من الأهمية بمكان أن نعلم أن رحمة الله ليست رقة ورأفة، إذ لو كانت كذلك لما ذُبح عصفور، ولا تألم طفل، ولما قطعت يد شريفة بسرقة خمسة دراهم، فعقاب الله غير مأمون؛ إذ لو كان مأموناً لأمنه من تاب من ذنبه واعتذر من الأنبياء، إلا أن كلاً منهم يقول: "نفسي نفسي" عندما يطلب منه الناس الشفاعة عند رب العالمين يوم القيامة إلا سيد المرسلين وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم. وإن مَن بلغ به مثل حالنا لا يأمن العقوبة، بل هو منها في وجل وحذر! ومن يقول إننا لسنا في عقوبة؟ نرد عليه بالقول: أو ليس قسوة القلب عقوبة؟ أو ليس إضاعة الوقت عقوبة؟ أو ليس محق بركة الرزق والعمر عقوبة؟ أو ليس ضيق الصدر عقوبة؟ أو ليس إهانة العدو عقوبة؟ أو ليس تمرد الأبناء عقوبة؟ أو ليس قرناء السوء عقوبة؟ أو ليس كثرة الأمراض عقوبة؟

ولكن كما قيل: إن أعظم العقوبة أن لا يُدرى بالعقوبة. ولكننا نخاف من ذنب تعظم فيه العقوبة بالتأخير والتأجيل حتى إذا عاقب أخذ أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود:102) والله تعالى لا يسلب نعمة أنعمها على قوم أو جماعة أو أمة حتى يحدثوا تغيير ما هم عليه من الخير والهداية إلى الشر والضلالة، {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ} (الرعد: من الآية11).

وحتى نكون على حذر بيَّن الله تعالى أن سبب الطغيان والبطر غالباً وفرة النعم وكثرتها، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (الشورى:27).

والمخيف أن عقوبة المتجاوزين والمترفين لا تقتصر عليهم فحسب، بل تتعدى بشؤمها إلى غيرهم من الناس، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال:25).

فالإعراض عما أمر الله به، أو فعل ما نهى عنه مع ما يعطي الله من النعم كل هذا سبب في النكبات والويلات والأزمات على الجماعة المسلمة، قال الله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (الأنعام:44).

فبيَّن تعالى أن الناس إذا تركوا ما أمرهم به ولم ينتهوا عن نواهيه؛ فإن الله تعالى قد يفتح عليهم ويغدق الخيرات والبركات من سعة في الأرزاق، وصحة في الأجسام، ووفرة في الأموال، وكثرة في الأولاد وغيرها، حتى إذا فرحوا بها واطمأنوا إليها وظنوها لهم مستقرة، أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر وهم في غرة فإذا هم آيسون.

قال ابن كثير: "وهذا استدراج من الله تعالى وإملاء لهم عياذاً بالله من كل مكروه".

والمعاصي اليوم كثرت وفشت حتى قلَّ من ينكرها، وكثر من يقرُّها ويرضى بها ويفعلها، ونسوا عواقب العصيان السيئة التي حذرنا الله منها في كتابه، وحذرنا منها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أن أسباب هلاك الناس في آخر الزمان هو الخبث الذي يعم الأرض من مشرقها إلى مغربها إلا من رحم ربك، وهذا حاصل في هذا الزمان. فعن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمراً وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شرب قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ـ وحلق بين الإبهام والتي تليها - قيل: أو نهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث".

والخَبَث كل معصية عُصي الله بها في أي زمان وأي مكان.

وقد بيَّن هذا الحديث أن الفساد والخبث إذا كثر قلَّ الإيمان وذهبت الخيرات والأرزاق، وزال الأمن وحصل الضرر والأمراض، وظهرت الفوضى وتغيرت الأحوال وأنها علامة خروج يأجوج ومأجوج ودلالة على قرب الساعة.

  • Currently 68/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
22 تصويتات / 437 مشاهدة
نشرت فى 15 إبريل 2008 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,650,686