طوائف الحرف بناء اجتماعي مطلوب إعادته

المشكلة الأساسية التي صاحبت عمليات الإصلاح في مصر أنها لم تستطع أن تحافظ على البنى الاجتماعية، بداية من محمد علي باشا الذي بدأ أولى الخطوات منذ ما يربو على قرنين من الزمان، ومرورًا بثروة يوليو 1952، وهو الأمر الذي أوصلنا لما نعاني منه الآن مما يسمى بعقد الفاءات الثلاثة: الفوضى والفساد والفردانية Individualism"".

ومع تصاعد مطالب الإصلاح في العالم العربي، كان لا بد لنا من تذكير القائمين بالإصلاح، بضرورة إعادة ما انهدم من بُنى المجتمع، ولعلّ من أقدم تلك البنى والتي ربما تغيب عن أذهان الداعين للإصلاح الآن هي ما سُمّي في تاريخنا باسم "طوائف الحرف" والتي نطالب ها هنا بإعادة إحيائها.

والطائفة الحرفية هي بناء اجتماعي واقتصادي أهلي أشبه بالتنظيمات النقابية الحالية، كانت تضم بين عضويتها كل العاملين في حرفة من الحرف بمستوياتهم المختلفة، وهو شكل اجتماعي "مدني" في الأغلب عرفته مدن وبلدان العالم المتحضر جميعها منذ القرون الوسطى، ولكن بدأت عوامل الضعف تهدّ في كيانه منذ أن بدأ محمد علي ينفذ سياسة الاحتكار في إطار سعيه لضمان موارد مالية لبناء دولته وجيشه، وقد بلغت تلك الطوائف 272 طائفة قبل تولي محمد علي الحكم وتحديدًا في عام 1801، وقد اضطلعت تلك الطوائف إبان عزها بعدد من الوظائف التي يمكننا أننبلورها في الآتي:

- جبهة تحقق التساند والضغط الداخلي فيما بين أصحاب كل مهنة، ومن ثَم فهي تمثل نوعًا من الحماية لهم والحماية منهم أيضًا، حيث كان أرباب كل حرفة يسكنون في الغالب في حي معين ويمارسون حرفتهم ويسوقون منتجاتهم فيه، وهم مسئولون عن ضبط الأمن فيه، وكان لتلك الطوائف عادات وتقاليد كانت تستمد في الغالب من الشريعة ومن تقاليد التربية الروحية والأخلاقية المرعية في الطرق الصوفية.

- تنظيم علاقات أصحاب كل مهنة بالمجتمع والحكومة من حولهم من خلال:

* تنظيم إعداد ممتهني كل حرفة من الحرف.

* وضمان جودة المنتج أو الخدمة التي تقدم.

* تنظيم تسعير المنتج أو الخدمة المقدمة.

* القيام بالتفاوض مع الحكومة لتحديد وتنظيم جمع الضرائب المقررة.

الطوائف وتنظيم التدرج الحرفي

ولعل من أهم مزايا نظام "طوائف الحرف" أنه كان ينظم ممارسة الحرفة والترقي فيها بضبطه لمراحل تدرج الحرفيين بداية من الصبي وصولاً إلى الشيخ:

* الصبي: وهو يعيش عند المعلم وعليه واجب الطاعة والاحترام، وعلى المعلم أن يعلمه أصول حرفته ودقائقها، والمدة التي يمكثها الصبي قد تصل إلى سبع سنوات بحسب الاستعداد الفطري للصبي، ولكل معلم عدد محدد من الصبيان لا يتجاوزه، ولم يكن يسمح للصبي بترك معلمه إلا بعد الحصول على موافقة شيخ الطائفة ليشرح له الأسباب فإذا كان السبب خلافًا أو مشاجرة تدخل الشيخ للإصلاح، وكان لزامًا على المعلمين معاملة الصبيان بالرفق مع لزوم الحزم، ووجدت معايير تحمي الصبي من قسوة المعلم البدنية أو المادية، وكان على المعلم أن يشارك عماله وصبيته مناسباتهم الاجتماعية، وكان قبول الصبي في الطائفة يتم وفق ما يسمى بحفل الالتحام ويبدأ عادة بفاتحة الكتاب.

* العرّيف: بعد انقضاء فترة التدريب يقام للصبي حفل "العهد" وفيه يلقي الأسطى بأسئلة يجيب عليها الصبي، ثم يلقي عليه بعض النصائح، ثم يتلو عليه القسم وينتهي الحفل بتلاوة آيات الذكر الحكيم والصلاة على النبي، والعرّيف عامل أجير يعيش عند المعلم في الغالب ويتكفل الأخير بإيوائه وإطعامه ولا يستخدم المعلم أكثر من عرّيف أو اثنين، وتتراوح مدة عمل العرّيف ما بين 3 - 5 سنوات لا يجوز له ترك معلمه أثناءها، وإن فعل لا يجد آخر يقبله ولا يجوز للمعلم طرده من العمل خلالها.

* المعلّم أو الأسطى: عندما يصبح العريف ماهرًا في صنعته ملمًّا بأسرار مهنته وحرفته يقام له ما يسمى بحفل "الشد" الذي يحزم فيه بحزام الطائفة على يد النقيب بحضور الشيخ، وفي هذا الحفل يقوم المعلم بتقريظ تلميذه أمام شيخ الطائفة، مبينًا مدى مهارته في إتقان الصنعة، ويقوم العريف بمناشدة الحشد (من أهل الطائفة) أن يطلبوا من الشيخ قبوله عضوًا بالطائفة، فإن قبل الجميع يعقد في حزامه أربع عقد، وإن اعترض أحد قام بمصالحته، ثم ينصح الحاضرون المشدود أن يكون عفيفًا خيرًا وألا يقدم على فعل يغضب الله وأن يتمسك بالشريعة، ولا بد للمعلم أن يكون ملمًّا بدقائق الحرفة وأن يصل إلى مرتبة الأستاذية في صنعته، وكان المعلمون يشكلون القسم الرئيسي من الطائفة، ولكي يحصل الحرفي على ترخيص بمزاولة الحرفة يقام له حفل يسمى حفل "الإذن".

* المراتب العليا في الحرفة: يترقى المعلم في مراتب الطائفة عن طريق حفلات شد وعهد خاصة، وتتدرج المراتب العليا في الطائفة من مرتبة البيشروريش ثم مرتبة النقيب الثاني أو الوسطاني، ثم مرحلة النقيب الكبير، وأخيرًا مرتبة الشيخ، وبينما يختص الشيخ بالوظائف المالية والإدارية وهي همزة الوصل بين الطائفة والحكومة، كانت الاختصاصات المهنية من قبيل الاحتفالات والنواحي الاجتماعية والفكرية في يد النقيب، وكان لكل شيخ حرفة عدد من المعاونين ما بين 3 - 4 ويسمى الواحد منهم نقيبًا أي رئيسًا، وكان النقيب رئيس تنفيذ لأوامر الشيخ.

عوامل انهيار وضعف الطوائف

كانت عوامل الضعف قد ألمت بعض الشيء بالطوائف أيام الحكم المملوكي نتيجة للفوضى التي تسببوا فيها في نهاية حكمهم، ونتيجة تدخل العسكر في نظام الطوائف، إلا أن الإضعاف المنهجي للطوائف بدأ مع تنفيذ محمد علي لسياسة احتكار المنتجات بالسعر الذي يحدده لضمان الموارد المالية للدولة، ثم ازداد مع بدء نشاطه الصناعي وإجباره للصناع على الالتحاق بها واضطرار الكثيرين للهروب نتيجة لما صاحب تنفيذ تلك السياسات من قسوة أحيانًا، وعمل محمد علي على هدم أساس التوطن في مكان واحد، حيث كان ينقل سكناهم حيثما يحتاج إليهم، وتدخل بالقانون في تنظيم شئون الحرف، ومن ثَم هدم أساس العادات والتقاليد المرعية والمتوارثة بينهم.

لكن أهم عوامل انهيار الطوائف جاء مع دخول رأس المال الأجنبي إلى مصر من خلال استثماراته ومنتجاته، والضغط على السلطات لمزيد من التدخلات المالية والإدارية عن طريق اللوائح والتشريعات ومن أهمها قانون 9 يناير عام 1890 والمعروف باسم (البانتانا) والذي ألغى التزام الصبي بضرورة الخضوع لفترة من التمرين على يد الأسطى بدعوى حرية ممارسة الحرف، وهو ما أدى إلى تفكيك بنية الطوائف التي لم تَعُد سوى جماعات اختيارية، الأمر الذي آل في النهاية إلى اختفائها بنهاية الحرب العالمية الأولى.

مطلب بلا صاحب

وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل لطوائف الحرف في بلادنا فإن أحدًا لم يأبه للمطالبة بإحيائها، بل إن الاتجاهات الفكرية التي كان من المفترض أن تتبنى تلك المطالبة لم تفعل، فالحركة الشيوعية نشأت للمطالبة بحقوق العمال والفلاحين وحسب، وكأن العمال في تعريفها هم فقط من تضمهم المؤسسات الصناعية الجديدة، ومن ثَم نشأت الحركة في أوساط العمال الروس في الإسكندرية بقيادة روزنتال عام 1897، أما الحزب الوطني القديم فرغم اهتمامه بتعليم الحرفيين في مدارس الشعب الليلية واهتمامه بتنظيم المهمشين من فئات الشعب من خلال تأسيس حركة التعاونيات عام 1905 فإنه أيضًا اهتم بتأسيس أول نقابة عمالية مصرية تحت قيادة الحزب الوطني القديم في عام 1908 ولم يفكر في المناداة بإحياء طوائف الحرف، ولم نسمع إلا "فنان الشعب" سيد درويش يغني لهم بعضًا من أغنياته.

وهكذا مضى التاريخ وبعدت الذكرى وضعفت الذاكرة، حتى هجمت علينا أخيرًا سياسات التكيف الهيكلي ورأينا اتساع فئات الشعب من أرباب الحرف الصغيرة وعمال التراحيل الجدد وتجار الشوارع وهم يمثلون قطاعات عريضة من الشعب ليس لها أي غطاء اجتماعي أو صحي أو اقتصادي يتعرضون لاستغلال سلطات البلديات ومراقبي الصحة وشرطة المرافق وكبار الصناع والتجار وهلم جرا، تتفاقم مشكلاتهم مع تفاقم ظاهرة العشوائيات، ولم تَعُد لتلك الفئات عادات ولا تقاليد مرعية ولا حتى لوائح تنظم عملهم أو تنظم علاقتهم بالمجتمع أو تضمن حقوقهم في العمل الحر الشريف لكسب أقواتهم، فصاروا بلا جبهة ولا كيان واحد يضم فئاتهم المختلفة، ورأينا في مناسبات عديدة كيف تستثمر السلطات المستبدة الوضع القائم باستغلالها لتلك الفئات ومن يعيشون على حوافهم في التنكيل بباقي فئات الشعب مستغلين فقرهم وضعفهم وحاجتهم إلى حماية السلطة بالرضوخ إلى مطالبها ولو كانت البلطجة والبطش والعيش في حالة من الفوضى، هذا بينما نرى العالم من حولنا يتيح لهم تنظيم أنفسهم في أشكال تنظيمية جديدة رأينا بعضها يصل في وعيه ونضجه إلى استخدام شبكة الإنترنت لتحقيق مصالحه.

ألم يأنِ لنا إذن أن نرى القوى الداعية للإصلاح تدعو إلى سن قانون جديد يتيح لمؤسسات المجتمع الأهلي مساعدة تلك الفئات على تنظيم نفسها في تنظيمات جديدة لطوائف الحرف؟.. نأمل ذلك

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 436 مشاهدة
نشرت فى 22 إبريل 2008 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,650,909