<!-- / icon and title --><!-- message -->
(] صِناعةُ المرأةِ [)
" فما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عَيْبٌ
و لا التذكيرُ فَخرٌ للهلالِ "
المتنبي
العنايةُ بـ ( المرأة ) من أسمى ما يجبُ أن يُعتنى به في أزمنة الإصلاح ، بل إنها الباب الأساس في تكوين بيئةٍ صالحة في مجتمعٍ يَغُطُّ في نومٍ عميقٍ ، و يعيشُ جهالةً بما يُكادُ حولَه .
( صناعة المرأة )
قد يكون في العنوان ما يثيرُ عَجَبَاً ، لكن الحقائق تجعل الأمرَ مُسَلَّمَةً .
إن الله _ تعالى _ لم يجعَلِ المرأةَ سوى إنسانٍ مَيَّزَهُ بـ : عقلٍ ، و فهم ، و إرادةٍ ، فليس الرجل بذلك ممتازاً عن المرأة ، فكلاهما متفقٌ في أصل التمايُز البشَري .
إذنْ ، فالأمر بينهما واحدٌ في أصلِ التمايزِ ، و أما التفاوت في درجات ذاك التمايُز فهو زائد عن الأصل .
قانون ( صناعة المرأة ) يقوم على وَفْقِ خُطًى قوية ثابتة ، متى جاءت بها المرأةُ ، و الرجلُ كذلك ، تحقَّقَتْ لنا جودة الصناعة ، و نحن في عصرِ الجودةِ .
الخُطْوَةُ الأولى : أن تعرفَ ( المرأة ) أنها ذاتُ عقلٍ مُمَيِّزٍ .
العقلُ الذي وهبَه الله الإنسانَ _ ذكراً و أُنْثى _ سبيلٌ مُعْتَبَرٌ لمعرفةِ الأشياء ، و تبيينِ الصدق من الكذب ، و الحقيقة من الخيال .
و هذه الخُطْوَةُ ليستْ من المجهولاتِ لدى المرأة و غيرها ، و إنما ذكرها من باب : تحصيل الحاصل .
و غفلةُ المرأةِ عن ملاحظةِ قُواها العقليةِ ربما يكون عائداً إلى عدمِ بَحْثها عنها ، أو من جرَّاءِ ما تُدركه من رؤية الرجالِ للمرأة ، و الاحتجاجُ _ خطأً _ بـ { للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيَيْن } ، فتحصلُها معرفةَ ما لديها من قُوَّةٍ عقليَّةٍ أصلٌ صِناعيٌّ كبيرٌ .
الخُطْوَةُ الثانية : أن تكون ذات طموحٍ و همةٍ نحو الكمال .
المرأة لها نفسٌ تستشرفُ شيئاً تناله ، و تبتغي أمراً ترجو بلوغَه ، و هذا كافٍ لكونها متأهلَة لصناعةِ نفسها .
أما أن تكون غيرَ راغبةٍ في شيء من الأمور العوالي ، و لا طموحةٍ إلى منتهى الكمالات ، فإنها ستحتضنُ التراب لصيقاً لهمتها ، و بيت العنكبوت معشوقاً لإرادتها ، و ليسَ هذا قدْرُها .
و حيثُ كانتْ فاقدةً للسعي وراءَ ذلك فإنها مُطالَبَةٌ بتحصيل أسباب نوالِه ، إذ التَطلُّعُ للشيء العالي من أهم مَيْزَات العقل .
و السَعْيُ نحوَ الكمالِ ميسورٌ سهلٌ فليس صعباً لا يُنالُ إلا بشقِّ الأنْفس ، و لا غالياً باهظَ الثمن .
و أصلُ ذلك : معرفةُ الأشياء التي تريدها ، و البداية بعزمٍ و حزمٍ في المقصود ، و السيرُ على حُداءِ الهمة .
و الهِمَّةُ إنما تكونُ في سعايةٍ نحوَ أمرٍ مطلوبٍ معروف ، تَطْمَحُ المرأةُ في الوصولِ إليه ، بل تجنح إلى سلوك أسباب تحصيلِه .
و عدَمُ سَعْيِها نحوَ أمْرٍ ترْنُوْ إليهِ هو سعي نحو مجهولٍ ، و المجهولُ ليسَ بشيء ، و سَعْيُها نحو غايةٍ يَشُوْبُها غَبَشٌ سعي في ظلامٍ بلا نورٍ .
إن المرأة الراغبَةِ في صناعة نفسها لابدَّ لها من تحديد معالمِ ما ترغبُ الوصولَ إليه بِحُداءِ الهمة ، و ترانيم الإرادة .
و العزِيْمَةُ المُرَادَةُ ثنتان :
الأولى : عزيمةُ الهمَّة ؛ و هي : تأهُّبُ الهِمَّةِ للسعي نحو المكارم .
الثانية : عزيمةُ الطريق ؛ و هي : تَبْيِيْتُ العزم على السير بجد و حزمٍ .
إن المُلاحظَ لعامةِ مَنْ يسْعى لتحصيلِ كمالٍ ، و يحدو السير لنَوَاْلِ شَرَفٍ مَرُوْمٍ تتخَلَّف عنه إحدى هاتينِ العَزِيْمَتَيْن ، و القِلَّةُ مَنْ حواهما في مسيرهِ مسيرةَ الكمال .
فمتى كانت لدى المرأة عَزِيْمَةٌ و إرادةٌ حَظِيَتْ بسلوكِ طريق ( صناعة المرأة ) ، لكنْ يُؤْسِفُ أن تُرى نساءٌ مُتِّعْنَ بِهِمَمٍ كِبارٍ عَوَالٍ يَفْتَقِرْنَ إلى عزائمَ شِدادٍ ، بل يُمِتْنَ العزَائِمَ اللائيِ وُهِبْنَها ، فضَاعَتْ أعمارٌ و أُهْلِكَتْ أنفسٌ ، و تمضي ضيعةُ الأعمارِ سبهللاً .
فَمُراعاةُ هذه الخُطْوَةِ أمرٌ في غايةِ الأهميّةِ ، و مطلبٌ في منتهى النفاسة ، و إهمالُه و إغفالُه خللٌ في سلوك الطريق ، و خطأٌ في لزوم جادةِ الكمال .
فإذا صحَّ العَزْمُ لدى المرأة شَرَعَت في العمل سعياً في تحقيق الكمال ، و سيراً في إتقان ( صناعة المرأة ) .
و لا بدَّ لها من رعايةِ أمورٍ في سير العمل :
الأول : الجد في العمل ، فإن كثيراً من النساء يَسْعَيْنَ و يَعْمَلْنَ و هُنَّ على غير جدٍ في العمل .
و بهذا لا يستقيم لها الأمر ، و لا يتم لها العمل للنجاح ، بل عليها بإسباغِ العمل رحيق الجد حتى تتذوقَ منه جنياً و شَهْداً طيباً .
الثاني : الصبر ، فإن بلوغ المعالي لا يكون إلا بجسور من الصبر ، و من يخطبِ الحَسْناءَ لم يُغْلِهِ المهرُ .
الثالث : الإتقانُ ، فالرضا بالعمل المَخْدُوْشِ الناقص دنوٌ في الهمة ، و خَوَرٌ في العزيمة .
و محبةُ الله و المِدْحَةُ مصروفتانِ لِمُتْقِنِ العمل ، و الإتقان من أدلِّ الأشياء على صدق السعي نحوَ الكمال.
الرابع : الاحترازُ من القوادح ، العمل لابدَّ من أن تعتريه قوادحُ تقْدَحُ فيه ، و القوادحُ هذه قسمان :
الأول : قوادحُ في أصلِ العمل كـ : أخذِ العلوم من غيرِ مصادرها ، و عدم إتقان بُنيانها .
الثاني : قوادحُ في كمالِ العمل كـ : تقديم المتأخِّرِ على المتقدِّمِ .
و لا يستقيمُ للمرء سلوكٌ في عمَلٍ في تحقيق هدفٍ ما لمْ يَكُنْ صاحبَ عزيمةٍ .
هذه خُطُوَاتٌ مَيْسُوْرَاتٌ نحو ( صناعة المرأة ) رغبتُ في كتابتها أملاً في أن ترعاها المرأةُ برعاية العمل ، و أن تلْحَظَها بملاحظةِ العنايةِ بها .
غيرَ أنني أعترفُ أنني لم أستوعبْ ما أظنهُ سبيلاً نحوَ كمالِها ، و لا طريقاً لوصولها لعليائها ، و ما ذاك إلا لأن المرأةَ أجل من أن يسعى في تأصيل أصول صناعتها جمعٌ من البشرِ ، و باطنها يحملُ إبداعاً يعجزُ عن أضعافها من رجالات الزمان ، و إذا أولتِ الأمرَ شيئاً كانت فيه الرائدة ، و بلغت فيه السيادة .
إلا أنني أقطع أنني أشرْتُ إلى أمورٍ أظنهنَّ معالم في ( صناعةِ المرأة ) ، و أتيتُ على قواعدَ في ضبط ( صناعة المرأة ) ، و لن تَعْدِمَ المرأةُ شيئاً إن هي راعتْ كُلاَّ بعين الغضِّ عن السوء ، و بعين الرضا عن الحسن .
فها أنا سيدتي قد أوصدتُ بابَ الكتابة ، و حلَّتْ بيراعتي الكآبة ، منهياً كلاميَ المنثور ، راجياً منكِ بهجةَ السرور ، شاكراً لكِ وَهْبِيَ الشَرَفَ ، حيثُ قرأتي مني الحرْفَ ، متمنياً أن تعلنيها قائلةً بقوة صارمة ، " إنني صانعةُ نفسٍ حازمة ، و سترى أيها العالَمُ مِن شأني ما يسرُّكَ ، و تعلمُ من خبري ما يبُرُّكَ ، فارتقبِ مجيءَ الساعة ، و الْحَظِ الأمورِ بقناعة ، فإنني على ما ظنَنْتَ ، و في رومِ ما أردْتَ ، و لكنني أسألَ المولى منحةً ، و توفيقاً بنفحةٍ ، أرتقي بها جوَّ السماءِ ، و أغازلَ بصعودي مقاماتِ العَلاءِ ، و أرى أقواما رضوا بالمنامِ ، و استبدلوا حقيقةً بأحلامٍ ، و الموعدُ ساعةُ الصفرِ ، وانبثاقُ الفجر .
و عندها يهتفُ العالَمُ قائلاً : إنني في انتظارِ موعدتك ، فاحزمي أمتعتك ، و خاطبي ذاتك العليَّة ، بأنكِ سيدةٌ سَنِيَّة ، رُمتي سماءَ الإبداع ، و أبيتِي إلا الإرتفاع ، و كوني ناظرةً للمستقبلِ المأمول ، معرضةً عن ماضٍ مخمول ، و اختمي بأخد عهدٍ و ميثاقٍ ، لأن تكون دوماً في سباق ، و أرجو ألاَّ يغلبَنَّك الزمان ، فهو خادمٌ لذاك الكيان ، رقيتِي كمالاتٍ سامقة ، و بلغتي مقاماتٍ باسقة ، و دُمتي بعافية ، و صحةٍ موافية .


ساحة النقاش