جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
انها اجمل من اجمل مدن العالم، بهية زاهية، تحتضن جمالها وتنام على كتف بواباتها بانتظار اشراقة توقد فيها ذلك التألق، وتعيد اليها دبيب الحركة والحس والحياة.. انها مدينة نينوى الاشورية مدينة الاساطير والمخلوقات العجيبة،
مثل غيمة ربيعية يطل من بعيد، مخلوق عجيب، بوجه بشري وجسد اشبه بالثور بجلد سمكة وعقبي وذيل اسد، يحلق في سماء المدينة الآشورية نينوى باجنحة نسر عملاق، ثم بإيماءة منه تفتح البوابة الكبيرة لأ طل من خلالها على ما وراء السور الملتف حول المدينة كأفعوان يغفو على كتف المدينة التي يحرسها.
تلك المدينة العجيبة، المسكونة بحكايات وحكايات لا تقل بغرابة مضمونها عن شكل الثور الطائر بجناحي نسر ومخالب اسد ووجه انسان وجلد سمكة.
انه الثور المجنح الذي وصفه كاتب الدولة وحامل اختامها في قصر الملك سنحاريب بأنه الكائن الآشوري الذي يرمز الى القوة والحكمة ورخاء الدولة، وجاء في رقيم طيني تم العثور عليه في مكتبة اشور بانيبال ان عظمة الدولة تكمن في حكمة ملوكها وقوة بأسهم وان هذا الكائن الغرائبي يرمز الى تلك الحكمة وتلك القوة حيث تم اقامة اكثر من ثور واحد على بوابات المدينة باستثناء بوابة نركال المخصصة لدخول وخروج الملك الى رعيته او الى المعابد المنتشرة خارج السور في ضواحي المدينة، ومن هذه البوابة خرج الاله نركال اله الطاعون قبل ان يكون اله العالم السفلي وكان يتمتع بقوة كبيرة يخافه الناس كثيرا وله زوجة لا تقل عنه قوة اسمها الالهة (لاص) فبينما اتخذ الالهة (اريش كيكال) زوجة ثانية له في العالم السفلي كما تشير احدى الاساطير المدونة على رقم اشوري وكانت هذه الزوجة قبل زواجها من نركال هي سيدة العالم السفلي الى ان تزوجت من الاله نركال ليصبح ملكا على العالم السفلي هو الاخر حيث تقول الاسطورة: ان الالهة اقامت وليمة كبرى لجميع الالهات ونظرا لان ملكة العالم السفلي (اريش كيكال) لم تتمكن من الذهاب الى الوليمة فقد ارسلت مبعوثا عنها ولدى وصول المبعوث الى الوليمة وقف جميع الالهة خوفا وتقديرا واحتراما لسيدته باستثناء الاله نركال الذي رفض الوقوف، فأمرته الالهة العظام ان ينزل الى العالم السفلي لمقابلة الالهة اريش كيكال وتقديم الاعتذار لها قبل ان يفعل ذلك اوصاه الاله (ايا) اله الحكمة والمعرفة بأن لايقترب من أي شراب او طعام يقدم له وحذره من الوقوع تحت تأثير اغرائها وسحرها، وقد اتبع نركال هذه التعليمات الا انه لم يقو على اغراء اريش كيكال حيث وقع في حبها وظل معها ستة ايام متتالية عاد بعدها الى العالم العلوي مؤقتا، غير ان اريش كيكال تعلقت به وزاد شوقها اليه كزوج لها فارسلت اليه مهددة بافناء الخصوبة والحياة من الارض ان لم يعد اليها على الفور، مما اضطر نركال الى الرضوخ الى رغبة اريش كيكال وعاد الى العالم السفلي ليصبح ملكا عليه لقدسية وعظمة الثيران المجنحة في زمن الدولة الآشورية فقد عكف النحات الآشوري في مشغله بمكان بعيد عن العاصمة نينوى لكي ينحت هذه الثيران بكثير من السرية والتكتم، ليتم بعد استكمال العمل فيها وانجازها على الوجه الاكمل ارسالها الى العاصمة نينوى بعد ذلك.
وقد اشارت الرقم الطينية المكتشفة في مكتبة آشور الى ان المشغل الذي يتولى نحت هذه الثيران يقع في مدينة ( بلد) 50 كم شمال غربي الموصل، وكانت بلد في زمن الدولة الآشورية 4500 - 3800 ق . م من المدن المهمة، كونها تحتوي على مقالع الحجر الصالح لعمل الثماثيل والمسلات وبقية الاعمال المعمارية الاخرى، وقد كانت مركزا فنيا مهما لنحت التماثيل الكبيرة الحجم، ومنها الثيران المجنحة، حيث يتم نقلها بعد الانجاز النهائي الى عاصمة الدولة (نينوى) وبقية المدن والمعابد الاخرى بوساطة (الاكلاك) عبر نهر دجلة، لذلك اطلق على هذه المدينة اسم (الحياة) تقديرا لاهميتها ومكانتها، لكونها كانت بمنزلة النسغ تمدهم بكل مقومات الفن والتجديد الخاصة بالقصور الملكية او المعابد المهمة في انحاء الامبراطورية الآشورية.
بصوت كأنه العاصفة، لا يشبه اصوات البشر طلب الي دخول المدينة المسورة ذات البوابات الكبيرة الشامخة المحمية بعشرات المخلوقات العجيبة، ثم اردف: انك الآن في حضرة العاصمة الثالثة لدولة آشور ، مملكة سنحاريب الحكيم
ساحة النقاش