الخلية الجذعية تتميز عن باقي الخلايا ببرنامجها الوراثي المدهش, الذي احتفظ ببرنامج فيه تفاصيل كل شئ, وكثير من الخصائص الأولي المتطورة للجينوم البشري. فهي غير متخصصة, فكأنها ترجع بنا إلي الخلف آلاف السنين, تحكي تاريخ التطور الإنساني, ويعاد تشكيلها حسب الطلب, فتعطي ما يحتاج إليه الجسد من الخلايا المتخصصة, والتي ستكون الجنين.
وهكذا فإن الخلية الجذعية الجنينية تكون قد قامت بدورها علي أكمل وجه. ولكنها وقبل أن تغيب شمسها, ترسل خلفها أشعتها الذهبية لتضئ بها ثنايا الجسد, محتفظا بها طيلة حياته في صورة خلايا جذعية بالغة, تعطي بقدر المستطاع مدي الحياة, كل ما يحتاج إليه الجسم من خلايا جديدة تقوم بعمل الخلايا التالفة.
ويحتوي جسم الإنسان علي أكثر من مائتي نوع من الخلايا, وعدد الخلايا المكونة للجسم نحو مائة تريليون خلية. تحتاج إلي كتالوج كي تخرج لنا في هذا البنيان الضخم المعجز بكل المقاييس, والذي ينطق بقدرة الخالق عز وجل. والكتالوج هو الكتاب الوراثي أو الجينوم الذي تقرأ فيه رسالة كيفية البناء, والبنيان هو الجسد, ووحدة البناء الخلية, الخريطة الوراثيةDNA يحوي صورة حية كاملة كامنة فيه عن الصفات البشرية وقصة تطورها حتي الآن. وهذاDNA ملفوف فوق صبغيات في النواة, التي بدورها محفوظة داخل الخلية.
والإنسان كان في بدايته عبارة عن خلية واحدة تسمي الزيجوت, نتيجة التقاء الحيوان المنوي بالبويضة, وهذه الخلية تحتوي علي46 كرموسوما للرجل والمرأة. وفي اليوم الخامس للجنين, يتكون ما يسمي كيس الأرومة نتيجة الانقسام الثنائي للزيوجوت. وتتحول خلايا الأرومة إلي طبقة خارجية عددها53 خلية, تتكون منها المشيمة, وكتلة خلوية داخلية من خمس خلايا, تخرج منها الخلايا الجذعية الجنينية, وتعطي جميع أنسجة الجنين. وأثناء هذا الانقسام يبحث الجنين عن المحور الأمامي والخلفي لتكوين الرأس والذيل.. وكل هذا تحدده البرمجة, فلكل جين وظيفة محددة, بعدها يتوقف عن العمل, لتبدأ مهمة جين آخر.. وهذا التوقف يسمي بالموت المبرمج للخلايا, ومثال علي ذلك أصابع يد الإنسان, فلولا الموت المبرمج لكانت أصابع اليد ملتصقة كخف الجمل.
والاختلاف في خلايا جسد الإنسان هو اختلاف في البرمجة, بحيث تؤدي كل خلية عملها المنوطة به, والذي ينسجم مع وظيفة العضو الذي تنتمي إليه. ونجد أن الخلايا في العضو الواحد أكثر تخصصا, ومبرمجة ببرنامج خاص بها لتؤدي في النهاية وظيفة مختلفة. وهذا ما يوضح الدور المعجز الذي تقوم به الخلية الجذعية.
والخلية الجذعية خلية غير متخصصة ولها صفات تميزها عن بقية الخلايا, ولديها في المختبر القدرة علي الانقسام باستمرار لتجدد نفسها, وكذلك تعطي جميع الخلايا الأخري في الجسم. وذلك حين تتوافر لها العوامل والمؤثرات التي تحفزها وتحثها علي هذا. مما جعل البعض من الباحثين يطلق عليها الخلية السحرية.
وفي عام1994, عزل دكتور بونجسو وفريقه البحثي أول خلية جذعية, وفي العام1998, تمكن جيمس تونسون وفريقه لأول مرة في التاريخ من الحصول علي خلايا جذعية جنينية بشرية من الخلايا الداخلية للأرومة.
وللخلايا الجذعية تطبيقات طبية شتي, وتعد أملا واعدا, وفتحا جديدا في مجال العلاج بالجينات والطفرات والأمراض الوراثية, مثل أمراض الكبد, حالات خلل الأيض, العوز الهرموني الموروث, الأنيميا, الهيموفيليا, الفشل الكبدي والكلوي, وعلاج سرطان المخ, عيوب العظام الوراثية, الشلل الرعاش, السكر, إصابات الحبل الشوكي والشلل, سرطان الدم والغدد الليمفاوية, الروماتويد والذئبة الحمراء, أمراض المناعة الذاتية, أمراض الشبكية, الشيخوخة, الصلع, والعقم.. وفي هندسة الأنسجة لعلاج أمراض الجلد, وإصلاح عضلة القلب بعد حدوث جلطة. كما تستخدم في تقييم فاعلية العديد من الأدوية.
ولا يتوقف الإبهار عند الاستخدامات المتعددة للخلاية الجذعية, ولكنها أيضا علي درجة عالية من الأمان. ولكن هناك بعض التحفظات لرجال الدين علي استخدام الخلية الجذعية الجنينية, لأنها تأتي بعد إنهاء حياة الجنين في يومه الخامس. وقد أوصي المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة بمكة المكرمة عام2003, بالحصول علي الخلية الجذعية الجنينية من فائض مشاريع أطفال الأنابيب.
وتفاديا للاصطدام مع رجال الدين والأخلاقيين, فقد تمكن العالمان كيفين إيفان ودوجلاس ميلتون عام2005, من الحصول علي خلية جذعية جنينية, عن طريق إعادة برمجة المادة الوراثية لخلية جسدية عادية. بالإضافة إلي وجود أنواع أخري من الخلايا الجذعية البالغة, ومن الحبل السري, أو نتيجة إحداث تغيير في الخلية الجذعية معمليا. وهناك أمل في أن يصبح لكل إنسان خط خلايا جذعية خاص به, لعلاج ما قد يصاب به من أمراض, دون أية محاذير أخلاقية, وتجنبا لرفض جهاز المناعة لها. وتواصلا مع هذا الأمل, تم في شهر مايو2004 إنشاء أول بنك للخلايا الجذعية في العالم.
ونظرا لأهمية الأبحاث في مجال الخلايا الجذعية, فقد أنفقت الصين والمملكة المتحدة تريليون دولار, والولايات المتحدة عشرة مليارات. فماذا أنفقنا نحن ؟! |
ساحة النقاش