وباءفيروس كورونا والامن الغذائى
اولا :المقدمة :
ان مفهوم "الاكتفاء الذاتي في الغذاء " يعبر عن مدى مساهمة الإنتاج المحلى منالغذاء ، و المستهلك منه.ويقاس كميا بالنسبة لسلعة ما في سنة معينة بإنتاجها المحلى كنسبة مئوية منإجمالي الاستهلاك منها.وهذا المفهوم مختلف عن مفهوم منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن ” الأمن الغذائي يتحققلكل الناس، في جميع الأوقات، عندما يكونوا قادرين اجتماعيا واقتصاديا علىالحصول على الغذاء الكافي والآمن والتغذية الذى يتطابق مع حاجاتهم وتفضيلاتهمالغذائية من أجل حياة نشطة وصحية.
ومحاور الأمن الغذائى هى :
١-الإتاحة :أن يكون الغذاء متاحا في السوق بصرف النظر عن مصدره.
٢- النفاذ والإستطاعة : أن تكون كل أسرة أو فرد قادرة على شراء احتياجاتها من
الغذاء الأمر الذى يتقرر في ضوء الدخل وأسعار الغذاء.
٣-التوازن الغذائى : أن يكون الغذاء صحي ومتزن .
٤- الاستقرار بمعني أن يتسم السوق المحلى للسلع الغذائية بالاستقرار وبعيدا عن
التقلبات.
والفرق بين الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الغذاء
كمفهوم حيث يعتبرالأمن الغذائي أشمل كثيرا من الاكتفاء الذاتي، فبينما يهتمالأمن الغذائيبأن تكون السلع الغذائية متاحة في السوق بصرف النظر عن مصدر هذه السلع سواء كان الإنتاج المحلى أو الاستيراد، بينما يركز الاكتفاء الذاتي على أن يكون مصدر الإتاحة هو الإنتاج المحلى بشكل أساسى.والأمن الغذائي يشمل أبعاد اقتصادية واجتماعية متعلقة بتوزيع الدخول والفقر، اماالاكتفاء الذاتى فهوأكثر تحديدا ويتعلق برغبة متخذ القرار بعدم الاعتماد علىالخارج في توفير الغذاء تجنبا للمخاطر سواء الناجمة عن الاستخدام السياسى .
انعكاسات وباء فيروس كورونا على الأمن الغذائى المصرى
قد تؤثر انعكاسات وباء فيروس كورونا سلبا على مساعى الدولة لتحقيق أهداف استراتيجية التنمية المستدامة 2030 المتعلقة بمكافحة الفقر والقضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائى، لا سيما وهناك ما يقرب من 32% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر (نشرة الدخل والإنفاق للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، 2017)، علاوةً على 20% آخرين يدورون حول فلكه. وتشير التقارير العالمية أن تفشى وباء كورونا سيكون له تأثيرات شديدة على المحاور الأربعة الرئيسية التى يرتكز عليها تحقيق الأمن الغذائى فى الدول النامية، وهى توافر الأغذية، وإمكانات الحصول عليها، واستخدامها والبعد التغذوى .والآثار الاقتصادية لوباء فيروس كورونا على الأمن الغذائى فى مصر.قد تعزى الى :اولا :تقييد التصدير من الدول المصدرة تحسبا لنقص الإمدادات فى أسواقها المحلية. وبالنسبة لمصر، باعتبارها مستوردا صافيا للغذاء وتعتمد على السوق العالمية فى تلبية حوالى 45% من احتياجاتها الغذائية، فقد يؤدى تقييد حركة التجارة العالمية الزراعية إلى نقص المعروض وارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية؛ وقد لا تستطيع المخزونات الاحتياطية الصمود طويلا إذا استمر انتشار الفيروس لمدد أطول؛ مما قد يشكل تهديدا للأمن القومى والسلم الاجتماعى.
ثانيا: احتمالات تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى إلى ما بين 0,5% و1,5% خلال العام الجارى 2020. وتراجع النمو الاقتصادى العالمى إلى ما دون 2% قد يكلف خسائر اقتصادية فى حدود تريليون دولار ستتحمل تبعاتها جميع دول العالم بدرجات متفاوتة. و شهدت الدول المصدرة للعمالة ومن بينها مصر تباطؤا فى تحويلات العاملين بالخارج بسبب حالات التسريح من العمل، وتأخر دفع الرواتب فى الدول التى يعملون بها. كما أنه من المتوقع أن يؤدى تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى وتعطل حركة التجارة العالمية إلى تأثيرات شديدة فى جانب العرض؛ حيث تعتمد مصر كغيرها من الدول النامية على مدخلات الإنتاج والمواد الخام المستوردة؛ مما سينعكس سلبا على معدلات الإنتاج ومستويات التوظيف. كذلك، فقد يؤدى هروب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والأموال الساخنة، وهى أمور متوقعة فى مثل هذه الظروف، إلى تراجع أسعار صرف العملة المحلية؛ مما سيجبر الحكومة على تحمل أعباءٍ إنفاقيه إضافيةٍ ويفاقم مشكلات سداد أقساط وأعباء خدمة الديون الخارجية ويشدد الشروط الائتمانية لحصولنا على قروض جديدة. وفى ضوء هذه التأثيرات؛ فقد أشار نموذج المعهد الدولى لبحوث السياسات الغذائية أن كل 1% تراجع للنمو الاقتصادى العالمى قد يستتبعه ارتفاع فى عدد الأفراد الذين يعيشون فى فقر أو فى حالة انعدام الأمن الغذائى بنسبة 2٪، وقد ترتفع هذه التقديرات فى دولة كمصر بسبب المشكلات الهيكلية المزمنة التى تعانيها قطاعاتها الاقتصادية بصرف النظر عن فيروس كورونا.
ثالثا: قد تلجأ الحكومة إلى تشديد إجراءاتها الاحترازية فى حال استمرت أعداد الإصابات فى التزايد؛ مما قد ينتج عنه تحديات لوجستية واضطرابات فى سلاسل الإمداد الغذائى وعرقلة لقدرات المنتجين على توصيل منتجاتهم إلى المستهلكين. وقد أشار بعض الخبراء إلى أنه قد يتأثر إنتاج بعض المحاصيل إذا استمر تفشى الفيروس خلال الموسم الزراعى الحالى والقادم. وفيما يتعلق بالاستهلاك، فقد تؤدى التدابير الصحية إلى إثارة الذعر فى أسواق الغذاء وتزايد إقبال المستهلكين على شراء وتخزين المنتجات الغذائية؛ مما قد يحدث صدمة مصطنعة بأسواق الغذاء تسبب نقص إمداداته وارتفاع أسعاره. فعلى سبيل المثال، خلال تفشى مرض السارس فى 2003، وجدت بعض الدراسات علاقة بين التغير المفاجئ فى النمط الاستهلاكى للمواطنين فى الدول الموبوءة وتفاقم مشكلات نقص وارتفاع أسعار السلع الغذائية.
رابعا: هناك مخاوف متزايدة من تأثير الجائحة على أسواق العمل المحلية وخصوصا أسواق العمل الزراعية والأسواق غير الرسمية مما يشكل تحديا ضخما للحكومة فيما يتعلق بتأمين الاحتياجات الغذائية للمتضررين وخصوصا فى ظل ضعف برامج الحماية الاجتماعية. فرغم عدم وجود تقديراتٍ دقيقة، فقد أشارت دراسة أولية لمنظمة العمل الدولية إلى تأثر حوالى 81% من القوى العاملة العالمية بسبب الإغلاق الكلى أو الجزئى لأماكن العمل، وهو ما قد يفقد سوق العمل العالمى حوالى 200 مليون وظيفة. فمن المتوقع أن ما يقرب من مليار وربع المليار شخص ممن يعملون فى القطاعات الأشد تضررا بالجائحة، كالسياحة وخدمات الإقامة والطعام، والصناعات التحويلية، وتجارة التجزئة، وأنشطة الأعمال والأنشطة الإدارية والتى تشكل ما نسبته حوالى 38% من التوظيف العالمى، سيكونون عرضةً لمخاطر التسريح وتخفيض الأجور. وبالنسبة لمصر، حيث تشير بيانات التعداد الاقتصادى إلى أن القطاع غير الرسمى يستحوذ على 53% من المنشآت الاقتصادية، فإن الكثير من العاملين فى القطاعات الأكثر تضررا سيتعرضون لصدمات شديدة ومفاجئة فى دخولهم؛ لا سيما وجانب كبير منهم يعملون فى وظائف متدنية الأجور وبشكل غير منظم داخل هذه القطاعات؛ مما سيتسبب فى خفض قدراتهم الشرائية وسيمثل عائقا لحصولهم على أغذية كافية ومتوازنة تلبى احتياجاتهم الغذائية.
وفى ضوء ما سبق؛ فإن التأثيرات الاقتصادية للجائحة تنذر بتداعياتٍ سلبية خطيرة على جهود الحكومة الهادفة إلى القضاء على الجوع وسوء التغذية وتحقيق الأمن الغذائى المستدام سيحدد مداها وعمقها مدى الانتشار الزمانى والمكانى للفيروس. وبناءً عليه، فإنه من الضرورى خلال المرحلة الحالية (المدى القصير) العمل على ضمان التدفق السلس للسلع الغذائية والاستفادة الكاملة من إمكانات السوق الدولية لتأمين العرض والطلب الغذائى، وذلك بتخفيض التعريفة الجمركية على واردات الغذاء لضمان استقرار إمداداته وأسعاره. علاوةً على ذلك، فينبغى أن تتضافر جهود الدولة المصرية مع غيرها من الدول النامية المستوردة للغذاء لحث المجتمع الدولى ومنظماته على مكافحة السياسات الحمائية التى قد تتخذها الدول المصدرة للسلع الزراعية والتى قد تفاقم الأزمات التى تواجه سلاسل القيمة الغذائية العالمية.
أما على المستوى المحلى، فيجب الاستمرار فى المراقبة الدقيقة لمستويات أسعار المواد الغذائية وتشديد إجراءات الإشراف والرقابة على أسواق السلع الغذائية. فمن خلال المعرفة الدقيقة بتحركات الأسواق، ستتمكن الحكومة من الإدارة المتكاملة للسوق بتوجيه المزارعين والمنتجين لاتخاذ قرارات الإنتاج المنطقية، ومكافحة عمليات المضاربة فى مراحل سلاسل الإمداد الغذائى، إلى جانب متابعة جودة المنتجات الغذائية وسلامتها، ومنع ممارسات المنتجين والمستهلكين التى قد تأثر سلبا على الأسواق الغذائية. كذلك، فمن الضرورى العمل على إيجاد وسائل للدعم الفورى للمزارعين والمنشآت الإنتاجية الزراعية والغذائية، كتقديم إعانات مؤقتة للمزارعين ودعم مدخلات الإنتاج، وخفض تكاليف التمويل وتيسير شروط الحصول عليه، وتخفيض أو تأخير فواتير الضرائب والتأمين والإيجارات. وبالتوازى مع ذلك، ينبغى أن تضع الحكومة حماية الفئات الفقيرة وذوى الدخول المحدودة على رأس أولوياتها فى المرحلة الحالية وذلك بتدعيم شبكات الأمان الاجتماعى وتقديم التحويلات النقدية والخدمات الطبية المجانية للفئات الأكثر احتياجا مما قد يساعد فى تطويق تفشى المرض والحد من أضراره على الأمن الغذائى.
آليات مواجهة تحديات وباء فيروس كورونا:
١-المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية:يهدف إلى تنظيم المخزون الاستراتيجي وتحقيق الاستدامة في مجال الغذاء ووضع خطط لتنويع مصادر استيراد أصناف الأغذية الرئيسية.
٢-تعزيز جاهزية واستعداد مراكز الدولة الجمركية لتسيير حركة تجارة المواد الغذائية وحماية الأمن الغذائي وتوفير كل المتطلبات لضمان وصول المواد الغذائية إلى الأسواق دون تأخير،
٣-تنفيذ آلية الارتقاء بقدرة الإنتاج الزراعى الوطنى (النباتي والحيواني )على المستوى القومى بحيث يتم ربط المنتجين بأسواق الدولة وتوفير عقود التوريد الحكومية ما يعزز موقع الإمارات في مؤشر الأمن الغذائي
محاور الأمن الغذائي في مرحلة ما بعد كوفيد-19،
اولا : زيادة الإنتاج المحلي من الغذاء
يتمتع المنتج المحلي بأفضلية كبيرة من حيث الجودة وسهولة توفيره في الأسواق والتغلب على تحديات الاستيراد من خلال تبني التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتطويع الموارد المتجددة
٢-توفير بيئة محفزة للأعمال لجذب الاستثمارات الخارجية، إذ ستشهد الفترة المقبلة تكثيف العمل مع الشركاء لإطلاق حزمة محفزات استثمارية لزيادة المشاريع الزراعية والغذائية بما تخدم خطط زيادة الإنتاج الزراعى
٣-تطوير معايير مختلفة لتقييم فرص الاستثمار الزراعي الخارجي، ومن ضمنها معيار "سهولة وصول المنتج إلى أسواق الدول المستثمرة" ومدى التزام الدول بالاستثمار الزراعي الخارجي وتصدير منتجاته، نظراَ لما تمثله هذه المشاريع من دعم لمنظومة الأمن الغذائي في الدول ذات الموارد الطبيعية المحدود، ما سيغير خارطة الاستثمار الزراعي الخارجي.
الخلاصة :
خطورة ان تبقى مصرمستوردا صافيا للغذاء، يجعل أمنها الغذائى فى مهب رياح الأسواق الدولية وتقلباتها بسبب الأزمات الاقتصادية وانتشار الأوبئة، وهى أزماتٌ من المتوقع أن تتكرر موجاتها مستقبلا لا سيما فى ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية العالمية والإقليمية وسيناريوهات التغير المناخى وتأثيراتها على الموارد الطبيعية ولذلك فهناك ضرورة ملحة إلى إعادة النظر فى السياسة الزراعية المصرية والحوكمة الجيدة للقطاع الزراعى؛ بحيث يكون الهدف على المدى الطويل هو إعادة بناء النظم الزراعية والغذائية بشكل يجعلها أكثر أمانا وعدلا واستدامةً .


ساحة النقاش