جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|

|
هل جربت أن تكون أسود البشرة؟ سؤال يجب أن يطرحه بعض البيض علي أنفسهم, ممن يحاولون الادعاء بأن اللون لم يعد يهم وأن العرق لن يكون له القول الفصل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل. صحيح أن ما حققه باراك أوباما من نجاحات في سباقه المحموم نحو الرئاسة حتي الآن غير مسبوق ويكشف عن اتساع الآفاق أمام الأمريكيين السود إلا أنه في الوقت نفسه كشف عن أن لون البشرة مازال يفرق ليس فقط عند البيض بل عند السود أيضا, وأن التمييز العنصري لا يزال يثقل ضمير هذه الأمة.
وبقدر ما يحث تقدم أوباما علي الشعور بالتفاؤل بأنه لا يوجد مستحيل بقدر ما سلط الأضواء علي قضية اللون وجدد طرح الكثير من الأسئلة مثل: لماذا الأمريكيون الأفارقة أقل نجاحا وثراء من البيض بوجه عام؟ لماذا يتعثر الكثير من الأطفال السود في المدارس؟ لماذا يتواري عدد من الشباب السود وراء القضبان؟ والسؤال الأهم الذي يلخص الأزمة: لماذا تكون قصة نجاح أي رجل أسود مثار دهشة وتقدير كأنها استثناء؟
أسئلة كثيرة لا تزال تؤرق المجتمع الأمريكي رغم مرور سنوات طويلة علي القضاء علي العبودية ومحاربة العنصرية والتمييز. وتأتي الإجابات متباينة ليس فقط نتيجة الاختلاف بين البيض والسود ولكن نتيجة الاختلاف الواضح بين الأشخاص من أصحاب اللون نفسه.
وتشير مجلة إيكونوميست البريطانية إلي أن المتفائلين من السود يركزون علي التحسن الواضح في أوضاع السود وأقوي مثل يسوقونه أنه قبل4 عقود لم يكن للسود حق الانتخاب في الجنوب, أما في العام الحالي فربما يتم انتخاب رجل أسود( أوباما) ليصبح رئيسا للولايات المتحدة.
في الماضي كان يحظر علي السود في الجنوب الالتحاق بمدارس البيض أو الإقامة في مناطق سكنهم( أو حتي الاقتراب منها) أما الآن فالتفرقة العنصرية لم تعد فقط جريمة يعاقب عليها القانون بل أصبحت تابو. وقد استطاع السود اختراق كافة الحواجز والوصول لأعلي المناصب في وزارة الخارجية, وزارة الدفاع, رئاسة الأمريكان إكسبريس.
كما تحسنت الأوضاع المعيشية بالنسبة للمواطن الأمريكي الإفريقي العادي بصورة ملحوظة. فقد ارتفع دخل الأسرة المتوسطة من22300 دولار سنويا في1967 إلي32100 دولار في2006. ويجب هنا الإشارة إلي أن معظم السود اليوم ينتمون للطبقة الوسطي.
كما ارتفع متوسط العمر لدي السود من34 عاما في1900 نتيجة تورطهم في جرائم العنف و تدهور الرعاية الصحية إلي73 عاما اليوم. وفي حين يتفق المتشائمون مع المتفائلين في أن الأوضاع قد تحسنت كثيرا إلا أنهم يشيرون إلي أن الفجوة بين السود والبيض فيما يتعلق بالتعليم والكسب المادي مازالت شاسعة, وأن دخل الأسرة المتوسطة من السود لا يزال يمثل63 في المائة من دخل الأسرة المتوسطة من البيض.
ورغم أن الطبقة الوسطي من السود قد اتسعت رقعتها بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة فإن عددا كبيرا من الأمريكيين الأفارقة مازال يعاني الفقر والبطالة وارتفاع معدلات الجريمة.
ويؤكد بعض الأكاديميين ونشطاء الحقوق المدنية أهمية الدور الذي يلعبه التمييز العنصري موضحين أنه علي الرغم من أن هذا التمييز لم يعد يطفو علي السطح لكنه دائما في الخلفية ولا يزال حادا ومنتشرا. ويصف جوليان بوند من الجمعية القومية لتقدم الملونين العنصرية بأنها أصبحت وباء معديا في أمريكا. ويقابل هذا رأي المحافظين السود الذين وإن لم ينكروا أن العنصرية لا تزال موجودة إلا أنهم يعتقدون أنها أقل حدة عما سبق ولم تعد تشكل العقبة الرئيسية أمام تقدم السود. وفي محاولة لتشخيص موضع الوجع لدي المواطنين السود يري الخبراء أنها تتركز في3 مواطن رئيسية: التعليم والفجوة في الدخل واليأس المقرون بالعزلة.
التعليم يري الكثيرون أن التعليم هو معركة الحقوق المدنية للقرن الحادي والعشرين ولهذا أعيد طرح سؤال: لماذا يتخلف السود عن البيض في المدرسة؟ وللإجابة عن هذا السؤال يقول رولاند فرير أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد( من السود) في حديث لمجلة إيكونوميست إنه مستعد لتفنيد افتراض أكثر جرأة بل ويعتبر من المحظورات وهو هل السود أقل ذكاء من الناحية الجينية من البيض؟ وأوضح أن السود يحصلون علي درجات أقل من البيض في اختبارات الذكاء ولكن بمراجعة نتائج اختبارات حديثة أجريت علي الأطفال السود والبيض من عمر8 أشهر إلي12 شهرا تبين أنه لايكاد يوجد أي فرق في مستوي الذكاء بين الجانبين وأن هذا الفرق يتلاشي تماما مع استبعاد بعض العوامل مثل انخفاض الوزن لدي الميلاد. ويستنتج د. فرير من هذا أن الفجوة بين الأطفال السود والأطفال البيض فيما بعد سواء في الذكاء أو التحصيل الدراسي هو نتيجة عوامل بيئية محيطة وبالتالي يمكن التحكم فيها وإصلاحها. بمعني آخر أن الأطفال السود ربما يحتاجون إلي تغذية أفضل وتحفيز أكثر في المنزل ومدارس أفضل من أجل اللحاق بنظرائهم البيض.
وهنا تكمن معضلة طريفة وغريبة للغاية حيث تبين أن الطلاب السود حين يستذكرون جيدا ويحصلون علي درجات عالية يتهمهم زملاؤهم السود بأنهم يتصرفون كالبيض ويبدأون في الابتعاد عنهم ونبذهم. وهو ما يعتبره الخبراء نمط سلوكي معطل يضع الطالب أمام معضلة الاختيار بين التقدم العلمي أو القبول الاجتماعي.
الفجوة في الدخل تشير الأرقام إلي أن مقابل كل دولار يكسبه الرجل الأبيض يكسب الرجل الأسود(70) سنتا فقط كما يواجه السود بعض العقبات لدي الالتحاق بسوق العمل.
وتكشف الإحصاءات عن أن نسبة السود المشاركين في القوي العاملة انخفض من74 في المائة عام1972 إلي67 في المائة في2007. وأن نسبة الشركات الخاصة المملوكة لسود تمثل5 في المائة فقط من إجمالي الشركات علي الرغم من أن السود يمثلون13 في المائة من سكان الولايات المتحدة.
وحتي عندما يحقق السود مكاسب مادية مماثلة للبيض فإن البيض لا يزالون أكثر ثراء. ويرجع الخبراء الاقتصاديون هذا التفاوت في الثروة بين السود والبيض إلي عدة أسباب أولها أن البيض يرثون أكثر وثانيها اختلاف التوجهات في التعامل مع الثروة ففي حين يفضل السود وضع أموالهم في البنوك يقبل البيض علي الاستثمار في الأسهم مما يدر عليهم عائدات أكبر. أما السبب الأكثر تأثيرا فهو انهيار مبدأ الأسرة في مجتمع السود. فالإحصاءات تشير إلي أن نسبة الأطفال السود الذين يولدون خارج مؤسسة الزواج قد تضاعفت لتصل إلي69 في المائة خلال الأعوام الثلاثين الماضية, وأن70 في المائة من هؤلاء الأطفال تتولي أمهاتهم رعايتهم منفردة تماما وهو ما يجعل الدخل محدودا لأقصي درجة.
يأس مقرون بالعزلة علي الرغم من الإنجازات التي تحققت فيما يتعلق بأوضاع السود, فإن اليأس والإحساس بالعزلة مازال يسيطر علي الكثير من الأمريكيين الأفارقة. وأظهر استطلاع للرأي أجري العام الماضي أن44 في المائة فقط من السود يتوقعون المزيد من تحسن أوضاع السود وذلك مقارنة بـ57 في المائة في عام1986.
ويري بعض السود أن العنصرية لا تزال تتربص بهم ليس فقط من قبل الأفراد بل من الدولة ويسوقون هنا تعامل إدرة الرئيس بوش مع إعصار كاترينا في نيو اورليانز ويرجعون تباطؤ وفشل الحكومة في التعامل مع الكارثة إلي أن غالبية سكان الولاية من السود. ويوضحون أن الطريق مازال طويلا أمام انتشال السود من مستنقع الفقر والعنف والانهيار الأسري والشعور بالاضطهاد.
إن دخول أوباما سباق الرئاسة الأمريكية أشعل الكثير من الآمال ويوشك أن يثبت أن رجلا أسود يمكن أن يفوز بترشيح الديمقراطيين للانتخابات ولكن الرئاسة أمر آخر. فإن عامة الناخبين أغلبهم من البيض وأكثر تحفظا من الديمقراطيين. وبما أنه لا توجد سابقة يمكن القياس عليها لتحديد ما سيكون عليه مصير أوباما فإن أي شيء يمكن أن يحدث ولكن الأمر المؤكد أن اللون سيكون له دخل كبير في الأمر. |
ساحة النقاش