الأزمة الحالية في نقص الغذاء تشكل فرصة حقيقية للدول الإفريقية للنهوض بقطاع الزراعة بشكل عام, خاصة في ظل تمتعها بموارد هائلة, وحل مشكلات ارتفاع اسعار السلع الغذائية بشكل خاص.
هذا ما يؤكده السيد أمين أباظة وزير الزراعة واستصلاح الأراضي في حواره التالي مع تحقيقات الأهرام, الذي يتزامن مع مشاركة مصر في القمة الإفريقية الحالية التي بدأت أعمالها بمدينة شرم الشيخ حيث تقدم عددا من المقترحات المهمة للنهوض بالتعاون الإفريقي.
وفي حواره يدعو الوزير إلي تغيير النظرة إلي القارة السمراء, وإلي تشجيع القطاع الخاص المصري علي الاستثمار في قطاع الزراعة فيها, باعتباره قطاعا واعدا بالإمكانات الهائلة التي تقدم حلا سحريا لأزمات نقص الغذاء التي يكاد يعاني منها كل مواطن إفريقي.
تعد الزراعة هي النشاط الأول في إفريقيا حيث يعمل بها نحو70% من السكان وتمثل40% من الدخل الاقتصادي لكثير من الدول الإفريقية, إلا أن أوضاع الزراعة في الوقت الراهن قد تدهورت في إفريقيا في ظل أزمة الغذاء العالمية, فكيف يمكن للجهود الجماعية الإفريقية من خلال الاتحاد الإفريقي أن تسهم في مواجهة هذا التدهور؟ وما هي هذه الجهود؟
* اولا أسباب تدهور القطاع الزراعي في إفريقيا ليست زراعية في المقام الأول, وإنما هي خليط من المشكلات السياسية( كالحروب والنزاعات العرقية وضعف أجهزة الدول) والاقتصادية( كالفقر وضعف الموارد المالية) والاجتماعية, والصحية إلي جانب مشكلات أخري كضعف البنية الأساسية وعدم وجود طرق آمنة للنقل, كل هذه المشكلات أدت إلي وجود مناخ غير صحي ينعكس سلبا علي القطاع الزراعي في القارة الإفريقية, هذا بالإضافة الي التغيرات التي تشهدها الساحة العالمية كأزمة ارتفاع اسعار الغذاء إلي جانب التغيرات المناخية مما يضع دول القارة الإفريقية في موقف صعب.
ومن ثم فإن إيجاد حلول لمشكلات القطاع الزراعي في إفريقيا لا يمكن أن يتم في عزلة عن باقي القطاعات فإنشاء الطرق والبنية الأساسية وإيجاد حلول للحروب والنزاعات العرقية القائمة وتوفير الأمن للمواطن الإفريقي هي متطلبات لابد من وجودها حتي نستطيع الحديث عن نمو حقيقي للقطاع الزراعي في إفريقيا هذا بالنسبة للاطار العام الذي يحيط بمجال الزراعة في إفريقيا.
وبالنسبة لتنمية القطاع الزراعي فالاتحاد الإفريقي وضع قضية تحقيق الأمن الغذائي للمواطن الإفريقي علي رأس أولوياته, بالإضافة إلي جهود جماعية واسعة من أجل العمل علي الحد من ارتفاع اسعار السلع الغذائية في الدول الإفريقية, وايجاد التمويلات اللازمة لمشاريع التنمية الزراعية, وتنظيم البرامج والدورات التدريبية بهدف إيجاد كوادر متعلمة قادرة علي التأقلم مع التطورات التكنولوجية الحديثة في مجال الزراعة هذا بالإضافة إلي تشجيع الاستثمار في القطاع الزراعي لما يمتلكه من إمكانيات وفرص هائلة.
إفريقيا... والغذاء
إفريقيا بها الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة, كما أن لديها امكانيات مالية ضخمة إلا أن هناك200 مليون افريقي يعانون من أزمة نقص الغذاء و33 مليون طفل يعانون من سوء التغذية كيف يمكن العمل علي جعل إفريقيا سلة للغذاء في ظل هذه الامكانيات الضخمة لإفريقيا؟
* مشكلة إفريقيا ليست مشكلة موارد, فالقارة غنية بكل الموارد الطبيعية, ولكن المشكلة تكمن في كيفية استخدام هذه الموارد, فالموارد المائية مثلا لا يتم الاستفادة منها بشكل فعال في انشاء نظم للري أو في توليد الكهرباء, بالإضافة إلي ان العديد من الموارد يتم تصديرها كمواد خام ثم يعاد استيرادها مصنعة باسعار اغلي بكثير, وهو ما يعني ان هناك خللا عاما في الاستفادة من الموارد الطبيعية الهائلة للقارة.
أما بالنسبة لتنمية القطاع الزراعي, فأري أنه من الضروري إيجاد مناخ مناسب لتشجيع الاستثمارات الاجنبية إلي جانب النهوض بقطاعات الري لاستغلال الانهار والفيضانات, بالإضافة إلي نوعية وتدريب المزارعين علي الزراعات الحديثة, وتحسين الصناعات الغذائية القائمة علي الزراعة حتي لا تظل إفريقيا مجرد مصدر لمواردها دون الاستفادة منها.
هناك إمكانيات كبيرة في الغابات لزراعات استراتيجية مثل القطن والقمح في إفريقيا, لكنها تعاني داخل السوق الإفريقية من المنافسة العالمية, كما تعاني خارجيا من صعوبة تصديرها للخارج, خاصة في ظل فشل دورة الدوحة في اتفاقية الجات في مشكلة التجارة العالمية, فكيف يمكن تعزيز قدرة إفريقيا لتصدير هذه المنتجات؟
* بالنسبة للتصدير هناك مشكلات وتحديات عديدة تواجه المنتجات الإفريقية بشكل عام والزراعية بشكل خاص, حيث تمثل مشكلة عدم وجود الطرق والسكك الحديدية عقبة كبيرة أمام الصادرات والمنتجات في الدول الإفريقية, وهو ما يقلل فرصها أمام منتجات الدول الأخري في الاسواق العالمية, فالنهوض بمجال النقل أعتقد انه سيعطي دفعة هائلة للتجارة في إفريقيا, وسيزيد من حجم التجارة بين الدول الإفريقية, أما بالنسبة للسياسات التجارية, فلابد ان تقوم الحكومات بتبني الصناعات المحلية الصغيرة وحمايتها حتي تنضج وتصبح قادرة علي المنافسة سواء في الاسواق المحلية أو العالمية, مع العمل علي تعزيز قدرتها علي النفاذ إلي الأسواق العالمية خصوصا اسواق الدول المتقدمة, وكذلك فإن علي الدول المتقدمة والغنية وبالذات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يراجعوا سياسات الدعم الزراعي المقدم لمنتجاتهم بحيث لا يضرون بفرص المنتجات الإفريقية في المنافسة العادلة.
الاستثمارات المصرية
تؤدي النيباد والتكتلات الاقتصادية في إفريقيا دورا مهما في تحسين دور الدول الإفريقية علي الاستثمار في الزراعة, كما أن هناك دولا أخري مثل اليابان والصين تسهم في هذا المجال, كيف تري الاستثمارات التجارية في إفريقيا؟
* الاستثمارات التجارية في إفريقيا في تزايد مستمر سواء في مجال الزراعة أو في المجالات الأخري, الكل يتصارع اليوم من أجل إفريقيا ليس فقط الصين واليابان, فهناك ايضا استثمارات ضخمة لدول أخري كالهند وإسرائيل والولايات المتحدة وليبيا, وهذه الاستثمارات سوف تتضاعف في الأعوام المقبلة نظرا للامكانيات الهائلة للقارة, خاصة في ظل أزمة الغذاء العالمية, وأنا أعتقد اننا لابد أن نغير من نظرتنا تجاه إفريقيا, وأن تشجع القطاع الخاص المصري علي الاستثمار هناك, لأنه ببساطة ان لم نذهب نحن سيذهب غيرنا, فالعلاقات بين الدول يجب أن تكون مبنية علي مصلحة مشتركة, وفرصة مصر كبيرة للتعاون مع هذه الدول في ظل الروابط والعلاقات التاريخية الجيدة.
مصر تتولي ملف الزراعة في إفريقيا في مبادرة النيباد كما تقوم منذ سنوات بتقديم الخبرات للأفارقة, فما هي الجهود المصرية لمساعدة إفريقيا علي النهوض بالزراعة ومواجهة أزمة الغذاء؟
* لمصر تاريخ طويل في مساعدة الدول الإفريقية في مجال الزراعة سواء من خلال مبادرة النيباد أو من خلال المنظمات والتجمعات الإقليمية والإفريقية أو علي المستوي الثنائي, وتشمل هذه المساعدات برامج ودورات تدريبية في المراكز الزراعية المتخصصة, ومنحا دراسية للمتدربين الأفارقة, حيث تنقل مصر خبرتها في البحث العلمي الزراعي التطبيقي والارشاد الزراعي والتنمية الزراعية وإدارة موارد المياه, والانتاج الحيواني والسمكي, هذا بالإضافة إلي ايفاد الخبراء المصريين إلي الدول الافريقية وانشاء المزارع التجريبية المشتركة بالدول الإفريقية.
ونري أنه من الضروري أن يؤدي القطاع الخاص المصري دورا من خلال استثمارة في هذه الدول وقيامه بمساعدة القطاع الزراعي الإفريقي علي النهوض, وهو ما سينعكس ايجابيا علي الطرفين وسيقوم بتوطيد العلاقات المصرية ــ الإفريقية في مجال الزراعة بمفهوم العصر, وهو المصلحة المشتركة, وليس فقط تقديم المساعدات.
التصحر.. والتكنولوجيا
مشكلة التصحر والجفاف التي تهدد العديد من الدول الإفريقية كيف يمكن مواجهتها وهل هناك مشروعات مشتركة مع الدول الإفريقية في هذا الإطار؟
* إفريقيا تتصدر قارات العالم تأثرا بظاهرة التصحر حيث ان32% من اراضي العالم الجافة تقع في إفريقيا, والتي يشكل الجانب الاعظم منها72% اراضي زراعية تتعرض للتصحر.
ومصر عضو فعال منذ عام1996 في منظمة الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ضمن192 دولة, وفي اطار الاحتفالية الدولية لعام الصحراء والتصحر عام2006 عقد مركز بحوث الصحراء دورة تدريبية لممثلي14 دولة إفريقية تحت رعاية وزارتي الخارجية والزراعة.
وقد بدأنا في العام الماضي انشاء شبكة إفريقية لاستخدام المصادر الوراثية النباتية في مكافحة التصحر بهدف تبادل المعلومات واتاحة فرص التدريب في بنك الجينات بشمال سيناء علي مكافحة التصحر, كما نقوم حاليا بإنشاء المرصد المصري للتصحر الذي سيضم وحدة نظم معلومات جغرافية لرصد مظاهر التصحر باستخدام صور الاقمار الصناعية, وهو ما يمكن استثماره في تدريب الكوادر الإفريقية.
وتسهم مصر أيضا في وضع الاستراتيجية الدولية لمكافحة التصحر خلال السنوات العشر المقبلة من خلال مشاركتها في الاجتماعات التحضيرية برواندا وقمة مدريد2008.
كيف يمكن توظيف التكنولوجيا الحديثة في تحسين جودة الزراعة وزيادة الانتاج في إفريقيا؟ وهل هناك مقترحات مصرية في هذا الشأن؟
* يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تؤدي دورا فعالا في تطوير القطاع الزراعي في إفريقيا, خصوصا في ظل المساحات الضخمة المتاحة, لكن ما هو أهم هو تنمية الكوادر البشرية حتي تستطيع استخدام هذه التكنولوجيا الاستخدام الامثل, ولكن من المهم جدا استخدام التكنولوجيا الملائمة لكل دولة, وإلا فسوف يكون ذلك نقمة بدلا من أن يكون نعمة.
وبالنسبة لمقترحات مصر في القمة فإن مصر تطرح موضوع التنمية الزراعية والحد من اسعار السلع الغذائية وهو موضوع في غاية الأهمية في ظل الظروف العالمية الحالية
ساحة النقاش