مصرنا الحبيبة

الماضي والحاضر والمستقبل

حتى وإن صلى وصام وزكى

الخصال السيئة تقود صاحبها إلى النار

--------------------------------------------



ابتعدنا كثيراً عن هدي رسول الله وأهملنا توجيهاته النبوية القويمة فشاعت بيننا البغضاء وانتشرت السلوكيات المرفوضة واختفت قيم الرحمة والتكافل والمودة والعفو وغير ذلك من فضائل الإسلام التي تجسدت في سلوكيات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقواله وتوجيهاته الكريمة .

ورسول الله الذي امتدحه الله عز وجل فقال: “وإنك لعلى خلق عظيم” تصرف توجيهاته الكريمة المسلم عن العدوان واستحلال حرمات الآخرين، تضبط سلوكه بكل ما هو راق ومتحضر، وتحثه على الالتزام بالكلمة الطيبة والنصيحة الصادقة، وتنهاه عن فاحش القول الذي يهدر أجر وثواب عباداته وطاعاته فلا فائدة من عبادة أو طاعة لم تهذب من سلوك صاحبها وترتقي به وتدفعه إلى عمل الخير .

لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبادة الحقيقية هي التي تزكي النفس وتهذب السلوك، وترتقي بالأخلاق . . يقول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: “أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال:إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار” .

هذا الحديث يؤكد  كما يقول د .محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة  أن الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام، أن تزكي النفس الإنسانية وتصقلها، وتوثق صلة الإنسان بخالقه، وصلته بالناس، على أساس من العقيدة الصحيحة، والخلق الحسن، فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة تترعرع الألفة بين القلوب، وينمو الحنان والإحسان بين الناس، وبالصوم يتمرس الناس على الصبر وسائر خصال البر والتقوى وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم . . وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها، وتؤتي أكلها، إذا صدقت بها نية صاحبها، وتعهدها بمعالجة نفسه، وارتوت منها أحاسيسه، أما إذا أداها كمجرد عادة يقوم بها، وأفعال جامدة لا روح فيها، فلا وزن لها ولا ثمرة ترجى من ورائها .

الخسران المبين

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس السابق لجامعة الأزهر: كثير من الناس يحرصون على العبادات ويظهرون بالمداومة عليها ثم يفعلون ما يتنافى مع روح هذه العبادات ويقترفون ما لا يرضاه الدين . وهؤلاء قد أدوا عباداتهم أشكالا هشة، وكانوا كمن يحمل كثيرا من الدراهم وعليه أضعافها من الديون، فإن حل وقت الأداء وجدها قليلة الجدوى أكثرها مزيف، ولا يغني فتيلاً .

إن الحديث يصور لنا حقيقة المفلس، وإنه يكون معدوم النفع بين الناس، قليل الخير، كثير الشر في الدنيا، كما أنه في الآخرة هالك خاسر لا رصيد له من الخير، حيث تؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا ما انتهت حسناته ولم تف بما عليه من حقوق، أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، ثم ألقي في النار، فتتم خسارته، ويصبح صفر اليدين وما له في الآخرة من نصيب .

أما ما حسبه الناس، من أن المفلس هو من لا درهم له ولا متاع، فليس على حقيقته، فإن من لا مال له أو من قل ماله، قد يحصل على اليسار، فينقطع إفلاسه، أو قد يموت مثلا . . أما من لا رصيد له من الدين فهو الخاسر في الدنيا والآخرة . وذلك هو الخسران المبين .

وهكذا يتضح لنا كيف تؤدي الأخلاق السيئة بصاحبها إلى مهاوي الهلاك . مهما كثرت العبادة . . والعكس صحيح فإن قليلا من العبادات الصحيحة الكاملة مع حسن الخلق تكفل النجاة لصاحبها . وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: “هي في النار”، ثم قال: يا رسول الله فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط  أي قطع الجبن  ولا تؤذي جيرانها؟ فقال: “هي في الجنة” .

وخصال الشر: كالكذب في الحديث، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة إذا اجتمعت في إنسان جلبت عليه غضب الله وغضب الناس، وجعلته بعيدا عن جوهر الإسلام، هالكا مع المنافقين، حتى وإن أدى العبادات وأظهر الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: “ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال: إني مسلم: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان” .

تناقض القول والفعل

يقول د .سعد الهلالي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: من الآفات التي ابتلينا بها نحن المسلمين الآن التناقض الواضح بين ما نؤمن به وما نفعله، فكثير من المسلمين يحرصون على العبادات والطاعات فنراهم يصلون ويصومون ويزكون ويذهبون إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج والعمرة . . ثم بعد ذلك لا نرى أثراً لعباداتهم في سلوكياتهم اليومية وعلاقاتهم بالناس . . وهؤلاء لا نفع ولا فائدة من وراء طاعاتهم وعباداتهم، فالإيمان الذي لا يصاحبه عمل صالح لا أهمية له ولا جدوى منه، والقرآن الكريم يتحدث دائماً عن الإيمان مقرونا بالعمل الصالح في صوره الكثيرة وأشكاله المتعددة، حيث يقول سبحانه في سورة الحجرات: “إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون” ويقول عز وجل: “إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً” .

جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على جماعة من الأنصار فسألهم: “أمؤمنون أنتم؟” فسكتوا، ثم قال عمر رضي الله عنه: نعم مؤمنون يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: و”ما علامة إيمانكم؟” فقالوا: نشكر عند الرخاء ونصبر عند البلاء ونرضى بالقضاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مؤمنون ورب الكعبة” .

إن الإسلام يحذر أشد التحذير من القناعة بالأقوال التي يعلن بها الإنسان عن نفسه ويخدع بها غيره من دون أن تكون هناك أعمال تصدقها، وسلوك يؤكدها، قال تعالى في الذين يقولون ما لا يفعلون “كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” .

زعم باطل

ويفند د . هاشم مزاعم بعض المبتدعة الذين توهموا أن هناك تعارضاً بين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “أتدرون من المفلس . . .” وقول الله تعالى: “ولا تزر وازرة وزر أخرى” وقال: هذا زعم باطل، وفهم للحديث على غير مقصده ذلك أن معنى الآية: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ولكن تحمل كل نفس وزرها، وإن دعت نفس أثقلتها ذنوبها أحدًا ليخفف عنها ويحمل بعض أوزارها فلن تجد من يجيبها حتى ولو كان ذا قربى: “وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى”

وأما ما يثبت في الحديث فإنه إنما عوقب بما ارتكبه من ظلم وما عمله من عمل، فلما أريد أخذ ما عليه من حقوق لغرمائه، أخذ من حسناته، فلما فرغت حسناته، ومازالت عليه حقوق أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه ثم ألقي في النار، وهذا على حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية فسيئات الخصوم التي تحملها الظالم هي بمقدار ما عليه من حقوق باقية، وليست شيئا زائدا فكانت العقوبة هنا بسبب الظلم، ولم تحدث أبدا بغير جناية .

وهناك حديث آخر يؤكد هذا المعنى حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه” .

ويؤخذ من هذا الحديث أن العبادات النافعة، هي التي تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، وحسن معاملة الناس، فالخلق الحسن علامة الإيمان الصحيح والخلق السيئ علامة النفاق . والإسلام صيانة للنفس والدين والعرض والمال ومن خان تلك الأمانات فما له في الآخرة من نصيب .

وقلة المال في الدنيا لا تعني الإفلاس، فقد يأتي المال بعد الفقر، فالمال يأتي ويذهب، ولكن الإفلاس الحقيقي هو فراغ القلب من روح العبادة، وقلة رصيده من مكارم الأخلاق، وفي الحديث دعوة إلى بث سائر صور العدل الإلهي، ومناهضة الظلم والظالمين حتى يستتب الأمان في الحياة وتعالج سائر مشاكل المجتمع الإنساني

 

 

المصدر: الدين للحياة
belovedegypt

مصرنا الحبيبة @AmanySh_M

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

475,628

عن الموقع

الموقع ملتقى ثقافي يهتم بالثقافة والمعرفة في كافة مجالات التنمية المجتمعية ويهتم بأن تظل مصرنا الحبيبة بلدآ يحتذى به في القوة والصمود وأن تشرق عليها دائمآ شمس الثقافة والمعرفة والتقدم والرقي

وليعلو صوتها قوياّ ليسمعه القاصي والداني قائلة

إنما أنا مصر باقية

مصرالحضارة والعراقة

مصرالكنانة  

 مصر كنانة الله في أرضه