وهو ما يحتم ضرورة خلق وإعداد مراجعة أمنية شاملة لما يحدث في العالم ووضع استراتيجية أمنية دولية لمواجهة تلك المخاطر. وإذا كان الخبير الاستراتيجي اللواء حسام سويلم يري أن هذا العمل الإرهابي موجه إلي مصر وشعبها وذلك بإظهارها علي أنها مفتقدة للأمن وتعاني من وطأة الإرهاب, فإنه يؤكد علي أهمية حشد الرأي العام العالمي وتوحيد جهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في الإسراع بعقد المؤتمر الدولي للإرهاب وتحديد مفهوم واضح ومحدد للإرهاب ومواجهة تلك الظاهرة فكريا وسياسيا وأمنيا وتكنولوجيا, خاصة بعد أن أصبح لتنظيم القاعدة خلايا نائمة في كل دول العالم تنشط وقت حاجة التنظيم إلي مزيد من العمليات لإرهاب وترويع الآمنين وإراقة المزيد من الدماء. ويحذر اللواء حسام سويلم مما وصفه بتحول تنظيم القاعدة إلي رمز لدي الجماعات الإرهابية, وإقدام العديد من المنتمين للفكر المتطرف علي تبني الفكر الجهادي الذي شاع وذاع عبر الإنترنت, ودفع بشباب مجهول لا ينضوي تحت لواء أي جماعة إسلامية نحو ارتكاب عمليات إرهابية, الأمر الذي يفرض مزيدا من التحديات الأمنية في مواجهة الإرهاب الأسود الذي يحصد الأرواح في كل مكان. أما المفكر الدكتور محمد سليم العوا فيؤكد اندحار مفهوم الأمن أمام الموجات الجديدة من العمليات الإرهابية التي لا يمكن التنبؤ بها, أو الوقاية منها أو بدقة وعدالة ضبط مرتكبيها ومواجهتها, وأضاف قائلا: هو مثلث ذو ثلاث زوايا بتحقيقه يمكن مواجهة هذا الإرهاب, وإعادة الأمن إلي العالم مرة أخري يتأتي بإتاحة الفكر الإسلامي الوسطي المتزن لمواجهة فكر الغلو, وتوقف دول العالم الإسلامي عن تغييب العلماء والفقهاء المستنيرين وترك الساحة نهبا أمام التافهين وغير القادرين علي قراءة جملة لغة عربية أو آية قرآنية قراءة سليمة, الأمر الذي أدي بدوره في النهاية نحو انصراف الشباب نحو التطرف ووقوعهم فريسة للجماعات الإرهابية. ولكن هل ينجح الموتمر الدولي للإرهاب في مواجهة الظاهرة والتصدي لها وإعادة الأمن إلي ربوع العالم, وينفي الدكتور سليم العوا ذلك مؤكدا أن المشكلة الكبري تكمن في تعريف مفهوم الإرهاب, وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية علي تعريف المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق علي أنها إرهاب يجب مواجهته والتصدي له. ومن هنا يجب أن يكون الحل إسلاميا بأن تعالج الدول الإسلامية مشكلاتها الاقتصادية والفكرية والسياسية الداخلية, فالعلاج محلي وليس دوليا وعلي كل بلد مسلم أن يسمح للفكر الصحيح بأن ينطلق, وأن يناقش الغلاة والمتطرفين, وأن يحول بينهم وبين كونهم إرهابيين.* | ||
نشرت فى 1 أغسطس 2005
بواسطة cda
عدد زيارات الموقع
133,799



ساحة النقاش