جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الغباء السياسي
" الغباء السياسي يقابله التحليل السياسي , والذى تعتمد عليه مؤسسات الرياسة بناء على ما تقوم به أجهزة المخابرات , وفى حالة غياب تقديرات المخابرات يقع الغباء السياسي "
قبل أن نتعرض لأى مفهوم أو تعبير , يجدر بنا أن نعرف دلالته أولا ,
فالتعبير الماثل هو الغباء السياسي , أى أنه تصرف سياسي يتميز بخطأ التقدير أو المعالجة تجاه أمر سياسي , يقوم به صاحبه وهو يتخيل أنه الخيار الأمثل.
وبهذا التعريف يختلف الغباء السياسي عن العمالة ,
كما يختلف عن اتبع سياسة المصالح , لأن هذين التصرفين يدلان على نية مسبقة بتنفيذ اتجاه معين وصاحبه يدرك أثره ويصر عليه , أى أنه ليس ناجما عن قلة حكمة أو حماقة
ولكى يتضح الفارق نلجأ للتمثيل ..
فما كان يفعله شاه إيران السابق محمد رضا بهلوى الذى عزلته الثورة الإيرانية بقيادة الخومينى لم يكن غباء سياسيا بل كان عمالة للولايات المتحدة التى يدين لها بفضل تثبيته على العرش منذ الخمسينيات عندما انقلب عليه الدكتور محمد مصدق رئيس لوزراء فأعادته المخابرات المركزية بانقلاب مضاد خطط له ونفذه كيرميت روزفلت والذى وقف الشاه يقول له { إننى مدين ببقاء عرشي لله ولك ! }
ثم أصبح رجل الولايات المتحدة فى المنطقة ينفذ ما تمليه عليه سياستها تنفيذا كاملا حتى لو تعارض بشكل واضح مع مصالح بلاده , فليس هذا غباء سياسيا بل هو تبعية سياسية يدركها أو كان يدركها الشاه تمام الإدراك ويصر عليها
ولم يكن تصرف بريطانيا فى الحرب العالمية الثانية غباء سياسيا
عندما نفذت عن طريق مخابراتها عملة خداع واسعة النطاق لليابان لكى تقوم تلك الأخيرة بسحق الأسطول الأمريكى بالكامل فى بيرل هاربر
رغم أن الولايات المتحدة حليف استراتيجى لبريطانيا وكانت تمدها خلال الحرب العالمية بسائر أنواع الدعم , إلا أنها رفضت الدخول فى الحرب لجوار الحلفاء حتى نفذت بريطانيا خدعتها فاضطرت الولايات المتحدة لإعلان الحرب كما كانت تتمنى بريطانيا ,
وليس غباء سياسيا ما أعلنته إسرائيل منذ أيام
أنها تعرب عن قلقها من التقارب العربي الحادث الآن فى المنطقة , بالرغم من أنه لا يوجد تقارب ولا يحزنون ,
فهى تعلم تمام العلم بذلك , ولكن إعلانها عن القلق الرسمى هو سياسة متعمدة هدفها درء أى أصوات معارضة فى الكونجرس الأمريكى لما تطلبه إسرائيل من دعم عسكري ومادى وسياسي من الولايات المتحدة , وهذا الدعم ـ وإن كان لن ينقطع ـ إلا أنه سيتقلص طبيعيا عندما تصمت إسرائيل عن إدعاء التهديد المستمر من العرب
ولم تكن ضربتها لغزة فى هذا التوقيت غباء سياسيا
كما ذهب بعض المحللين السياسيين , بل هو قمة الذكاء عندما اختارت توقيتا يجعل إدارة بوش وإدارة أوباما معا يتنصلان من الحرج الذى قد تسببه لهما الأطراف العربية عندما يطلبون منهما التدخل لوقف إسرائيل , فيتمسك بوش بأنه يستعد لتسليم الإدارة لأوباما وليس فى سلطته إجبار خلفه على تصرف سياسي قد لا يريده , ويرد أوباما أنه ليس فى استطاعته فعل شيئ وهو لم يتسلم الإدارة فعليا , وهذا ما كان
أما الغباء السياسي , فأمثلته كثيرة فى عالمنا العربي والعالم أيضا ,
لكن اللافت للنظر أن الغباء السياسي عندنا يشترك فيه الجمهور والقادة أحيانا , بعكس الغرب الذى لا يقع فى الغباء السياسي كجمهور إلا فى النادر عندما يكون واقعا تحت تأثير خدعة محكمة تنطلي على الجماهير , وحتى هذا النوع من الخداع السياسي لا يدوم طويلا ولا يلبث أن تكتشفه الجماهير اليقظة التى تتبع تحقيقات واجتهادات مفكريها وتثق بها , كما حدث من تونى بلير وتسبب فى خروجه من الوزارة وسقوط حزبه بالإنتخابات عقب مؤامرة العراق , وأيضا خدعة بوش التى اضطرته للتضحية بمستشاره وبمدير مخابراته جورج تينت لنفس السبب ,
فمثلا ,
منذ سقوط الإتحاد السوفياتى والعديد من المحللين والجماهير تترقب نتائج الإنتخابات الأمريكية وتتمنى من أعماقها فوز مرشح معين ليعدل ميزان السياسة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين
ورغم التجربة إلا أنهم لم يتعلموا !
فالرياسة فى الولايات المتحدة لا تمثل شيئا تقريبا بالنسبة لسياستها المتفق عليها , والقرار السياسي لا يصنعه رجل واحد ـ كعالمنا العربي ـ بل تصنعه مؤسسات تملك إجبار الرئيس على الخط المرسوم وعدم الحياد عنه إلا بإذنها
وبغض النظر عن الفائز بمقعد البيت الأبيض فإنه لن يستطيع تغيير مبادئ نشأت عليها سياسة الولايات المتحدة طالما كانت ظروفها هى نفس الظروف ,
مثال ذلك لا يستطيع الرئيس أو حتى إدارته بأكملها أن يعبث بالقوانين الخادمة للرأسمالية الحرة ,
كما لا يستطيع أن يغير التحالف الإستراتيجى بين الإدارة الأمريكية والإسرائيلية مهما فعل , لأن ظروف التحالف لا زالت قائمة واللوبي الصهيونى الموجود بشكل مسطح على كافة مجالات المجتمع الأمريكى يضمن إستمرار هذا التحالف
ولذا من تفاءل بأوباما هو قاصر نظر تماما كالذى تفاءل بجورج بوش الإبن ,
ومصيبتنا النسيان , فقد نسينا أن بوش حصل على دعم المسلمين وأصواتهم البالغة ستة ملايين صوت لكى لا يأتى ألبرت جور الصهيونى , فجاء بوش الإبن وفعل بالإسلام والمسلمين ما لم يفعله شارون نفسه لو كان بموقعه !
فالعبرة بمؤثرات السياسة التى يجيد اليهود اللعب بها ونفتقر نحن إليها رغم توافر وسائل القوة والضغط لدينا ,
فالجالية الإسلامية بالولايات المتحدة تفوق الجالية اليهودية مرتين على الأقل عددا , كما أنهم يتمتعون بثقل إقتصادى كبير وعلى الرغم من ذلك فلم يستطيعوا تحقيق شعرة ضغط تقف فى مواجهة ضغط اللوبي اليهودى الذى يعد أستاذا فى فن السيطرة ويعمل كتنظيم أخطبوطى يشمل إمبراطوريات المال والأعمال والإعلام فى العالم أجمع
بينما المسلمين ـ الجادين ـ يفتقدون لهذا التنسيق حتى فى أدنى مستوياته
وقوة اللوبي اليهودى فى أمريكا تكمن فى تعدد مستويات قوته التى لا تقف عند حد الضغط السياسي بل تشمل أيضا وسيلة الخلاص من الرئيس نفسه إن عنّ له الخروج المبالغ فيه عن الخط المرسوم حتى لو حصل على تأييد الكونجرس
وطريقة الخلاص منه تتم بالتصفية الجسدية أو الفضيحة السياسية ,
وقد تم استخدام كليهما مع رؤساء الولايات المتحدة وكان آخرها فضيحة مونيكا لوينسكى التى تورط فيها كلينتون على قبيل { قرصة أذن } لكى لا يظن نفسه متحركا بمعزل عن أخطبوط المصالح
فالأولى بالعرب والمسلمين أن يلتفتوا لقوتهم الذاتية ويعيدون بناءها لا أن يركنوا لنتائج غيرهم , وليس هذا غريبا أو شاذا وإنما نحن الذين نفتقد العزيمة
فوضع اللوبي اليهودى الآن بالولايات المتحدة لم يبلغه بين يوم وليلة , ولم يجده جاهزا فى انتظاره , بل على العكس لقد كان هذا الوضع منذ ستين عاما فقط على الضد من الشكل الحالى , وكانت توجهات السياسة الأمريكية ضد اليهود على طول الخط فبذروا بذرة التحالف والمصلح حتى أسسوا منها حديقة اللوبي الضاغط الآن من العدم
بينما نحن ـ بالتناحر والتنابذ والديكتاتورية ـ فشلنا حتى فى الحفاظ على علاقاتنا وأوراق ضغطنا التى تحولت إلى أوراق ضغط علينا لا لنا !
ومن قبيل الغباء السياسي أيضا ,
ما تفعله بعض النظم العربية فى التفرقة بين الصحف الرسمية وصحف المعارضة , حيث لا تسمح بأى كلمة انتقاد ـ مهما كانت بساطتها ـ فى الجرائد القومية , بينما لا تمنع الجرائد المستقلة والمعارضة من رفع سقف النقد حتى وصلت بمصر مثلا إلى درجة حرية الصحافة فى الغرب , فعلى صفحات الدستور والمصري اليوم والعربي والبديل ترى أعلى ألوان التنكيل بالسلطة ولا يتم حظرها ولا التعرض لها إلا نادرا
وهذا تناقض حقيقي ,
فإما أن يكون منع وحظر فيشمل سائر ألوان الإعلام وإما يرفع عنها جميعا , على الأقل حتى لا تتمسك المعارضة بنفاق الجرائد القومية ,
فما هو السبب الداعى لأن تصدر الصحف القومية بنفاق كامل لا فائدة منه مع وجود أشد أنواع المعارضة بجرائد أخرى متاحة ,
فهذا الأمر لو تم تداركه وتم السماح للصحف القومية بممارسة مهامها بالحرية الممنوحة للمعارضة لكسب النظام نقطة رهيبة فى صراعه مع المعارضين ودون أن يكلف نفسه شيئا فى الواقع !
أيضا فى مجال حظر الأخبار والأنباء فى الدول العربية على مؤسسات الإعلام التابعة لها , فهذا تصرف فيه من الغباء السياسي الشيئ الكثير ,
فالعالم الآن فى عصر الإتصالات المذهلة يسمح للشعوب بمتابعة الأخبار والأنباء فى نفس لحظة وقوعها بالصوت والصورة أى أن المنع القائم منع لا يفيد شيئا البتة
فلماذا لا يتم فتح الباب أمام القنوات الرسمية فى تلك البلاد على الأقل لتحسين صورة الأنظمة ولو جزئيا
ومن مشاهد الغباء السياسي أيضا ,
هو استمرار سياسة التحالفات مع الغرب من دول العالم الثالث , رغم أن التجارب كلها تشي وبوضوح أن الولايات المتحدة وأوربا بلاد ليس فيها أسرار دائمة ,
بل أسرارها لابد أن تكشف للعامة طال الزمن أم قصر , وعندئذ تكون الفضائح المدوية التى ألفناها .
بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة لم تغير سياستها المعروفة بالتخلى عن رجالها عند فقدانهم مراكزهم وعدم التدخل لمناصرتهم , ومع ذلك هناك من يرهن مقعده بالسياسة الأمريكية لائذا بها , وكأنهم لم يتعلموا من درس شاه إيران السابق شيئا وهو الذى فعل للولايات المتحدة على حساب بلاده ما لم تتوقعه , ومع ذلك رفضت الولايات المتحدة منحه حق اللجوء السياسي الذى تمنحه آلاف المرات كل يوم لأفراد لا يساوون شيئا , ومع ذلك رفضت منحه إياه وتركته يرتحل من بلد لبلد منقول
ساحة النقاش