حكايات شعبية فرعونية تعكس معها صورة من الأدب المصري القديم وتترجم عبر سطورها فلسفة وفكر المصريين القدماء‏.‏

واذا كان الأدب الفرعوني يجمع في طياته العديد من الوان الأدب‏:‏ الأدب القصصي والغنائي‏,‏ الادب السياسي‏,‏ فضلا عن الحكم والأمثال والتأملات فإن الحكايات الشعبية تعد لونا مؤثرا في نسيجه وإن لم يلتفت اليها الكثيرون‏.‏

يجدر بنا قبل أن نعرض لصفحات كتاب‏(‏ حكايات شعبية فرعونية‏)‏ أن نقدم للقاريء بطاقة تعارف لكاتبه جاستون ماسبيرو عالم الآثار الفرنسي‏.‏

بالرغم من أن ماسبيرو يعد من أشهر علماء المصريات في القرن التاسع عشر وقام بالعديد من الاكتشافات والدراسات الأثرية المهمة في مصر‏,‏ ربما علي رأسها دراسة متون الأهرام‏,‏ فضلا عن كشفه لسرقة خبيئة المومياوات الملكية بالدير البحري وجهوده في حفائر مارييت في معبدي إدفو وأبيدوس وإزالته للرمال عن أبو الهول وإعادة ترتيبه للمتحف المصري ببولاق بالاضافة الي نشره للعديد من الكتب والدراسات الأثرية الحيوية التي أثرت المكتبة العالمية وشغله مناصب عديدة منها مدير مصلحة الآثار المصرية وأمين المتحف المصري‏,‏ ومدير المعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة بالرغم من كل تلك المجهودات التي قام بها فإن الكثيرين لايعرفون عنه شيئا ربما فقط اسمه المطلق علي مبني الاذاعة والتليفزيون نسبة اليه‏(!)‏ علي حد تعبير الدكتور محمود ماهر طه الذي راجع وقدم للكتاب‏.‏

يعرض إذن جاستون ماسبيرو في صفحات كتابه للحكايات الشعبية القديمة التي نبتت في التربة المصرية منذ آلاف السنوات ووجدت صدي طيبا لدي المصريين‏..‏ فالابداع المصري يضم حكايات شعبية عديدة تشكل أدبا حقيقيا يشهد معه علي أقدم حضارة فكرية في حياة البشر ومن هذه الحكايات الشعبية ـ كما يؤكد الدكتور محمود طه ـ نعرف أنه كان للمصريين فلسفة سياسية مشابهة الي حد كبير لفكرة العقد الاجتماعي التي طورها فلاسفة الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر فهي تقوم علي أن الوظيفة الجوهرية التي يرأسها الفرعون هي إقامة العدل وتظهر تلك الفلسفة بوضوح في حكاية‏(‏ الفلاح الفصيح‏)‏ التي وقعت أحداثها خلال الاسرة العاشرة وتعد من روائع القصص الشعبي في مصر القديمة تروي الحكاية رحلة فلاح بسيط من وادي النطرون حمل محصوله علي حماره واتجه الي‏(‏ إهناسيا‏)‏ عاصمة البلاد حينذاك ليبيعه غير أن أحد كبار الموظفين اعترض طريقه واستولي علي حماره ومحصوله وأوسعه ضربا فذهب الفلاح لتقديم شكواه المليئة بعبارات الحكمة والشجاعة دون جدوي الي أن سمعها الملك حتي أبدي إعجابه الشديد بها فطلب من كبير أمناء القصر ألا يستجيب سريعا الي مظلمة الفلاح حتي يكتب المزيد منها فبلغت الشكاوي تسعا الي أن استبد اليأس به وهدد بالانتحار وعندئذ أمر الملك بان ترد للفلاح ثروته ومعاقبة المعتدي عقابا رادعا‏.‏

حكايات فرعونية شعبية كتبت فوق أوراق البرديات أثارت خلفها الاعجاب والتعجب معا‏:‏ حكايات الاخوين‏..‏ حكاية الامير والقدر المحتوم‏..‏ مغامرات سنوهي‏..‏قصة الملاح الغريق‏..‏ قصة البحار‏..‏حكاية عن الاشباح‏,‏ وغيرها من الحكايات والقصص الشعبية التي تشهد معها علي الانطلاقة الاولي لوعي الانسان وعقله وميله الفطري نحو الابداع وسرد الحكايات التي تعكس معها ثقافاته وعاداته وافكاره المختلفة وتؤكد علي صعيد آخر علي رقي مضمون الحكاية وتماسك بنيانها القصصي وحضور آلية القصة داخل القصة كما هو الحال في قصة‏(‏ سنوهي‏)‏ التي يعتبرها علماء المصريات ـ أقدم قصة قصيرة في العالم‏.‏

يقول جاستون ماسبيرو‏:‏
لا ريب ان الاكتشاف الذي تم في عام‏1852‏ لنمط من الروايات الوجيزة المصرية المشابهة لقصص ألف ليلة وليلة كان بمثابة مفاجأة حقيقية لمعظم علماء أوروبا وقد اعتقد البعض أنه سوف يعثر بالبرديات علي بعض التراتيل الموجهة للإله أو أشعار تاريخية‏,‏ او كتابات سحرية او علمية أو ربما بعض مراسلات الاعمال أي بالأخري آداب جادة ورسمية‏..‏ ولكن حكايات؟‏!!‏

واذا كانت الحكايات الشعبية الفرعونية قد أثارت معها الدهشة والاعجاب بخيالها الرحب وأسلوبها العذب ومتنها القصصي البديع الذي يشبه الي حد كبير حكايات ألف ليلة وليلة فانها علي صعيد آخر أكدت معها أن فن الحكاية عريق وقديم يعود الي آلاف السنوات‏.‏

قامت بترجمة الكتاب المترجمة القديرة فاطمة عبد الله محمود ـ صادر عن سلسلة مصريات الهيئة المصرية العامة للكتاب‏.‏

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 450 مشاهدة
نشرت فى 1 يوليو 2008 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,650,146