الاستنساخ البشري

 

أعلن العالم الإيطالي الاختصاصي في مجال الطب العقمي سيفيرينو أنتينوري عن أن أول تجربة استنساخ بشري ستتم في إحدى الدول التي تبيح استخدام تقنيات الاستنساخ على البشر . لكن رغم الإعلان عن مشروعه والإفصاح عن أنه قطع أشواطاً كبيرة مع زملائه في طريق استنساخ أطفال للزوجين المصابين بالعقم ، فإن العالم الإيطالي لن يتخذ قراراً بالإقدام الفعلي على التجربة إلا في تشرين الأول المقبل.

ترافق هذا الإعلان مع تقدم قانوني لافت على مستويين : الأول أوروبي ، إذ دخلت اتفاقية أعدّها المجلس الأوروبي لمنع الاستنساخ البشري ووقعتها تسع وعشرون دولة إلى حيز التنفيذ ، والثاني في بريطانيا ، التي لم توقع على الاتفاقية الأوروبية ، إذ تبنت الحكومة البريطانية مشروع قانون بناء على تقرير أعدتّه المراجع العلمية في لندن .

انطلاقاً مما تم من اكتشافات منذ استنساخ النعجة دوللي عام 1997 ، هناك شبه إجماع على الاعتقاد بأن آلية الاستنساخ سهلة إلى حد ما : يكفي تجربة بويضة موهوبة من نواتها ومن حمضها النووي ، ومن ثم دمجها بالخلية المراد استنساخها . تخضع الكتلة الخلوية لتيار كهربائي يطلق عملية تكاثر الخلايا إلى حين يقارب عددها ست إلى ثمانية ازواج ومن ثم تزرع في رحم امرأة . www.tartoos.com

يأمل العلماء في استنساخ خلايا بشرية يمكنهم من " صنع " أعضاء جديدة لمعالجة امراض الكبد والقلب والغدة والخلايا الدماغية . www.tartoos.com

تستخدم لذلك التقنيات نفسها المعتمدة في استنساخ الحيوانات ، وبالتالي يمكن استخدام هذه التقنيات لاستنساخ البشر ، الأمر الذي يولد إرباكاً كبيراً في المجال القانوني ، إذ سيؤدي حظر استخدام هذه التقنيات إلى وقف الدراسات الجارية لإيجاد العلاجات لأمراض مزمنة كمرض باركنسون والزهايمر والسرطان وأمراض القلب ..

لذلك يتخوف بعض العلماء من أن تواجه التجارب الجديدة ، خصوصاً إذا تمت عملية استنساخ بشري ، بتشريعات يصفونها بالكارثية لأنها ستطال حياة الأشخاص الذين ينتظرون نتائج الأبحاث . www.tartoos.com

بالرغم من أي إنجاز في هذا المجال لم يعلن عنه أمام الملأ حتى الآن ، إلا أنه من المؤكد أن دراسات وتجارب غير منظورة تتم في الخفاء ، وقد ظهرت بعض معالمها بتوالي الإعلانات عن نوايا بإجراء التجارب . وقد سبق العالم الإيطالي أنتينوري على ذلك زميله الأميركي بنايوتيس زافوس من جامعة كنتاكي ، الذي صرّح منذ أشهر عن تأسيس مركز للأبحاث بالاشتراك مع انتينوري لإجراء أول تجربة استنساخ بشري . www.tartoos.com

تكمن مخاطر هذه التجارب ليس في التشوهات أو التعقيدات الوراثية في الأطفال المستنسخين فحسب ، بل أيضاً في الآمال التي يمكن أن توقظها هذه الأبحاث لدى الأشخاص المصابين بالعقم أو بأمراض مزمنة اخرى أو لدى عائلة فقدت وليدها وتأمل في استعادته . www.tartoos.com

يصف العالم إيان ولموت ، الذي استنسخ النعجة دوللي ، عمليات الاستنساخ البشري بالإجرامية وغير المسؤولة ، إذ إنه وبعد أربع سنوات على التجارب الجارية على الحيوانات ، لازالت نسبة الفشل طاغية : 98 في المئة من محاولات زرع الأجنة المستنسخة تمنى بالفشل أو تجهض أثناء فترة الحمل أو تقضي بعد الولادة مباشرة . أما الحيوانات المستنسخة التي تنجح في البقاء على قيد الحياة ، فيصل حجمها إلى ضعف حجم الصغار لدى ولادتهم . كانت والدة دوللي تبلغ من العمر ست سنوات لدى استنساخها ، وهذا ما قد يفسر كون خلايا دوللي تبدو أكبر سناً مما هي عليه . من الممكن إذن أن تنتج عمليات الاستنساخ البشري أطفالاً عجائز . العالم ولموت يؤكد أن الأطفال المستنسخين سيحظون بالإعاقات نفسها ، لكنه يستطرد : إذا كان من السهل إتلاف الأجنّة الحيوانية المشوهّة فإن الأطفال يتركون إلى حين تأتيهم المنية وغالباً ما تأتي سريعاً . www.tartoos.com

العالم الإيطالي الذي سبق أن ساعد سيدات مسنّات في إنجاب أطفال عبر تقنية الأنبوب ، أكد المؤتمر الصحفي الذي عقده للإعلان عن مشروعه أن الطفل المستنسخ لن يكون نسخة طبق الأصل عن والديه ، مشدداً على أن عملية الاستنساخ التي يسعى إلى حل مشاكل العقم بواسطتها ستعتمد على جينات الزوج ، وبالتالي ستؤدي إلى أولاد من صلبه . إلا أنه ، ورغم قوله ذلك لقطع الطريق على الانتقادات التي سترشقه من كل حدب وصوب ، ، ولا سيما بعد دخول الاتفاقية الأوروبية إلى حيز التنفيذ ، أقرّ بأن هناك بعض المخاطر لعمليات الاستنساخ البشري وفقاً للنهج الذي سيعتمده ، كحدوث تعقيدات وراثية محتملة . www.tartoos.com

بموجب الاتفاقية الأوروبية التي دخلت إلى حيز التنفيذ منذ فترة قصيرة ، بات محظوراً استنساخ البشر عبر أي عملية تؤدي إلى ذلك ، سواء من بشر على قيد الحياة أو ممن وافقتهم المنية . وتهدف الاتفاقية إلى المحافظة على النوعية والتفرّد البشري للإنسانية جمعاء . www.tartoos.com

بريطانيا التي لم توقع على هذه الاتفاقية تبدو متجهمة نحو تشريع الاستنساخ البشري لأغراض العلاج فقط ، وذلك بالرغم من الاعتراضات الشديدة من فلاسفة وعلماء يتساءلون عن الحدود التي ستقف عندها هذه العمليات إذا شرعّت . www.tartoos.com

يقضي التقرير العلمي الذي تبنتّه الحكومة البريطانية بإجراء أبحاث علمية على الأجنّة البشرية ( سواء نتجت عن الإخصاب عبر الأنبوب أو عبر الاستنساخ ) لتعميق المعرفة حول الأمراض البشرية وإيجاد العلاجات لها عن طريق " صنع " الأبحاث وفقاً للقوانين النافذة . وفي حال استخدام الأجنة المستنسخة لأغراض البحث يجب أن تكون هي الوسيلة الوحيدة لإجراء الدراسة ، على أن تؤخذ موافقة واهبي البويضات أو الحيوان المنوي . www.tartoos.com

يبيح التقرير البريطاني أيضاً استخدام تقنية الاستنساخ لإصلاح خلل عضوي في البويضات لأن هذا لا يعني استنساخ الأطفال ، إذ تظل البويضة المعدلة بحاجة إلى الإخصاب الذي يوجب القانون أن يتم بواسطة الحيوان المنوي للزوج أو الشريك . سيحمل الطفل الناتج عن هذه العملية إذن مورثات أهله الجينية والحمض النووي لواهبه البويضة .

يحظر التقرير في المقابل دمج خلايا بشرية بويضات حيوانية على غرار ما حصل في الولايات المتحدة الأميركية ، حيث حاول بعض العلماء خلق كائنات هجينة عبر استخدام بويضات الأبقار . كما يحظر التقرير زرع الجنين المستنسخ لأغراض البحث في رحم امرأة . www.tartoos.com

في الولايات المتحدة الأميركية بأمل العلماء في إقناع الكونغرس برفع الخطر ، الذي فرضته الحكومة على البرامج الفدرالية لتمويل الأبحاث على الأجنة المستنسخة .

لكن على عكس ما هو حاصل في بريطانيا ، يخوف العلماء من أن تؤدي تجارب الاستنساخ البشري في غياب القانون إلى ردة فعل عنيفة من قبل المشرعين ، لذلك تبقى الأبحاث قيد السرية . يقول احد العلماء الأميركيين إن معجزة الاستنساخ في عيون الناس العاديين ليست هي نفسها في عيون العلماء . المعجزة الحقيقية هي رؤية الخلية الجلدية مثلاً أو أي خلية اخرى تتحول ، بعد دمجها ببويضة مجردة من نواتها ، إلى خلية أم  استخدامها في صنع أعضاء بشرية. هذا الأمر يخوّل العلماء رعاية أنسجة في المختبرات لاستبدال الأنسجة المريضة أو المشوهة في جسم الإنسان من دون الحاجة إلى علاج مضاد ، إذ تتكون الأنسجة الجديدة من خلايا جسم المريض نفسه . سيؤدي هذا الأمر بالتالي إلى حل مشكلة زرع الأعضاء المزمنة . www.tartoos.com

بالإضافة إلى مشروع العالم الإيطالي الذي ينوي صنع طفل لزوجين مصابين بالعقم ، أعلنت إحدى الفرق الدينية الأميركية عن عزمها على استنساخ طفل قضى وهو لم يبلغ من العمر عشرة أشهر ، وتأمل عائلته في إعادته إلى الحياة . www.tartoos.com

وتقول هذه الفرقة إن لديها كل الإمكانات لإجراء هذه العملية ، والأهم أنها كشفت عن وجود أكثر من خمسين امرأة يتطوعن لحمل الجنين ، الأمر الذي يفتقد إليه العلماء نظراً لعدد المحاولات السابقة التي فشلت .

ماذا إذا تحققت توقعات الاختصاصيين في التكنولوجيا الحيوية وشهدت السنوات المقبلة ، بعضهم يقول الأشهر القليلة المقبلة ، أول كائن بشري مستنسخ ؟

عندها سيحدث أمران على الأقل :

سيطرأ اختراق جذري ونهائي على مفهوم التناسل البشري ، الذي يعني حتى الآن التحام الحمض النووي لشخصين مختلفين . وسيتم ذلك تزامناً مع تحول جذري أيضاً في طريقة فهم العلاقة بين الأهل والأولاد . www.tartoos.com

هل تكون المرأة التي وهبت بويضتها الوالدة أو الشقيقة ؟ كيف يمكن أن يكون شكل العلاقة بين المستنسخ والنسخة ؟ كيف سيشعر الرجل إذا حظي بابنة نسخة عن المرأة التي وقع في حبها ؟ وماذا سيكون موقف الوالدة التي تحظى بنسخة عن زوجها إذا حصل طلاق بينهما ؟ كيف ستشعر عندما ترى يومياً نسخة عن الرجل الذي تكرهه ؟

وفي حال اختار الشريكان أن لا يستنسخ أي منهما بل أن يقبلا الحمض النووي من شخص ثالث ، أي قيم سترعى هذا الخيار ؟ www.tartoos.com

سينتقل الجدل الذي شغل العلماء والمشرعين على مدى أعوام ، بشأن تدخّل الطبيعة ، إلى طاولة كل مطبخ ، إلى دار كل عبادة ، وإلى مكاتب كل السياسيين . سيبدو الجدل العنيف الذي دار حول الإجهاض والموت الرحيم شفافاً وبسيطاً بالمقارنة مع السائل التي يطرحها الاستنساخ البشري . www.tartoos.com

ينقسم الاختصاصيون في مجال علم الأخلاق بين متطرفين في الدماغ عن قداسة الحياة الإنسانية من جهة ، وعن قيمة السعادة وتخليص الإنسان من أمراضه وتحقيق رغباته . www.tartoos.com

ينضم الفريق الأول إلى الأديان في مسألة تحريم العبث في عملية صنع الحياة التي تبقى عملاً إلهياً ، ويقول هؤلاء إن الذين يدّعون معرفة بماهية الاستنساخ لا يدركون تبعاته بشكل كامل ، لأن الاستنساخ لا يعني الخلود . فحتى لوحظيت " النسخة " بجينات المستنسخ إلا أت ذلك لا يعني أنهما شخص واحد ، بل يمكن أن يكون الفرق بينهما أكبر بكثير من ذلك الموجود بين توأمين . www.tartoos.com

يعتبر هؤلاء أن قيمة السعادة ، التي بات السعي إليها العنوان الأساسي للحياة المعاصرة ، يمكن أن تطيح بكل القيم الأخرى ومنها قداسة الحياة الإنسانية .

في المقابل ، يرى الفريق الثاني أن قيمة السعادة تعلو على ما عداها ، ويتطلعون إلى نموذج للإنسان المثالي الخالي من أمراضه , التائق إلى الخلود ومواجهة الموت .

بين هؤلاء وأولئك تبقى في الوسط الغالبية العظمى من الناس ، الذين يرون في ظاهرة الاستنساخ إنذراً غامضاً بأنهم سائرون في عتمة لا مخارج منها ولا نقطة عودة . www.tartoos.com

يعتقد البعض أن المواقف ستتبدل مع الزمن ، ومثلما كان الإخصاب في الأنبوب غير شرعي قبل عشرين عاماً كذلك كانت فكرة زرع قلب مروّعة . يرى المدافعون عن الاستنساخ البشري الموضوع سيتبدل حتماً ، كما حصل بالنسبة لتلك المواضيع . ولكن تبقى العبرة في النتائج

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 209 مشاهدة
نشرت فى 20 نوفمبر 2008 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,649,104