أظنّ أن هذا العنوان يستحق طرحه، والتنبؤ بحدوثه اليوم أكثر من ذي قبل، وكأنه اقتباس قريب إلى اسم كتاب "نهاية التاريخ" للكاتب الياباني الأصل الأمريكي الجنسية والمولد فرانسيس فوكوياما. وقد أثارت فكرة كتاب "نهاية التاريخ" زوبعة كبيرة، وكتبت عنه مئات الصحف في أمريكا وبريطانيا، وكتب نقاد كثر يعيبون تلك الفكرة الساذجة التي تروّجها أمريكا. أما فكرته فبسيطة إلى حد السذاجة كما يقول أحد المحلّلين، وهي تعتمد على أنّ المؤلف يقول وهو يحتفل بسقوط الشيوعية وانهزامها ودفنها : "إنّ الديموقراطيةَ الغربيةَ قد انتصرَتْ، وانتصرَتْ معها أمريكا و الغرب، ولم يعد أمامَ العالَم ما ينتظرونه من جديد، لقد حدث الجديدُ فعلاً، وهو انهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي وانتشار الديموقراطيِّ الليبراليِّ الحرِّ في العالَم، بما في ذلك الدول الشرقيَّة التي كانت تابعةً للمنظومة الشيوعية، ولهذا فقد أُغلقَ بابُ التاريخ فلا جديدَ بعدَ اليومِ إلاَّ في حدودِ بعض الإصلاحاتِ والتغييراتِ الطَّفيفةِ هنا أو هُناك"..
وكما أسلفت بالذكر فإن "فوكوياما" تنبأ بنهاية التاريخ ، وكان من الأفضل أن يقول: نهاية الشيوعية والماركسية ونحوها، لأن كتابه لم يأت سوى الاحتفاء بنهاية تلك الأنظمة..هذا ما ناقشه الكتاب ويمكن أن نقول أننا اليوم نشهد نهاية وبداية.. نهاية تاريخ الاستعمار والهيمنة الغربية على الدول العربية، وبداية عهد جديد يقود منطقة الدول العربية إلى يقظة ووحدة شعبية قوية.
قصة:
يحكي أن ملكا استمتع بنفاق حاشيته وجبن شعبه حتى السأم، وفي الاحتفال السنوي أراد أن يسخر من الجميع، وبدلا من الخروج إلى موكبه لابسا أفخر ثيابه ومتقلدا أرفع أوسمته. خرج عاريا تماما، كما ولدته أمه، وراحت الحاشية تقول: ما أفخر الثياب وما أرفع الأوسمة .. والشعب يردد خلف الحاشية ما تقول، وظل الموكب يطوف شوارع المدينة والحاشية تقول والشعب يردد، وفجأة صرخ طفل:
"ولكنني أرى الملك عاريا" ...
لقد طال ضحك الحكام المستبدين على الأمة الإسلامية، وإبعاد العدالة من منصة الحكم، والشعب المقهور لم يجد حيلة من قبل للتمرّد على الطاغوت وقول: لا أمام السلطان الجائر، إلا أننا اليوم نرى أن الشعب هو الآخر بدأ يزيح عن نفسه بعض المذلة، ويقول بجملة واحدة: إني أرى الملك عارياً.
من خلال حديثنا عن ثورات الغضب التي أشعلت شوارع دول عربية عديدة، فإننا أولا نحاول في تحديد بداية هذه الثورات. في هذا الصدد يشير محللون صوماليون أن الصومال هو منبع هذه الثورات، والتمرّد على حكومة سياد برى كانت بداية التمرّد وانفجار بركان الشعب على الديكتاتورية المقيتة، كما أن انتفاضة المحاكم الإسلامية التي أطاحت بزعماء الحرب التسعة في مقديشو "تسعة رهط يفسدون في الأرض" - كما عبر بذلك إعلام المحاكم الإسلامية آنذاك؛ كانت أول ثورة غضب على الظلم منذ بداية هذه الألفية، ولكن –حسب المحللين- فإن الشعوب في الدول العربية الأخرى أدركت ذلك في وقت متأخر.
وعند التنبؤ في مستقبل الصومال، فإن الصومال أولاً يشهد اضطرابات متشعبة، تحتاج إلى تدقيق النظر بمعطيات الصراع. نلاحظ المدّ والجزر بين أرباب السلطات والنفوذ من الحكومة الفيدرالية والأميصوم من جهة، والشباب المجاهدين من جهة أخرى.. إنه من الصعب تحديد اتجاه الرياح ولكن عموماً من خلال ندوة مصغّرة عقدها كاتب هذه السطور لمثقفين صوماليين، تكالبت تحليلاتهم على تغليب كفة الإسلاميين على غيرهم في آخر المطاف.
وفي هذه اللحظة يمكن التنبؤ ببدء نهاية تاريخ الاستعمار عند قراءة ما يجري في الدول العربية من الثورات الشعبية والتي أتت أكلها في تونس ومصر بإطاحة بن علي ومبارك، بينما لا تزال شوارع دول أخرى مسعّرة بثورات غضب حتى لحظة كتابتي لهذه الأسطر، ومن نافل القول أن الله ينصر المستضعف ولو بعد حين..
وبما أني لا أودّ الخوض في غمار الأحاديث النبوية التي وردت في تلميح زمن ظهور "المهدي" إلا أننا نستنير من اليقظة الشعبية أنها تحتاج إلى رجل يولّي أمرهم، ويعمل في توحيد صفوفهم وتسيير شؤونهم، إنها تدقّ الجرس لبداية مرحلة جديدة، مرحلة ليس للطغاة فيها نصيب، مرحلة لا تقبل إلا العدالة، مرحلة تتمرّد على كل مستبدّ، مرحلة تقول بملء فيها: آن الأوان أن يحكم العادل.
فحول القراءات المتوافرة عن الواقع الحالي والمنتظر، يمكن أن نتنبأ بأن هذه الثورات البركانية تمهّد الطريق لتحرير بيت المقدس من اليهود الغاصبين، كما يمكن التنبؤ بإمكانية ظهور "المهدي المنتظر".. ولكن يسبق ظهوره زوال إسرائيل وتحرير بيت المقدس – كما استنبط ذلك خالد عبد الواحد من الأحاديث النبوية التي تحدثت عن ظهور المهدي والتي بلغت حدّ التواتر. يقول خالد بعدما أورد طرفا من تلك الأحاديث: " وبناء على ما تقدم ، نقول أن زوال دولة إسرائيل أمر حتمي ، يتبعه زوال حلفائها من الغرب بالضرورة ، قبل ظهور خلافة المهدي ، وأن من سيقوم بتحريرها هو جيش عربي ، وأن صاحب هذا الجيش سيتخذ مدينة القدس عاصمة لملكه ، ومن ثم تدين له بلاد الشام والعراق ، وأن فترة حكمه أو حكم من يخلفه ، ستكون حافلة بالظلم والجور ، وعند ظهور أمر المهدي في مكة ، يبعث حاكم مدينة القدس جيشا إلى الجزيرة ، لا قِبَل للمهدي وجماعته به ، فيُخرب المدينة المنورة ، لدى مروره بها متجها إلى مكة ، فيخسف الله بهم الأرض" (نهاية إسرائيل والولايات المتحدة). فكأن هذه الثورات ليست من شأنها إلا تمهيداً لإصلاحات شاملة تطرأ على الدول العربية والإسلامية، وأن عهد الطغاة ولى، فقد حان على الأفق أن يرفع الذليل رأسه، ويحمد ربه.
وعند الحديث عن نهاية الاستعمار –أو الغرب وأمريكا قد يفكر البعض بشكل عام بأنه يترتب عن ذلك زوال التكنولوجيا والمنجزات الحضارية المختلفة، والأمر ليس بهذا التعميم كما ناقش ذلك سلمان العودة في الدرس السادس والتسعين من سلسلة الدروس العلمية العامّة بعنوان: "نهاية التاريخ"..
والجدير بالذكر أن الشعوب الإسلامية اليوم فترت من طول الليل، فكأنهم لم يستطيعوا أن يتحملوا ظلمات أكثر من هذا، فقد بلغ السيل الزبى، ولم يبق في ألسنة الشعوب المقهورة إلا أن يقولوا لفرعونهم: "ارحل".
وبما أن دور المستقبل يصبح مجهولاً وخاضعاً لإرادة الله تعالى، فإن نتيجة الغضب الشعبي أيضاً خاضعة لقدر الله، ولكن قراءة للشارع العربي يبدوا أن الثورات المتتالية والتي تطالب بالعدالة لن تبرد عطشها إلا بتطبيق الإسلام الذي يرفع راية العدالة، ويحترم التعايش السلمي، والكرامة الإنسانية.. وأما تحقيق طموحات وإرادة الشعب فإنها تتطلّب الإصرار والصبر والصمود، وبعدها ستتحقق الشعوب من صدق المقولة: "لا مستحيل تحت الشمس" فيصمد الشعب المسلم في ثورته أمام الظلم ليرى ثمار الصبر والصمود قطوفها دانية.
وعموماً، فإن الغضب الشعبي الذي تشهده شوارع الدول العربية هذه الأيام هو بركان في أوج هياجه لم يستطع أن يستمر البقاء في جنبات الكبت والتعذيب والاضطهاد.. إنه غضب يقول: "إني أرى الملِك عارياً".. إنه غضب يرجم شيطان الإنس الحاكم بكلمة سحرية واحدة هي: ارحل.


ساحة النقاش