عبر لي كثيرون طوال الأسبوع الماضي عن إحباطهم من مجريات قضية الكابلات البحرية بسبب لا شفافية الحكومة التي وصلت إلي حد عدم صدور أي تعليق من أي جهة حول التفاصيل التي نشرتها الأسبوع الماضي عن الكابل الغامض بورسعيد مارسيليا, وتساؤل هؤلاء: وماذا بعد.. هل سيفضي ما أفعله إلي شيء مع حكومة لا تكلف نفسها عناء رد الغبار عن نفسها في القضية, وتكتفي إما بالصمت أو الرد الإنشائي؟ قلت إنني لم أفقد الأمل بعد في أن تكون بالدولة جهة أو كيان ما يأخذ القضية علي محمل الجد ويبحث فيما يقوله الخبراء وينشره الغرباء عن هذا القطاع من ثروة الوطن التي تكثر الادعاءات بأنها مستباحة, وعلي أية حال لا تزال القضية تتفاعل, فقد وصلتني رسالة جديدة من المهندس أحمد العطيفي خبير الاتصالات والكابلات البحرية المعروف يقدم من خلالها مساهمة في النقاش يبدو أنه بذل فيها جهدا واضحا أشكره عليه, علاوة علي أنه أمدني بمعلومات خلفية عن هذه الصناعة وآلياتها واتجاهاتها محليا وإقليميا وعالميا.
وقد قررت عرض هذه المساهمة الجديدة لأنه لم يظهر بعد ما يقنعنا بإيقاف النقاش ويثبت صحة أو خطأ فرضياتها الأساسية التي لا يتعين أن تغيب عن أذهاننا مهما كثرت التفاصيل, الفرضية الأولي أن نصيب مصر من هذه الصناعة عالميا حوله تساؤلات ما بين خبراء كثيرين يرون أنها حصة مهدرة نتيجة التقاعس عن أخذها بالجد والمنافسة الحقة, وحكوميين يرون أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان, والثانية أن الدخل الذي تحصل عليه الخزانة العامة من الكابلات المارة عبر أراضي الوطن ومياهه غير معروف, لا من حيث القيمة ولا من حيث عدالة العائد ولا من حيث ابتعاده عن شبه التفريط.
وقبل البدء في عرض وجهة نظر المهندس أحمد العطيفي أشير بسرعة إلي أمرين: الأول أن المهندس نايل الشافعي ـ صاحب الرسالة الأولي التي فجرت النقاش قبل سبعة أسابيع ـ تابع كغيره ما نشر حول كابل بورسعيد مارسيليا وقام بمراسلة شركة جنرال كابل الأمريكية التي صدر عنها البيان الخاص بالكابل مستفسرا عن صاحب الكابل, فتلقي ردا من الشركة ثم أرسل لي نسخة من هذه المراسلات, وقد جاء رد الشركة علي سؤال نايل الخاص بهوية صاحب الكابل علي لسان شخص يدعي توماس ميتوك مدير تطوير الأعمال والمدير العام بالشركة والذي أجاب بقوله: عميلنا نصحنا بقوة ووضوح بعدم ذكر العميل النهائي ومالك الكابل, وإذا جاز لنا أن نستنتج شيئا من هذا الرد فهو أن جنرال كابل تعمل لحساب عميل لديه عميل آخر هو صاحب الكابل, أي أن جنرال كابل مقاول يعمل من باطن مقاول أكبر يتعامل مباشرة مع مالك الكابل, وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحا فهو يقربنا من السيناريو أو الاحتمال السيء الذي أرفضه وأتمني أن يكون خاطئا وعبرت عن خشيتي من حدوثه الأسبوع الماضي, ومفاده أن الشركة الفرنسية التي تعاقدت مع المصرية للاتصالات علي تنفيذ الكابل قد عهدت به لهذه الشركة لتنفذه من الباطن وتكسب من
دم مصر الملايين كسمسرة.
الأمر الثاني يتعلق برد رئيس المصرية للاتصالات علي الملاحظات التي ساقها المهندس عمرو موسي علي كابل تي إي نورث, فالرد لم يجب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بحالة العتمة المعلوماتية المتعلقة بالفترة التي كانت المصرية للاتصالات مسئولة وحدها عن إدارة موضوع الكابلات البحرية, ولم يتضمن حرفا واحدا عن طبيعة الاتفاقات التي تم بموجبها تمرير كابلات سي مي وي3 و4 وكابلي فلاج, ولم يتطرق للدخل المتحقق حاليا وفي السابق من وراء هذه الكابلات وهل هو دخل عادل أم لا, ولم يوضح الشخص الذي وقع هذه الاتفاقات وما هي معاييره في الموافقة علي الرسوم التي يجري تحصيلها, ولم يورد معلومة واحدة تطمئن الرأي العام إلي أن هذه الاتفاقيات بعيدة عن شبه التفريط في حقوق الوطن وماله العام, الأكثر من ذلك أنه أورد معلومة حول سعة الكابل تقول أن سعته10 تيرابيت في الثانية وهي أكبر سعة لأي كابل سبق إنشائه في المنطقة وحينما عدت للرد الذي بعث الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم مرفق الاتصالات الذي منح رخصة الكابل وجدته يسوق في هذه النقطة معلومة مغايرة تقول ونظرا لسعة الكابل التي تصل إلي2.5 تريليون بت/ثانية فمن المتوقع أن يخدم جميع البلدان في شرق أس
يا وغرب وجنوب أوروبا, أي أن سعة الكابل2.5 تيرابايت, فمن نصدق رئيس الشركة الذي يقول أن السعة10 تيرا أم رئيس الجهاز الذي يقول إنها2.5 تيرا؟ وإذا كان رئيس المصرية للاتصالات يورد معلومة أساسية تعارضها معلومة رئيس الجهاز علي هذا النحو.. فمن أين تأتينا الطمأنينة إلي سلامة باقي ما أورده من معلومات وبيانات في رده؟
والآن إلي مساهمة المهندس أحمد العطيفي والتي أنشر الجزء الأول منها اليوم, ويقول المهندس العطيفي:أثير في الآونة الأخيرة الكثير من الجدل في قضية الكابلات البحرية, وقبل أن نبدأ في تناول التعليق علي النقاط التي أثيرت في أكثر من مقالة لزملاء أفاضل نري بالرغم من اجتهادهم وعلمهم أن الصواب قد جانبهم في بعض الأحيان وشاب تعليقاتهم بعض المبالغات البعيدة عن الكلام العلمي والذي ينبغي أن يكون هو المنهج الأساسي في تناول مثل هذه القضايا المتخصصة, وعليه فقد ارتئيت أن من واجبي توضيح بعض الحقائق الأساسية والتي تحكم هذا الموضوع قبل أن نخوض في النقاط التي اثارها الزملاء وهي:
ـ هل تحصل مصر علي مقابل عادل لحق العبور؟ وما هو المقابل العادل ؟
ـ هل لدي مصر إستراتيجية وكيف أمكن تطوير هذه الإستراتيجية ـ طبيعة القضايا الخاصة بالمشروعات الحالية ووضعها. والتي أتركها لأصحاب الشأن وواضعي دراسات جدواها فهم أقدر مني بالتعليق والرد علي التساؤلات الخاصة بها في حدود ما تسمح به قواعد المنافسة, وما يمكن كشفه في المرحلة الحالية, حيث إن أغلب هذه الكابلات في مرحلة البناء.
نبدأ أولا بالإشارة إلي نشأة وتطور بيزنس الكابلات البحرية, فقد نشأ لربط الدول بعضها البعض ونقل حركة الاتصالات بين دول العالم, وكانت الكابلات في الماضي كابلات كهربائية ثم تطورت قبل مايقرب من الثلاثين عاما لتصبح كابلات ضوئية قادرة علي حمل سعات ضخمة جدا, وكانت الأقمار الصناعية حتي عهد قريب هي البديل الأقل تكلفة والأكثر ملاءمة في كثير من الأحيان لنقل الحركة الدولية من مكالمات تليفونية صوتية. وتميزت الكابلات البحرية علي الأقمار الصناعية بكونها ذات سعات ضخمة جدا فكانت التكلفة بالنسبة لوحدة السعة كيلوبايت أقل منها بكثير عن الأقمار الصناعية. إلا أن سعة الكابلات البحرية الضوئية كانت تفوق الإحتياجات الفعلية, فكان في كثير من الأحيان تكلفة بناء قمر صناعي أرخص من تكلفة بناء كابل ذي سعة ضخمة لا نحتاج منها إلا1 أو2%, ولذلك ظل بيزنس الأقمار الصناعية جزءا مهما علي الرغم من التطور الكبير في الكابلات البحرية.
ومع ظهور الإنترنت تغير هذا المنظور كثيرا فقد عجزت الأقمار الصناعية بالرغم من المشروعات الكبيرة عن منافسة الكابلات البحرية التي شهدت انتعاشا ضخما في حركة بنائها أوائل هذا القرن الجديد, وبالذات في منطقة المحيط الأطلنطي لربط أمريكا وأوروبا. ومع الانهيار الذي حدث في سوق الإنترنت عالميا أعوام2002-2003, وحيث إن السعات المبنية كانت غير واقعية, وأكثر مما يحتاجه العالم, بدأت أكثر هذه المشروعات طموحا في الإفلاس. ومنها مشروع جلوبال كروسينج الذي تحدث عنه المهندس نايل في مقالاته وكان يستهدف تطويق العالم بحزمه من الكابلات البحرية, وغيره من المشروعات العملاقه, كما انهارت مشروعات الأقمار الصناعية في مراحل تنفيذها المختلفة, حيث كانت تهدف في مجموعها إلي إطلاق ما يزيد علي600 قمر صناعي في مسارات مختلفة حول الكرة الأرضية.
ومع تطور الإنترنت أصبحت الحاجة ملحة إلي سعات ضخمة لربط الدول بعضها ببعض مما أدي إلي تخفيض هائل في الأسعار, حيث إن نظم التسعير الموجودة كانت أكثر ملاءمة لتسعير دوائر الصوت منها لتسعير خدمات الإنترنت, والتي تحتاج إلي سعات ضخمة خدمة الصوت تحتاج إلي64 كيلوبت في الثانية بحد أقصي مقارنة بـ64 كيلوبت في ثانية كحد أدني لخدمة الإنترنت والتي قد ترتفع إلي2 ميجابت اليوم ويتوقع أن تصل مستقبلا إلي6 أو10 ميجابت لتستطيع التعامل مع إشارات الفيديو والتليفزيون, ولذلك فالمقارنه بينهما غير واقعيه لأنها مبنية علي المقارنه مع تسعير دوائر الصوت الذي ثبت أنه غير ملائم تماما للإنترنت, التي ساهمت بدورها في توفير المكالمات الدولية بأسعار منخفضة بإستخدام تقنيات نقل الصوت عبر بروتوكولات الإنترنت, والتي تمكننا اليوم من إجراء مكالمات صوت وصورة زهيدة الثمن عبر الحاسب بالمقارنة بما ندفعه في الخدمات العادية.
ومع ازدياد أهمية الإنترنت عالميا وتطور تقنيات الإنترنت فائق السرعة, وارتباطها بالتطور الاقتصادي للدول وتحولها لعنصر أساسي من عناصر التنمية, بدأ النمو في دول العالم الثالث يفوق النمو في الدول المتقدمة, فظهرت حاجة ملحة لتطوير خدمة الاتصالات الدولية والكابلات البحرية وبالذات للدول الأكثر نموا, والتي هي بترتيب حجمها كالتالي: الصين فالهند فالعالم العربي فإفريقيا, ومن حيث ترتيبها في توافر الكابلات البحرية كالتالي: إفريقيا تفتقر تماما الي كابلات بحريه حيث إن بعضها لا يمر بها أي كابلات ثم العالم العربي والذي يمر به الكابلات الرئيسية فلاج ووسي مي وي3 و4. أحدهما الذي تم قطعه مع كابل فلاج في الحادث الأخير والثاني وهو الاقدم هو الذي أنقذنا من الانقطاع الكلي مع العالم بالرغم من سعته المتواضعه.
ويلي ذلك الهند فالصين, وقد انتهجت الدولتان سياسات نشطة لمحاولة توفير خدمات الإنترنت لمواطنيها بأسعار معقوله لتتواكب مع طموحات التنميه السريعة فيها, فقامت الصين ببناء كابلات ضخمة عبر المحيط الهادي إلي الولايات المتحدة الأمريكية, وبعضها عبر اليابان التي لديها أصلا عدد ضخم من كابلات الربط مع أمريكا, وقد استغلت الهند موجة الإفلاسات التي حدثت في شركات الكابلات العالميه بعد إنهيار شركات الإنترنت أعوام2002-2003 للشراء والسيطرة علي كبري شركات الكابلات في العالم ومنها فلاج وإحدي الشركات الكبري المصنعة تايكو, ولأن الهند موقعها متوسط بين الصين والعالم العربي فقد ظل قرار المرور من أحد الطريقين متأرجحا بين الشروط التي ستفرضها كل من مصر والدول العربية للمرور في أراضيها ومياهها الإقليمية وبقية دول جنوب شرق أسيا والصين, بالإضافة إلي بعض العناصر الفنية الأخري من حيث عمق المياه وحجم الحركة علي كل محور.. وإلي الأسبوع المقبل.
ساحة النقاش