
|
لم تكن مشكلة مصر أبدا مع الاضراب. كانت مشكلتها دائما مع المندسين والمخربين ومشعلي الحرائق, وفي كل الاضرابات التي شهدتها مصر علي امتداد تاريخها كان الضحية فيها هو الأمن العام للمواطن ومرافق الدولة ووسائل المواصلات وعجلات الانتاج. كان الاضراب ومازال سلسلة خسائر للجميع: حكومة وشعبا ولكننا ـ للأسف ـ لا نتعلم. سيقولون لك إن الاضراب حق مشروع تنتهجه كل دول العالم.
حسنا.. ليس هناك خلاف في ذلك, ولكن هل يمكن أن تذكروا حالة اضراب واحدة نتج عنها تحطيم البلاد والعباد ووقف حال البلد. نعم هم يمارسون حقهم في الاضراب بمنتهي التحضر ويعرضون مطالبهم بمنتهي الدقة دون سباب وتمزيق لأعلام بلادهم وتحطيم لمرافقها الخدمية. في مصر هناك مطالب مشروعة لا يجيد أصحابها التعبير في المطالبة بها. في مصر هناك من يستخدم الاضراب كوسيلة لـ لي ذراع الحكومة, في مصر هناك لصوص ومخربون يندسون وسط العمال في حلوان وشبرا والمحلة وكفر الدوار وكل شبر في مصر يضم عمالا, يندسون وسطهم لتحقيق هدفهم الأوحد والوحيد والغريب: ضرب مصر.
بداية تقول عائشة عبدالهادي وزيرة القوي العاملة والهجرة: هناك مناخ سياسي عام يسمح لكل الفئات وكل القوي بالتعبير عن رأيها, وما حدث من اضرابات في الشهور الأخيرة كان نتيجة لمسائل تراكمية خاصة بالأجور, وعندما رأي العمال أن المناخ يسمح لهم بالمطالبة بحقوقهم طالبوا بصورة مختلفة, فهناك من بادر بالحوار, وهناك من سلك طرقا أخري منها الاضراب, ومن الانصاف أن أقول أن بعض المطالب كانت عن حق فيما يتعلق بالأجور والحوافز والوجبات والرعاية الصحية والترقيات وخاصة بالنسبة لعمال الغزل والنسيج.
وتوقفت الوزيرة عن الكلام المرسل والعام, وطلبت من المسئول عن المكتب الفني بالوزارة تقريرا خاصا بما جري من حالات إضراب عن العمل والاعتصام خلال الفترة من1 يناير2006 وحتي31 مارس2008, ومن واقع التقرير قالت لي بلغ عدد الاحتجاجات العمالية150 حالة يمكن تصنيفها كالتالي امتناع عشوائي عن العمل لا يرقي الي مستوي الاضراب المنظم62 حالة49 حالة منا في منشآت القطاع الخاص من اجمالي هذه المنشآت علي مستوي الجمهورية, والبالغ عددها(2089694) منشأة بنسبة مئوية بلغت(0.001%) وعدد(13) حالة في منشأة قطاع الأعمال العام.
وبلغ اجمالي حالات الاعتصام بمقر العمل وبعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية خلال هذه الفترة88 حالة, وذلك وفقا للتصنيف التالي, عدد74 حالة في منشآت القطاع الخاص من اجمالي هذه المنشآت علي مستوي الجمهورية والبالغ عددها حوالي2089694 بنسبة مئوية بلغت0.002%.
ـ عدد(10) حالة في منشآت قطاع الأعمال.
ـ عدد(4) حالات في منشآت القطاع الحكومي.
وقد تم فض جميع هذه الحالات وتسوية مطالب العمال وديا بعد استجابة أصحاب الأعمال لتدخلنا سواء بالتفاوض المباشر معهم أو بالتدخل لدي الجهات المعنية, كما تم توعية العمال بالقنوات الشرعية الواجب اتباعها عند المطالبة بما يرونه حقا لهم.
وبعيدا عن الأوراق والاحصاءات سألت الوزيرة عن تحليلها لما جري في المحلة يوم الأحد الماضي وماهو تفسيرها لتوقف العمال عن الاضراب العام الذي أعلنوا عنه؟ فأجابت: لأنه ببساطة استشعر العمال بذكائهم الفطري أن آخرين سيستخدمونهم كمخلب قط لتحقيق مكاسب سياسية, ففوتوا عليهم الفرصة.
وأشارت الوزيرة الي ان السماح لقطاعات كثيرة بالتعبير عن رأيها بطرق مختلفة من بينها الاضراب يحسب للنظام, ولكن الاضراب ليس هو الحل, ولكن اتباع القنوات الشرعية وإدارة الحوار لتحقيق مصلحة عامة وليس مصلحة فئوية خاصة أن الداعين للاضراب هناك من يريد استغلالهم لإيجاد تيار مضاد للاستقرار والأمن والأمان الذي تعيشه مصر, ولابدـ للاخرين ان يراعوا ضميرهم في بلدهم فما يفعلونه ليس لمصلحة البلد, وهم يستغلون أن مصر في دائرة الاهتمام الإعلامي, ويركزون علي السلبيات وينكرون الانجازات, وأقول لعمال مصر في كل القطاعات لابد أن نلجأ للقنوات الصحيحة أولا, وأي تعطيل للانتاج هو تعطيل للانجازات ولنعمل أولا ثم نطالب, ونستمر في العمل ونعارض, وصاحب أي عمل من مصلحته أن يستمر العمل لصالح الجميع.
علي النقيض من كلام الوزيرة قال كمال أبوعيطة رئيس اللجنة العليا لإضراب موظفي الضرائب العقارية ورئيس نقابتهم المستقلة: لا يوجد حل في مصر لكل صاحب حاجة سواء كانت مطالب فردية أو عامة سوي الاضراب.
لانسداد قنوات التوصيل بين أصحاب الحاجات والمسئولين, وانسداد قنوات التوصيل سببه سيطرة منطق التجار علي جميع الأمور, وهؤلاء التجار يحكمون ولا يستمعون لأحد, وأنا أقول ذلك عن تجربة عملية فقد سلكنا لموظفي الضرائب العقارية كل السبل والطرق طوال عشرين عاما وكنت أشغل لسنوات موقع رئيس اللجنة النقابية للعاملين بالضرائب العقارية, ولكن عندما وجدنا أن كل قنوات الحوار انسدت لجأنا للاضراب ووجدناه هو الحل, ونحن كنا سنرضي بـ50% مما طالبنا به قبل الاعتصام والاضراب, ونصح( كمال أبوعيطة) كل صاحب حق أن يضرب, وقال لا يوجد سوي طريق الاضراب والاعتصام حتي يتحقق لكل الفئات في المجتمع ضبط لمستوي الأجور مع الأسعار.
بكل هدوء أوضح لي( سيد طه) رئيس النقابة العامة للعاملين بصناعات البناء والأخشاب أن كل ماشهدته مصر مؤخرا ليس اضرابا بمعناه الحقيقي ولكن صورة من صور الاعتصام, فالاضراب يعني التوقف الكامل عن العمل وتوقف الآلات, وحسب القانون رقم12 لسنة2003 الذي نص علي حق الاضراب هناك قواعد للاضراب أهمها الإعلان عن موعده قبل اتمامه بعشرة أيام مع تحديد موعد انهائه وموافقة ثلثي مجلس إدارة النقابة العامة علي اعلان الاضراب, واشتراطات أخري, لم يلتزم بها أحد, وماشهدته مصر من احتجاجات أو اعتصامات في تصوري أن السبب الرئيسي فيه هو تحول المجتمع والسوق من مجتمع وسوق تمتلك الدولة آلياته الي تحكم آليات السوق في كثير من مفرداته
وكان يجب عندما تتحول الدولة الي آلية الخصخصة أن تكون هناك محطات لاستقبال التحول, ولكن ماجري هو تحول مفاجئ فقد بيعت الكثير من الشركات والمصانع وشرد آلاف العمال بدون ترتيب لأوضاعهم, وأنا شاركت في اعتصامات مع آخرين للمطالبة بحقوقنا في شركة مكسيكية تمتلك شركة أسمنت أسيوط, وشركة أخري برتغالية تمتلك شركة في العامرية, وقد يكون الاحتجاج أو الاضراب هو الحل في حالات التعسف ولكن ليس هو الحل في المطلق.
سعيد الجوهري رئيس النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج قال: الاضراب ليس هو الحل ولكن الحوار والتفاوض للحصول علي الحقوق, ولكن إذا لم تأت كل هذه الخطوات بالحق فلا مفر من الاضراب, ولكن من يقرر الاضراب يجب أن يعلم ويتحمل تكاليفه ولذلك يجب أن يتولي التنظيم النقابي اتخاذ قرار الاضراب, لأن الاضراب يوقف عقد العمل ولا يلغيه, وأيام الاضراب غير مدفوعة الأجر خلال الاضراب, ونقابة النسيج من النقابات العريقة التي أنشأت صندوقا لمواجهة أعباء الاضراب.
وأوضح( الجوهري) فلسفة الاضراب قائلا هو رسالة لصاحب العمل بأننا سنتوقف عن الانتاج للاستجابة لمطالبنا, فإما ان يرضخ ويتفاوض, أو يقوم بفصل تعسفي لمن قاموا بالاضراب والخطورة في الاضرابات العشوائية وليست المنظمة فالاضرابات العشوائية تضر بالعامل وصاحب العمل والمجتمع.
من جانبه أوضح د. حمدي السيد نقيب الأطباء أن حمي الاضرابات التي سادت المجتمع المصري في الآونة الأخيرة من أهم أسبابها أن غالبية الناس تعاني, لأن تكاليف الحياة أصبحت غالية جدا نتيجة ظروف عالمية, والحكومة المصرية ليست مسئولة عن هذه الظروف بعد ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة50%, والحكومة ليست لديها حلول سحرية لكل مشاكل المجتمع ولا تنظيمات تستوعب غضب المواطنين, ومن هنا جاء من يستغل هذه المعاناة, بالدعوة الي اضرابات واحتجاجات واعتصامات, والاضراب وسيلة مشروعة للمطالبة بالحقوق ولكن في حدود ضوابط بحيث لايقصد بالاضراب تخريب أو وقف مصالح الناس, ومن الصعب التنبؤ الي أين تسير الاضرابات المتكررة ولكن مطلوب من الحكومة أن تتصدي لبعض الأزمات بحلول غير تقليدية ومن أهمها أزمة الخبز, فالجائع لا تطلب منه أن يكون عاقلا أو منظما.
البدري فرغلي, عضو مجلس الشعب السابق قال: هناك مشكلة وهي أن الاضراب هو نهاية لطريق مسدود, ولابد من فتح الطريق, المجتمع المصري يعيش حالة احتقان نتيجة ظروف داخلية وخارجية وسياسية ولا توجد آلية للتعامل مع واقع المجتمع المصري, ولا توجد حكومة شعبية واجتماعية تتعامل مع الناس واحتياجاتهم الانسانية البسيطة.
الشعب المصري صبر أيام الحرب لكن مظاهر الفساد والرفاهية الزائدة عن الحد في اتجاه, وفي الاتجاه الاخر الحلم المسدود للشباب في الزواج والعمل والحياة الكريمة اوجدت حالة من الاحتقان جعلت أي دعوة للاضراب تلقي استجابة وفكرة الاضراب أنه يدق ناقوس خطر لصاحب القرار, وبدلا من تهميش الموضوع وتوجيه السباب والاتهام للاضرابات والمضربين, لابد من التعامل بواقعية معه لتخفيف حدة الاحتقان, خاصة بعد أن أصبح هناك شعور بأن المسافة أصبحت بعيدة بين المواطنين وأصحاب القرار, فنحن نسمع عن الاصلاح من سنوات طويلة ولكن اجيال وراء أجيال تنتظر الاصلاح ولا تلمسه فإلي متي ننتظر؟, أوروبا حققت النهضة في خمس سنوات.
هناك أزمة والسيد الرئيس قال هناك أزمة ودعا الوزراء لحل أزمة الخبز, ولكن هناك تقاعس من الوزراء والمحافظين فالدقيق موجود ولكن هناك أزمة فساد جعلت الدقيق لا يتحول الي خبز يجده المواطن |
ساحة النقاش