لأن العلم لم يدرك بعد كيفية التعامل مع الرسائل التي يلتقطها من العين ، فإن لا يعني أن المكفوف لا يستطيع استعادة البصر .www.tartoos.com
بالنسبة لهاري ورل ، المصاب بتبقع الشبكية Metintis Pigentosa ، وهو مرض وراثي يدمر الخلايا المتلقية للضوء من العين ويفقد المرء بصره في عز شبابه ، وبالنسبة للكثيرين غيره من الذين فقدوا نعمة البصر بسبب حادث في الطفولة ، وهم يرون وجوه أحفادهم . بالنسبة لهؤلاء ، قد تضيء الأبحاث الجديدة شمعة وتمكنهم مجدداً من رؤية وجوه احبائهم . www.tartoos.com
فهاري ورل هو المرشح الأول للخضوع لاختبار زرع الشبكية ، وهو بحث رائد في حقل البصر الاصطناعي يقوده فريق من معهد Wilmer eye في جامعة هو بكينز ، ويهدف إلى استخدام جهاز مزود بإلكترودات مجهرية لتحفيز الأنسجة العصبية الهامدة في بصر المكفوفين . وينوي هذا الفريق بعملية زرع جهاز بحجم حبة البازيلا في عيون مجموعة صغيرة من المتطوعين المكفوفين على مدار العام المقبل ، من أجل الحصول على موافقة تجارب الجدوى والأمان من قبل مكتب الدواء والغذاء الأميركي ، وتشتمل العملية على زرع معالج للإشارات وإلكترودات كهربائية مصغرة تثير أعصاب شبكية العين ، في نمط يوازي رؤية العالم التي تلتقطها آلة تصوير مركبة على نظارتين . www.tartoos.com
حتى الآن ، لا يمكن الجزم بأن هذه التقنية الجديدة سوف تجترح المعجزات ، و " لكنها حتى ولو اكتفت بالمساعدة على إحاطة الشخص بما يجري حوله أو الاتكال على نفسه والتحرك من دون عون الآخرين ، فهي ستمثل إنجازاً مثيراً جداً " ، هذا ما يبشر به مدير مشروع جامعة هوبكينز ، الأخصائي في جراحة العيون مارك هومايان ، الذي يعترف في الوقت نفسه أن نجاح زرع الشبكية لن يساعد سوى عدد ضئيل من المكفوفين ، إذ لن يفيد منه هؤلاء الذين ولدوا عمياناً أو الذين لا يملكون عصباً بصرياً شغالاً . لذا يقوم باحثون آخرون بمحاولة التوجه مباشرة إلى الدماغ وإدخال النمط الإلكترودي التحفيزي مباشرة في داخله . www.tartoos.com
كيفية عمل العين www.tartoos.com
العين هي في الواقع جهاز بالغ الدقة والتعقيد وعالي التنظيم ، وتعمل على غرار المعالج الصوري الرقمي . فبعد أن تعبر التوترات المختلفة للضوء عدسة العين والقرنية ، تضرب الشبكية وهي الغشاء الملتقط للصورة في مؤخرة العين . ومع أن سماكة الشبكية لا تصل إلى أربع إنشات ، إلا أنها تعتبر ثقيلة الوزن وكثيفة مع احتوائها على 10 طبقات من الأنسجة المؤلفة من أكثر من مليون خلية عصبية وما يقارب ال 150 مليون خلية متلقية للضوء أو ما يعرف بالرود والكون Rods and Cones .
تدفع وحدات الكم الضوئية " الوفتونز Photons " هذه الخلايا إلى إطلاق رزمات من الشحنات الكهربائية الكيميائية ، لتي تشكل سلسلة من الإشارات القابلة للمعالجة والتي ترقم الضوء ، أي بتعبير آخر تحوله إلى رسائل عصبية تعبر العصب البصري لتصل إلى الغطاء البصري لتصل إلى الغطاء البصري داخل الدماغ . أي خلل في هذا المسار يوقف عملية النقل ، وبحسب مهندس الطب الأحيائي جايمس ويلاند ، الذي يقوم بدراسة التفاعل بين الألكترون والشبكية لصالح فريق هوبكينز ، فإن الكائنات البشرية تملك دروة معالجة حسية مخصصة للسمع للنظر توازي الدورة المخصصة للسمع عند الوطواط . لذا يعتبر هذا العالم أن استبدال أي قطعة في هذا المسار هو مهمة شاقة .
خطوة مشابهة لزراعة قوقعة الأذن www.tartoos.com
لكن فريق هوبكينز ، وبالتعاون مع فريق رائد من زملائه الباحثين في جامعة هارفرد وفي معهد مساتشوستس للتكنولوجيا ، اختاروا متابعة اختبارهم القائم على زرع قشرة شبكية في الجدار الداخلي للعين . ومع أنهم لا يضمنون نجاح مسعاهم ، غير أن فكرتهم ترتكز في جزء منها على النجاح الذي تحقق في زراعة قوقعة الأذن " Cochlea " ، الجهاز الذي ساعد الكثيرين من الصمّ على استعادة سمعهم . وقد أثار نجاح هذه الزراعة ذهول العلماء ، الذين لم يكتشفوا بعد كيف أن الدماغ تعلم التعرف على الحديث ، على غرار ما قام به من خلال المعلومات المحدودة التي وفرتها قوقعة الأذن المزروعة .
وكما هو معلوم ، فإن معظم حالات الطرش سببها فقدان الخلايا الشعيرية ، وهي أشبه بالأنتينات اللاقطة التي تغطي قوقعة الأذن – قسم الأذن الداخلي على شكل حلزونة – عند الأشخاص الأصحاء ، تلتقط هذه الشعيرات ذبذبات الصوت وتحولها إلى إشارات إلكتروكيميائية ترسل إلى العصب السمعي . وتلتقط القوقعة المزروعة عند الشخص الأصم الأصوات عبر ميكروفون ( مكبر ) ومعالج للصوت ، ثم ترسل النبضات إلى الإلكترودات المزروعة التي تنقل بدورها الإشارة إلى العصب السمعي . وقد استطاع هذا الجهاز إعادة درجة كبيرة من السمع إلى 25 ألف شخص . www.tartoos.com
ويعتمد الباحثون في حاسة البصر على الطواعية والمرونة غير المحدودة ، التي أظهرها الدماغ في التعامل مع القوقعة المزروعة في الأذن . وفي هذا الصدد ، يقول رئيس برنامج الزراعة أن التركيبة العصبية Neural Prosthesis في المعاهد الوطنية للصحة في اميركا ويليام هيتديركز : " هذه الزراعة أثارت ذهول العديدين وتساؤلاتهم حول كيفية عمل الجهاز أو النظام السمعي لدى الإنسان ، مع الأخذ بعين الاعتبار المعلومات الضئيلة التي نملكها حول ما يجري في الدماغ . فإن نجاح زراعة قوقعة الأذن هو إنجاز مذهل ، وإن كان الدماغ بمثل هذه المرونة وسهولة التكيف فإن نجاحاً مماثلاً لا بد أن يكون متوقعاً في عملية زرع الشبكية " . www.tartoos.com
ويعتبر فريقاً جامعتي هوبكينز وهارفرد أن هذه الأخيرة هي مشابهة لعملية زرع القوقعة ، وتعتمد تقريباً نفس التقنيات ، وهي كالتالي : التقاط المعلومات ، فك رموزها وتحويلها إلى نمط محفز . وتقوم العملية على وضع كاميرا صغيرة مشحونة Charge Camera Device (CCD ) في إطار زجاجة نظارتين ، دورها التقاط وتشفير الصورة ، على أن ترسل الإشارة الرقمية إلى حزمة مزودة بالطاقة توصل المعلومات إلى الشبكية بواسطة موجات راديو . ويزرع في الجدار الداخلي للشبكية جهاز بطول إنش واحد يحتوي على معالج للإشارات و 100 أسطوانة من الإلكترودات المصنوعة من البلاتينيوم ، كل واحدة منها بحجم رأس هدب العين . وتتحكم الإشارة المفككة الرموز من الـ CCD بإطلاق شحنات الإلكترود ، من أجل تحفيز الخلايا العصبية السليمة الموجودة في الطبقة الداخلة لشبكية العين . www.tartoos.com
التحديات
على رغم سهولة المبدأ فإن مسار العملية حافل بالمعوقات ، وهناك الكثير من العمل المطلوب إنجازه قبل أن يكتب النجاح لهذا الجهاز داخل العين . أولاً ، لا يعلم أحد من الباحثين بعد إن كانت الشبكية ستقبل وجود جسم غريب عنها لزمن طويل ، قد يصل إلى سنوات . فالعين دقيقة جداً وتجابه بصعوبة الالتهابات والعدوى . www.tartoos.com
وحتى الآن ، لم يترك فريق هوبكنز أي جهاز داخل العين لأكثر من 45 دقيقة ، في حين نجح فريق جامعة هارفرد بالإبقاء على جسم غريب داخل العين لعدة أشهر . ويعرب فريق جامعة هوبكينز عن ثقته بأن العين تستطيع أن تتعايش مع الجهاز المزروع ، لكن قلقهم الأكبر ينصب على كيفية الحفاظ على تموضع إلكترونات مجهرية داخل السائل الزجاجي ، وهو الهلام المائي الذي يمنح العين شكلها الكروي وصلابتها " الأمر هو اشبه بوضع أو برمي جهاز تلفزيوني في محيط شاسع " ، هذا ما يصفه العضو السابق في فريق هوبكينز روبرت غرينبرغ ، الذي يعتبر أن هذه المسألة تشكل فقط نصف المشكلة وربما تكون ، على حد قوله ، النصف الأسهل منها . ويوضح ويلاند هذه العقبة بالقول إن ما نحتاجه هو في الواقع حماية الجهاز من العين ، فهي تقوم تلقائياً بالدفاع عن نفسها . ولحل هذه المشكلة ، صمم الفريق قفلاً محكماً للجهاز ، مصنوع من معدن التينانيوم والسيراميك غير قابل لعبورحتى ذرات غاز الهيليوم الأصغر حجماً من جزئيات الماء .www.tartoos.com
وتشكل رقة غشاء شبكة العين ، خصوصاً عندما تترافق مع الحركات السريعة للعين ، تحدياً آخر . وعن هذه الصعوبة يقول المدير المساعد لمشروع جامعة هارفرد ومؤسسة ماساتشوستس جون وايت ، إن الشبكية هي من أكثر الأجزاء دقة في العين وتحتاج إلى مهارة فائقة في التعامل معها ، ووضع الجهاز داخلها وتعريضه للاهتزاز لن يكون أمراً سهلاً . والمطلوب هو آلية تستطيع الإبقاء على الجهاز مستقراً وهو معلق في الشبكية . وقد قام الفريق لهذه الغاية باختبار وضع طبقة بشكل حلقة وراء القزحية " Iris" ، وتحمل هذه الحلقة جهاز معالج الإشارات ، في حين تم وضع الإلكترودات المصغرة بواسطة شريط من السيليكون وثبتت على الشبكة . www.tartoos.com
أما الصعوبة الثالثة فتنجم عن نقطة اتصال الشبكة بالإلكترودات المحفزة ، وهي مشكلة شائكة فيزيائية أكثر منها ذات طابع بيولوجي . فالأعصاب البصرية التي يحاول الباحثون تحفيزها هي في عمق من 50 إلى 100 ميكرومتر داخل الشبكة – أي قدر شعرتين ، لكنها مسافة واسعة على الصعيد الخليوي – وعلى هذا المستوى ، فإن شحنات كهربائية قوية بما يكفي لتحفيز هذه الأعصاب قد تولد كمية من الحرارة تحرق النسيج الشبكي . www.tartoos.com
وفي المقابل ، فإن شحنات أكثر أماناً وأقل قوة قد لا تصل إلى الأعصاب أبداً . www.tartoos.com
ويبذل الباحثون أيضاً جهوداً حثيثة لحل مشاكل أخرى تتعلق بالترددات المناسبة ونوع التيار الكهربائي الواجب استخدامه .
وتقضي الخطة باعتماد تيار متبدل الترددات ، وهكذا تلغي مرحلة الشحنات السلبية الشحنات الإيجابية فلا تتراكم الشحنات الكهربائية في شبكة العين . www.tartoos.com
وأخيراً تأتي مسألة حجم الإلكترود ( القطب الكهربائي ) . فمع محاولة العلماء توفير رؤية مفصلة ، يواجهون عائقاً مهماً ، وعليهم تحديد الحجم الملائم للإلكترود . فالصغير جداً سيسمح بتحفيز متموضع جداً للخلايا العصبية ، الأمر الي سيؤدي إلى توفير صورة محددة الأطراف ، لكنه في المقابل سيزيد من احتمال احتراق الشبكة . أما الإلكترود الأكبر حجماً فسوف يكون أكثر أماناً ، لكنه لن يوفر وضوح الصورة بالشكل المطلوب . وقد استطاع الفريق حتى الآن التوصل إلى النتيجة السعيدة ، وهي ألكترودات بحجم 200 إلى 400 ميكرومتر، أي ما يوازي 10 إلى 20 مرة حجم الخلايا العصبية البشرية . ويعتقد الفريق أنه توصل أيضاً الى تحديد المستوى الصحيح للشحنة والتردد الملائم ، على رغم انتقاد البعض من أن هذه الأرقام غير كافية لتحفيز الشبكات غير السليمة التي تحتاج إلى المزيد من الإثارة . www.tartoos.com
يبقى سؤال أخير : هل سيتمكن الدماغ من التعرف إلى ما يجري ؟ نستطيع استطعنا الإجابة على هذا السؤال لوكنا نفهم ماذا يحدث في عقل إنسان متعافى ، ولكننا لا ندرك ذلك بعد .
لم يستطع أحد بعد أن يفهم كيف أو لماذا تتكون الرؤية ، وهذا السؤال لطالما حير علماء الأعصاب . وفي هذا المجال ، يتساءل رئيس قسم زراعة القشرة اللحائية للدماغ في جامعة أوتاه ، ريتشارد نورمان : " لماذا إشارة الوقوف حمراء ؟ لماذا نرى العشب أخضر ؟ لا أحد يعلم بعد " ، فما زال هذا الحقل مجهولاً من قبل العلماء . صحيح أنهم استطاعوا أن يجعلوا الجسم يغير من سلوكه بواسطة الأجهزة التي حملت القلب على الضخ بوتيرة كهربائية منظمة ، غير أن كل هذه الإنجازات لم تتعد مجرد إحداث انقباضات عضلية . واعتماد الأذن الإصطناعية قام بشكل أساسي على مجرد تقديم المكونات للدماغ ، الذي تولى مسؤولية التحضير أو " الطهو " . لكن في مجال البصر الاصطناعي ، فإن الهدف يكمن في إطلاع الدماغ على شيء ملموس ومميز . وما تشغيل الإلكترودات سوى فتح بوابة تمثل نمطاً معيناً ، وهي أشبه بكتابة أحرف غريبة لكائنات فضائية لا تفهم منها شيئاً . كل ما يقوم عليه العمل هو أن لترددات الإشارات وقوتها اهمية في مخاطبة الدماغ ، ومما لا شك فيه ان ثمة عوامل عديدة تدخل في اللعبة ، ومازالت المعلومات حولها غير متوافرة . www.tartoos.com
وليس على فريق جامعة هوبكينز سوى الاختيار وصولاً إلى المعرفة ، وقد وضع جدول زمني لإنجاز عملية زرع ناجحة للشبكة في غضون ثلاث سنوات ، على رغم تشكيك البعض من أن النجاح قد يتطلب على الأرجح من 5 إلى عشر سنوات . www.tartoos.com
الشرط الأول بالنسبة للفريق هو التوصل إلى وضع جهاز آمن لا يؤذي العين على المدى البعيد ، ويعرب هذا الفريق عن استعداده للعمل الحثيث من أجل مساعدة ملايين المكفوفين لاستعادة بصرهم ، ويأمل أن تثمر محاولاتهم عما قريب . www.tartoos.com
هذا أيضاً ما يأمله المرشح للخضوع لأول اختبار ، ولديه سبب أهم من استعادة بصره .
فلديه تسعة أحفاد ، وداء التبقع الشبكي الذي أصاب عينه هو مرض وراثي . لم يبد أي من الأحفاد إشارات لحمل هذا المرض ، لكن ماذا لوظهر في الجيل الثاني


ساحة النقاش