التكية المولوية في مصر
تقع التكية المولوية في مصر في ٣١ شارع السيوفية بالحلمية الجديدة علي مقربة - أو خلف - جامعي السلطان حسن والرفاعي، وتضم مجموعة معمارية متكاملة، حيث ضريح (سيدي حسن صدقة) رفيق السيد البدوي.. بني هذا الضريح الأمير سنقر السعدي، الذي يمكن اعتباره (وزير الداخلية والدفاع) في عهد الناصر محمد بن قلاوون ٧٢١هـ، ألحق الأمير سنقر بالضريح ملجأً للسيدات الأرامل والمطلقات واليتامي إلي أن تم تحويل الملجأ إلي مدرسة ينفَق عليها من ريع أراض زراعية بقرية (النحريرية)، التي تعرف الآن بإسم (النحارية)، تتبع مدينة كفر الزيات بلدة الرئيس محمد نجيب.
إلي أن جاءت طائفة المولوية، أتباع جلال الدين الرومي وأقاموا بها. والطريف أن سليم الأول جاء في البداية قبل أن يقوم بغزو مصر متنكراً في زي درويش مولوي واستفاد لأنة أدرك أن سلطان المصريين (قنصوه الغوري)، قد أعلن حالة الطواريء في أقصي الغرب، حيث قلعة (قايتباي) في الإسكندرية، فقام سليم بعد عودتة لبلاده بتجهيز حملتة علي مصر بعدما غير خطتة العسكرية،
إذ جاء من الشرق حيث مرج دابق والريدانية، مستعيناً بالمدفعية البرتغالية وفور احتلال العثمانيين مصر، قاموا بردم ملجأ السيدات وأقاموا فوقه مباشرة «السمع خانة» وهي قاعة مستديرة تجمع ما بين المذهبين الشيعي والسني، فهي ترتكز علي ١٢عمودا عليها أسماء الأئمة الأثني عشر حسب المذهب الشيعي، وثمانية شبابيك وثماني وحدات زخرفية، حيث أبواب الجنة ثمانية وكذلك حملة العرش ويضيف الدكتور حجاج إبراهيم، أنه كان يعتقد أن قاعة الذكر قد بنيت عام ١٢٢٥هـ ولكنه - الدكتور حجاج - والأثريين الذين شاركوة في إحياء وترميم التكية قد عثروا علي وثيقة «لاتزال محفوظة في الأوقاف» مؤرخة بسنة ١٠٠٥هـ، توضح أجور العاملين بالمسرح المولوي من ضاربي الدفوف وعازفي الناي ..
مما يعني أن المبني كان قائماً قبل عام ١٢٢٥هـ بمائتي وعشرين عاماً، ويشير إلي أن مسرح الدراويش الدوارة أقيم به المؤتمر الأول للموسيقي العربية عام ١٩٢٨وظل يؤدي عمله حتي العام ١٩٥٢م حيث تمت تصفية التكايا في مصر ويعود الفضل للدكتور «فان فوني» والدكتور حجاج في تسجيل مسرح الدراويش في عداد الآثار المصرية، كما نجح في نقل المسنين الموجودين بالتكية المولوية إلي مكان آخر بغرض ترميم التكية وبعد إنهاء أعمال الترميم في المرحلة الأولي تم إحياء حفل عام ١٩٨٨م حضره فاروق حسني وزير الثقافة وثلاثة وزراء إيطاليون، اتبعه حفل أقيم عام ١٩٩٢م، أحياه الدراويش الأتراك، حضره عمرو موسي ووزير الثقافة التركي وفاروق حسني، كما عثر علي كتاب المثنوي بالتكية والذي يتضمن ١٢٦ ألف بيت من الشعر والآن بقرار من زاهي حواس أصبح الدكتور حجاج مسؤولاً عن جميع أعمال البعثة الإيطالية التي تقوم بأعمال الترميم.
المولوية.. ذكر ورقص.. وإنشاد
بعد إلغاء الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية التركية تم تجميد نشاط المولوية عام ١٩٢٥م ومن ثم انتقل مركز المولوية من «قونية» إلي حلب بسوريا، وكان عدد التكايا المولوية وقتها ٧٢ تكية توقف عليها الأوقاف وترسل إليها الأموال والهدايا، وكانت تشيد عادةً خارج المدن حتي تكون بعيدة عن صخب المدينة، وتظل بمعزل عن العوام الذين لا يفهمون المولوية وطقوسها وحتي تكون بعيدة عن الحياة المادية قدر الإمكان .
والتكية المولوية دائماً ما توجد داخل حديقة واسعة وبجانبها مبني يسمي «بيت الصمت» وهو الجبانة التي توضع فيها «الأجساد التي تحررت الأرواح منها» كما يوجد جناح خاص بالنساء من أجل سكن عائلة شيخ التكية.
وتقع حجرة السماع غالباً وسط التكية وتتكون من شكل دائري مؤثث من الخشب اللامع ينفصل عنها «درابزين» مخصص للحضور يأتون للفرجة ومشاهدة طقوس الذكر والرقص والإنشاد. والذاهب للتكية يجد نفسه في حالة روحية وفضول محمود، ففي هذه الحجرة يتطرق إلي سمعك صوت ناي يتم التدريب عليه والغرفة الأخري مديح وإنشاد وتدريب علي قراءة المثنوي المعنوي وحجرة أخري لتعليم المقامات الموسيقية..
وإذا أردت الدخول إلي إحدي الغرف فعليك أولاً أن تقول كلمة «دستور»، فإذا سمعت كلمة «هو» التي تعني الإذن بالدخول وإلا عليك أن تكرر اللفظة مرة أو اثنتين فإذا لم يتطرق إلي سمعك كلمة «هو» فثمة مانع من الدخول فعليك الانتقال إلي غرفة أخري وأثناء دخولك إلي إحدي الغرف يجب عليك أن تدخل بقدمك اليمني منكس الرأس للتحية ثم تلقي السلام وتمد الأيدي للتصافح جاذباً إياها نحو الفم لتقبيلها وتجلس الآن لتسمع الشيخ ماذا يقول.. إنه يقول.. كن عاشقاً فتكون.. كما كان الرومي دائماً ما يردد (ليس هواء ما فار في الناي ولكنها نار العشق
رقصات المولوية.. أنين وحنين للرجوع إلي الأصل السماوي
تنسب المولوية إلي جلال الرومي.. والانتساب إلي المولوية يتطلب إعداداً خاصاً، يخضع المبتدئ بموجبه إلي تدريب روحي يستمر ٣ سنوات، فإذا استجاب المريد لكل ما يلزمه به مرشده من أعمال روحية والتزم بالتوجيهات الأخلاقية قُبل في المولوية، وأصبح أحد أعضائها.
ويقوم المبتدئ في «السنة الأولي بخدمة الناس وفي الثانية بخدمة الله والثالثة بمراقبة قلبه» ولا يستطيع المريد المبتدئ خدمة الناس في المنظور المولوي، إلا إذا نظر إليهم علي أنهم خير منه وواجب عليه خدمتهم جميعاً، كما لا يستطيع المريد خدمة الحق إلا إذا تخلي عن كل غرض ذاتي سواء أكان من أجل هذه الحياة الحاضرة أو الحياة الآجلة.. بمعني أن يعبد الله حباً لله وليس في مقدور المريد أن يحرس قلبه أي «المراقبة» إلا عندما يجمع أفكاره ويتخلي عن كل شاغل حتي يبقي في حديث ودي مع الله في قلبه مواجهاً هجمات الغفلة، فإذا بلغ المريد هذه المؤهلات يستطيع حينئذ أن يرتدي «المرقعة» باعتباره درويشاً حقيقياً لا مقلداً.
وفي خلال رحلة المريد نحو التحقق الروحي يجب أن يخضع للتهذيب وفقاً للتعاليم المولوية.من التواضع والمحبة والتسامح.. ويحضر المريدون جلسات «السمع خانة» أو ما يعرف بالرقص الدائري لمدة ساعات يدور الراقصون فيها حول مركز الدائرة التي يقف فيها المرشد الروحي ويندمجون في مشاعر روحية سامية ترقي بنفوسهم إلي مرتبة الصفاء الروحي فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادي ويأخذهم إلي الوجود الإلهي حيث يكون المريد قادراً علي سماع النداء المرسل منذ زمن بعيد من خارج الزمن مذكراً بعالم الألحان الأزلية.
والرقص عند الدراويش الدوارين من أشهر فنونهم وهو طقس له رمزيته.. فالثياب البيضاء التي يرتديها الراقصون ترمز إلي الأكفان والمعاطف السود إلي القبر و قلنسوة الرأس «اللباد» ترمز إلي شاهد القبر والبساط الأحمر يرمز إلي لون الشمس الغاربة والدورات الثلاث حول ساحة الرقص ترمز إلي المراحل الثلاث في التقرب إلي الله .. المرحلة الأولي طريق العلم، والثانية الرؤية والأخيرة ترمز إلي الطريق المؤدي إلي الوصال .. وسقوط المعاطف السوداء من علي أكتاف الدوارين أثناء قيامهم للذكر يعني الخلاص والتطهر من الدنيا.
ويلعب الناي دوراً مهماً في الطقوس المولوية التي اشتهرت بالمقامات الموسيقية الخاصة بها وكان الرومي يري في الناي وسيلة للجذب الإلهي ويعتبره أكثر الآلات ارتباطاً بعازفه ويشبه صوته بأنين الإنسان، وحنينه إلي الرجوع إلي أصله السماوي في عالم الأزل.
وتنقسم دائرة الراقصين إلي نصف دائرة يمثل إحداهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة ويرمز قوس الصعود إلي صعود الروح إلي بارئها ومنشئها ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها، وحركة الدراويش ترمز إلي القانون الكوني فهم يدورون عكس عقارب الساعة أي مع دوران كوكب الأرض حول الشمس.
اتخذت المولوية شكلها المتماسك بفضل حلقات الذكر والسماع التي يقيمها الشيوخ لمريديهم.
والمولوية لا تميز بين الأديان والطوائف إذ يحضر حلقات «السمع خانة» كل من يريد ويلقي الجميع تسامياً ملحوظاً من الدراويش المولوية، وعندما انتقل الرومي إلي جوار الله شيعهُ مريدوه وأحباؤه من كل جنس فكان الحاخامات يقرؤون التوراة، والمسيحيون من أصدقائه يرنمون بالإنجيل، والمسلمون يرتلون القرآن علي روحه..عرفاناً بما خلفه الرومي من تراث من العطف والتسامح بين الأديان ستظل البشرية تعتز به وتحترمه.
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ساحة النقاش