ومع اشراقة شمس صباح اليوم السابع من ظهور البلورة واختفاء تالا كانت قد حدثت تغييرات كثيرة في العالم كله وبالأخص الأرخبيل الأندونيسي الذي تخوف رئيسه من زورا وقوته التي تزداد يوما بعد يوم .. وحاول بالحوار والمداهنات والحيل والتهديد وكل ما يخطر على بال رئيس وحكومة أن يقلل ويضعف من قوة وشأن زورا بلا فائدة .. فقد أخذت شعبية زورا بالإزدياد وانقسم الأرخبيل الأندونيسي الى ثلاثة أقسام منهم من يساند الرئيس ومنهم من يعاضد زورا ومنهم من وقف ضدهما وضد نواياهما وأساليبهما الشريرة وانتظر بصمت أن تعود اليهم تالا فتاة الخير كما أطلقوا عليها ليؤازروها وينتخبوها مليكتهم المسالمة...
لم تعجب هذه الأحداث مادي وتوقع لهذه الجزر المسالمة أسوأ ما هو من ذلك اذا استمر الطرفان القويان على عنادهما وحربهما الباردة تجاه بعضهما البعض .. وأدرك أن هدف تاغوت من ذلك هو تفرقتهم واضعافهم حتى تصبح السيادة عليهم من نصيبه وحده ..
كان قد انتهى مادي من حمامه الساخن الطويل وانهمك بتجفيف جسده والبلورة الشيطانية قابعة على كتفه الأيسر وحين همّ بارتداء ملابسه ظهر تاغوت من البلورة منزعجا وهو يشكو قائلا: أيها الشاب اللئيم .. ألم أقل لك مرارا وتكرارا بأنني أكره الماء كرها جما .. وبأنني أفضل أن تستخدم الكولونيا لتنظيف نفسك بدلا من هذا الحمام الطويل .. لقد أرهقتني منذ الصباح الباكر ..
ضحك مادي ساخرا وهو يتأمله ويعلق باستغراب: وهل الماء سبب تقلص حجم بلورتك .. وخفض حدة صوتك يوما بعد يوم؟
بوغت تاغوت لهذا السؤال لكنه أجاب كاذبا: كلا ايها المتحاذق .. أن بلورتي وصوتي يكبران ويصغران وفقا لمشيئتي.. والآن دع عنك هذا .. ولنتباحث بشأن مستقبلك..؟
ردّ عليه مادي باستخفاف: مستقبلي.. أنا لا أفكر به .. أنا أعيش حاضري
بادله تاغوت استخفافه قائلا: لا تفكر به .. هيه .. أنا لا أصدقك أيها المتعال.. اسمعني جيدا .. أنت شاب طموح وأنا سأقدم لك النجاح والشهرة اللذين تحلم بهما على طبق من ذهب .. لقد سئمت من حياتك الروتينية .. اسبوع لا اثارة فيه .. اوف .. لماذا لا تخرج وتسهر وتمرح كالآخرين .. رباه .. على أي حال .. تذكر أن عرضي هذا أقدمه لك وحدك فقط ..
سأله مادي متعجبا: ولماذا يا ترى وقع اختيارك علي..؟
أجابه تاغوت متململا : إن لي أسبابي الخاصة .. فماذا اخترت يا صديقي ..؟ مستقبلك أم حاضرك ..
بعد لحظات من التفكير أجاب مادي ببرود: أنا لست ولن أكون البتة صديقك .. هذا أولا .. أما عن ثانيا .. فأنا سأختار وأتباحث معك شأن مستقبلي فقط من باب الفضول وحب الإطلاع ..
زفر تاغوت منفعلا وهو يبلع الإهانة قائلا: حسنا .. حسنا .. وماذا يهم .. ؟ النهاية .. النهاية فقط ما يهمني .. هيا احضر حقيبتك ومعداتك لترافقني الى مأواي في اعماق البركان ..
رفع مادي حاجبيه بذهول مما يسمع .. ولم يسأل عدوه المزيد من التفاصيل .. بل انشغل على الفور بتحضير نفسه لهذه الرحلة الغريبة..
***
بعد أن غاصت المحارة بتالا داخل المحيط الكبير أياما وليال كانت تصعد فيها الى سطح المياه مرتين كل يوم عند شروق الشمس ومغيبها لتتزود بالهواء اللازم لتنفس تالا وضمان بقائها على قيد الحياة .. رست المحارة أخيرا عند منتصف الليلة السابعة عند شاطىء أحد البحار وفتحت صدفتيها في اشارة الى انتهاء رحلة الإنقاذ .. بكت تالا بصمت وهي تودع المحارة وتهبط منها بسلام .. ووقفت في ظلام الليل ترقب رحيلها داخل أعماق المحيط الى الأبد تاركه اياها تواجه مصيرها بمفردها في هذه الأرض البعيدة وهذا العالم الجديد ..
كانت ثيابها البيضاء خفيفة .. لكنها ولدهشتها لم تشعر بالبرد وهي تتجول في أنحاء المكان وتبحث عن مأوى تقضي به بأمان ما تبق من ساعات الليل .. وأخيرا استلقت على الرمال الناعمة لتتأمل نجوم السماء المتلألأة وكواكبها المضيئة وتناجيهم كعادتها وهي تطلب منهم حمايتها ومساعدتها على الالتقاء بوالديها بأقرب فرصة ممكنة .. وخلدت الى النوم بعد ذلك تحلم بهذا اللقاء ..
حين فتحت عينيها لم يقع نظرها على شمس الصباح أو زرقة السماء .. بل على عينين رماديتين واسعتين وأنف معقوف وفم قاس تشققت شفتيه من الجفاف وقد لوّن وجهه بألوان فاقعة ولا يرتدي سوى ما يستر عورته من ازار صوفي قصير مزخرف ... واكتشفت حين رفعت عينيها الى اعلى انه يحمل رأسا نصفه مغطى بالشعر الأسود المجعد والنصف الآخر أصلع ترتكز عليه البلورة الزجاجية التي بداخلها المخلوق الأحمر الإرجواني ..
فأوجست شرا حالما تذكرت كابوسها المريع وبلورة الشيطان الشبيهة بهذه البلورة ..
"اذن لم يكن ما رأيته مجرد كابوس .. انه رؤيا منذرة . يا الهي .. لم تكن النهاية سعيدة .. رباه . . الرحمة" هذا ما حدثت به نفسها وصاحب هذه البلورة منحنيا فوقها بشكل قريب جدا وكأنه على وشك احتضانها .. ارتجفت اوصالها مرتعبة وكادت أن تستسلم لخوفها .. لكنها سرعان ما استمدت شجاعتها لتدفعه بعيدا عنها وتعتدل في جلستها وهي تتظاهر بالسذاجة والذهول قائلة باللغة الإنجليزية التي أتقنتها مع لغات أخرى منذ الصغر بفضل والديها : - عفوا .. عفوا يا سيدي .. ولكن اسلوبك لإيقاظي من النوم غريب نوعا ما ..
لم تنظل على هذا الغريب سذاجتها المتصنعة لأنه أمسك معصمها بشده مخاطبا اياها بلغة انجليزية مكسرة : اذن أنت هي الفتاة المقدسة الهاربة من معبدها .. العالم كله يبحث عنك يا عزيزتي والعديد من الشائعات توقعت مصيرك .. فمنهم من قال أنك غرقت .. ومنهم من تنبأ بعودتك الى السماء .. ومنهم من ادّعى أنك بحوزته .. وهاأنذا لحسن حظي .. أستفتح في هذا الصباح الجميل بصيدك الثمين بدلا من صيد الأسماك الرخيصة ..
حاولت تالا أن تفلت يده من قبضته دون جدوى .. ولم تلجأ الى العنف او الصراخ لأنها أدركت أن ذلك سيكون بلا معنى .. فهي في أرض غريبة لا تعرف عنها شيئا ولا عن شعبها ولا عن اعتقادهم فيها ولا عن هيئاتهم الغريبة والبلورات العجيبة التي يحملونها فوق النصف الحليق من رؤوسهم .. وقد عرفت ان هذه الصفات مشتركة فيهم جميعا حين نادى آسرها على اصحابه الصيادين بصوت جهوري ..فجاءوا تباعا ليشكلوا حولها حلقة تنذر بالسوء من خلال سيماء وجوههم القاسية والفضولية .. كان آسرها ينادي عليهم وهو يشير عليها بيده مخاطبا اياهم بلهجته المحلية الغريبة والتي كان على ثقة من جهل تالا لها .. لكن ثقته لم تكن في محلها .. فقد منحت القلادة تالا المقدرة على معرفة اللغات القديمة منها والحديثة لتستوعب تماما فحوى حديثه وهو يقول": انظروا الىهذا الكنزاللذي وجدته .. انها الساحرة التي تدّعى أنها مقدسة من السماء .. هيه ..هيه .. هيه .. لقد استطاعت أن تخدع العالم كله بها .. لكنها لن تخدعنا نحن .. وستنال هنا ما تستحقه من عقاب ..
جفلت تالا لسماع هذه التهديدات .. كانت تتوقع كل شيء الا هذا .. وعلت أصوات زملائه يأيدونه في آرائه مع اقتراب البعض منهم لدفعها ومحاولة ايذائها ..
ضحك آسرها وهو يلمس شعرها ويعلق مستهزئا بلهجته الغريبة: ذهب .. الأغبياء .. انه صبغ من صنع ساحرة مشعوذة ..
وشدّ شعرها الى أسفل غير مبال بصرخة ألمها ليرفع رأسها ووجنتها الى اعلى متأملا عينيها وشفتيها وأسنانها أثناء ضحكه الهستيري قائلا : هذه الأصباغ .. ستزول بعد قليل .. حين نأخذها الى الكولونيل لإستلام مكافأتنا .. ها ها ها ها ها ..
سألته تالا بالإنجليزية اذا كنت ساحرة مشعوذة كما تقول .. ألا تخاف من سحري أن يلحق بكم الأذى..؟
ضحك الرجل وهو يشير الى بلورته مجيبا بانجليزيته المكسرة : نحن لا نخاف شيئا ما دام تاغوت معنا ويحمينا ..
أرادت تالا أن تسأله المزيد عن هذه البلورة وعن بلادهم وكيف وصل خبرها اليهم بهذه السرعة لكن طباعه السيئة لم تشجعها فآثرت أن تحتفظ بأسئلتها الى الكولونيل الذي قد يكون أعقل منه وأوسع منه صدرا.. فسارت معهم بهدوء وهي تراقب الأهالي المحليين اللذين لحقوا بهم فرادا و مجموعات والكل يشير اليها مبالغا في تصويرها وسرد الشائعات عنها .. حتى وصل الجميع الى مقر الكولونيل الذي سمح جنوده لها وللصياد آسرها فقط بالدخول ومنعوا الجماهير من ذلك بالهراوات والعصي ..
وقفت تالا برزانة امام الكولونيل ساتين الذي كان منبهرا برؤيتها وتأمل جمالها .. وبعد أن استمع الى قصة الصياد الذي وجدها .. طلب من مساعديه أن يصحبوه لتدوين شهادته وتعبئة طلب استلام المكافأة التي وعد بها جميع حكام البلاد اللذين ثارت براكينهم وظهرت لهم تواغيتهم لتخبرهم عنها .. وهكذا وجدت تالا نفسها في مواجهة الكولونيل بمفردها بعد أن أخلى مكتبه من الجميع وأغلق بابه بإحكام ..
طلب منها ساتين بأدب جم أن تجلس فجلست على المقعد الوثير في مكتبه الفخم كما فعل هو بالجلوس على كرسيه وهو يشرب كأسا من الماء يرطب حلقه الجاف .. عرض عليها أن تشرب الماء فرفضت على الرغم من ظمإها .. أشعل سيجاره ونفث دخانها وهو لا يزل يرقبها بافتتان وحيرة .. كانت تالا أيضا تبادله هذه الحيرة وهي تحاول سبر غوره والتأكد من وجود البلورة الغريبة أسفل قبعته الرسمية ... وحين عجزت عن ذلك لم تتمالك من أن تسأله بصراحة عنها ..
ضحك معجبا بجرأتها وهم ينزع قبعته ليؤكد وجود البلورة فوق نصف رأسه الأصلع .. فسألته مجددا: ولكن ما سرّ هذه البلورة وهذه التسريحة الغريبة المنتشرة بين رجالكم ونسائكم على حدّ سواء ..؟
أجابها بثبات : هذه البلورة يا عزيزتي .. هي التي فضحت سرّك .. فقد ظهرت أول مرة في بلادكم حين ثار البركان الخامد لتخرج الي شعبك المسكين وتبعدك عنهم حماية لهم من سحرك وشرورك .. ومنذ اللحظة التي تم التبليغ فيها بهربك واختفاؤك في غياهب البحر .. بدأت البراكين كما أخبرني تاغوت بمختلف انحاء قارات العالم والقارات بإخراج بلوراته للناس جميعا وتحذيرهم منك .. وقد ثار البركان هنا في
Te Pouhawaiki Volcano in the Auckland Volcanic Field
وحمل كل مواطن منا بلورته ما عدا الاطفال طبعا
قاطعته متسائلة: ولماذا الأطفال لا .. ربما لأنهم لا يناسبونها بنقاء قلوبهم وصفاء نفوسهم ..
رمقها بازدراء وهو يجيبها بتعال: أعتقد أنني دللتك بما فيه الكفاية .. فأنا من يسأل في مكتبي ...
قاطعته قائلة بتهذيب شديد: عذرا يا سيدي.. ولكن هلا أخبرتني عن مكان وجودي.. في الحقيقة أنا لآ أعرف أين أنا ..؟؟
جفل ساتين لسماع سؤالها وسألها مستغربا: كيف ..؟ أنا لا أفهم .. كيف جئت الى هنا اذن..؟؟ نحن قريبون اليكم.. أنت هنا في الأراضي النيوزيلندية وبالتحديد في أوكلاند .. لقد عثروا عليك على شاطىء ميراوي.. غرب اوكلاند
Muriwai Beach, West Auckland
أخذت تالا نفسا عميقا وهي تستغرب قضاؤها سبعة أيام في أعماق المحيط للوصول الى هنا .. ربما أرادت المحارة أن تكون هذه الأيام راحة لها قبل أن تصطدم بالواقع من جديد .. وسرقها من أفكارها صوت ساتين يسألها بفضول متناسيا اسئلته لها حين وقع بصره على عقدها : أخبريني أولا من أيت أتيت بهذا العقد الفريد .. ؟
وبينما كانت تبحث عن اجابة مناسبة له أطبقت شفتيها وهي تراقبه يدور حول مكتبه ليمسك كتفها مجبرا اياها على الوقوف أمامه .. وهي تلمس عقدها بعفوية وقد بدا الإضطراب واضحا على محياها .. وأبعدت يدها بخفة حين لمست يده يدها وهو يتلمس العقد أيضا ويقلبه ببطء واهتمام .. سمعت تنهيداته اليائسه المعبّرة عن فشله في نزعه من حول عنقها متحملة بذلك انفاسه اللاهثة التي تلفح وجهها متجاوزا الخط الأحمر لإقترابه منها .. فسحبت نفسها للوراء بعيدا عنه بثبات ..فما كان منه إلا أن دفعها على كرسيها بعنف وهي تمنع بتجلد فرط دموعها .. وسمعته وهو يطلب صارخا من مساعده بالدخول .. ليأمره بأن يهرّب تالا مع عدد كبير من الجنود من الباب الخلفي ويقتادوها الى منزله ويحكموا حراستها حتى يوافيهم الى هناك بعد أقل من ساعة يُجري خلالها اتصالاته مع الجهات التي يهمها أمر تالا ..
سأله مساعده بتردد : ولكن أليس الواجب أن يتم سجنها هنا يا سيدي ؟
صرخ المأمور بانفعال: افعل ماآمرك به بدقة .. و..
وهكذا خرجت صاغره مع مساعده الذي تسلل بها وسته من الجنود الى الخارج من خلال الباب الخلفي لترتجل واياهم عربة مغطاة تجرها أربعة خيول انطلقت بأسرع من البرق لتقف بها أمام منزل الكولونيل
***
بعد ان ثار بركان بحيرة توبا وخمد وتشبع الناس بمشاهدته أصدر زورا قانونا يخلي فيه جزيرة سوميسرز Samosir من سكانها ويتعاقد مع شركة بناء لترسل عامليها الى هذه الجزيرة الصغيرة فيبدءوا بهدم بيوتها الخشبية الباتاك Batakوقطع أشجارها تمهيدا لبناء معبدين ضخمين احداهما تكريما للبلورة وتاغوتها والآخر لعبادة الفتاة المقدسة .. وهذا ما جعل الدماء تغلي في عروق مادي حين وقف يراقب هذا التدمير والتخريب للطبيعة الساحرة لهذه الجزيرة الفريدة من نوعها في العالم وتشريد مواطنيها الأبرياء البسطاء..
تأمل مادي البحيرة التي اختفت مياهها اللازوردية ليحل مكانها بلورات تاغوت وهو يهز رأسه متأسفا للتغيير الذي حصل لها ... واسترعى انتباهه تحلق طيور الغربان التي اخذت تحوم حول البحيرة بعصبية غريبة لم تعهدها هذه المنطقة من قبل ..
تأثر مادي كثيرا لإختفاء مظاهر الحياة البسيطة التي كان يحبها في هذه الجزيرة .. وسرت في جسده قشعريرة برد على الرغم من أشعة الشمس الدافئة التي تسللت من وراء السحب الباهته لتعكس ظله وظل بلورته التي يحملها خلف رقبته على سطح بلورات البحيرة ..
سأل مادي تاغوت وهو يتلفت حواليه متوقعا أن يسمع صوت أحد من جنود زورا يحذره ويمنعه من المضى في طريقه : ماذا ستفعل حين يقبض علي أحد الجنود لخرقي القانون الجديد بالحضور الى هنا وتدنيس بلوراتك بقدمي كما سيتهمني زورا..؟؟
ضحك تاغوت ضحكته الشيطانية المتواصلة والتي تؤذي أذني مادي ليجيب في النهاية ساخرا: - ماذا؟؟ لقد خلتك ذكيا يا صاح .. ألم أقل لك أنني أتحكم في كل شيء .. أواه .. كم تستهين بقوتي ... انظر .. انظر .. الى اولئك الجنود ...
والتفت مادي الى الجنود اللذين ظهروا على حين غرة وعلى مقربة منه وهم يتحدثون الى بعضهم البعض وتقع أبصارهم على مادي لكنهم لا يعيرونه شأنا وكأنه خفي عنهم .. ليستطرد تاغوت قائلا:
لقد منعتهم من رؤيتك.. هذا كل ما في الأمر ... وإن أردت فسأجعل أحدهما يقتتل الآخر بينما سيقف الثالث متفرجا مسلوب الشجاعة والشهامة لردعه عن ذلك ..
علّق مادي بحزن : أنت تسرق فضائلهم ومشاعرهم وهم ينحنون لك احتراما وتقديسا ..
ضحك تاغوت مجددا وهو يقول: أحسنت .. أحسنت .. هذا ما أحبه فيك .. عمق تفكيرك وتحليلك .. لكنني للأسف الشديد سأحيله في نهاية الأمر الى قشور سطحية كالآخرين ..
أغمض مادي عينيه للحظة محاولا طرد هذه الفكرة من رأسه وهو يسأل بحذر: ومن أين جئت بهذا اليقين؟؟ أنا لن أخضع لك أيها النكرة..
أجابه تاغوت بحقد منفعل: ستخضع .. الجميع سيخضع لقوتي .. لا أحد أقوى مني.. هل فهمت..؟؟
ارتاح مادي قليلا لإثارة تاغوت فسأله منطربا: وماذا عن تالا..؟؟ هل ستخضعها الى سلطانك وهي الفتاة المقدسة من السماء ..
ازداد تاغوت انفعالا بعد أن مسّ مادي وتره الضعيف ليزمجر صائحا: مقدسة .. اي فتاة مقدسة .. أيها الغبي .. هل تصدق هذه الترهات .. انها لا شىء .. هل فهمت .. لا شىء… وسأسحقها كما يسحق الفيل النملة بقدمه ..
خاب أمل مادي بأن يصرّح تاغوت عن حقيقتها ومكان وجودها .. واستمرّ في مضايقته متسائلا:
ولكن أين هي ..؟ بما أنك المسيطر الآن على العالم وتعرف كل شيء فيه .. فلماذا لا تسحقها كما ذكرت وتتخلص منها نهائيا…
أجابه تاغوت وقد فهم ما يرمي اليه مادي من هذا النقاش : لن أتخلص منها .. أنا بحاجة اليها .. الناس أنواع مختلفة.. فمنهم من لن يؤمن بي مثلك ومنهم من سيؤمن بتالا ومنهم من سيؤمن بهذه البحيرة أو بالبراكين التي أخرجتنا أو بأشياء أخرى تلهيهم عن خالقهم وتفرقهم أشتاتا .. وأنا بحاجة الى هذه التفرقة لأسود عليهم وأتحكم بمصائرهم .. هل فهمت أيها المتذاكي ..
بلع مادي لعابه بصعوبة وهو يفكر في المستقبل الأسود الذي تنتظره البشرية على يد تاغوت .. وأخذ نفسا طويلا وهو يتبعه بناء على تعليماته ليصلا الى بقعة معينة وسط البحيرة انعكس من بلوراتها اللون الناري بوضوح دونا عن بقية البلورات .. . فانزلق مادي الى الأسفل بمجرد أن وضع قدميه عليها ليهبط الى الأعماق بسهولة ..
لم يعرف كيف حدث هذا الإنزلاق السريع .. لم يشعر بشيء ولم ير شيء ولم يسمع سوى ضحكات تاغوت تصاحبه الى الهاوية التي وصل اليها بلمح البصر ..
وقف على قدميه حاملا تاغوت على عنقه يتأملا معا النيران المنبعثة من باطن الأرض .. لم تكن هذه النيران تشابه البته النار الطبيعية التي يعرفها ... فهذه النيران ألسنتها سوداء متوهجة تنتهي رؤوسها ببلورات ارجوانية تتراقص بابتذال وهي على أكبة الإستعداد للتحرر من سجنها والإنطلاق لاستعباد الإنسان ..
أعلن تاغوت باعتزاز: هذا هو مقرّنا .. ألست سعيدا باكتشافه...
لم يجب مادي .. كان يراقب النيران بعقل ابيض لا أفكار فيه وهو يستمع الى تاغوت الساخر ..
تاغوت: ألم أقل لك أنك مفضل لدي ... لم ير أي انسان من قبل هذه النيران أو هذه الثعابين ..
أخفض مادي بصره ليشاهد عشرات الثعابين السوداء الضخمة تحوم حول النيران وكأنها تحرس شياطينها
تساءل مادي: مم تخاف هذه الثعابين؟
أجاب تاغوت بانبهار: تخاف من نيراننا .. وهكذا نستعبدها ..
اقترب مادي من احد الثعابين وأخذ يربت على جلده برفق معلقا : سوف تتحرر منكم حين تتحرر من خوفها ..
لم يعجب ذلك تاغوت فقال حانقا: مالك ولها .. لقد أحضرتك الى هنا لنساعدك على أن تحيا حياة فريدة .. ولكن بالطبع بعد أن تخضع لطقوس خاصة بنا لتصبح حليفنا .. فصدقني أنك الوحيد الذي نلت وستنال هذا الشرف فلا ولن يستطيع أحد الوصول الى هنا حتى لو حفروا الأرض كلها وقلبوها رأسا على عقب
التفت اليه مادي باحتقار قائلا: لست أنا الذي أبني وأعتمد في حياتي على الشياطين .. تبا لك ولعائلتك..
صرخ تاغوت بجنون: أيها الأحمق .. انت لن تخدعني وتهينني في عقر داري .. لن تخرج حيا من هنا أيها المعتوه .. سوف تتعفن في قبرنا.. لأنك لن تنجح أبدا في الخروج منه دون مساعدتي ...
وبحركة غير متوقعه .. قفز مادي فوق الثعابين بخفة متناهية ليقف على قيد أنملة من نيران الشياطين ..
صاح به تاغوت بجنون هستيري: ماذا تفعل أيها المجنون..؟ أيها الأحمق .. سوف تحترق وتصبح رمادا منسيا..
ابتسم مادي بخشوع وهو يجيب بسخرية خفيفة: على الأقل رماد الجسد ليس مثير للتقزز كعفونة الروح ..
وقبل أن يبادر مادي بخطوته الإنتحارية .. ألح عليه تاغوت بالتعقل قائلا: اسمعني أيها الشاب المتهور.. ربما يكون تهديدي لك وخططي مع الحاكم زور هي التي أزعجتك .. لكن .. صدقني .. أنا لم أحبه مثلك .. وإلا فلماذا أطلعك على أسرارنا دونه ودون سواه ... ؟ أنا أخبأ لك الكثير من المفاجآت في حياتك المقبلة .. موتك لن يفيدني أو يفيدك بشيء .. صحيح أنني كنت كتوما معك .. ولكن هذا من أجل ضمان سلامة مخططاتي .. لكن أعتقد أنه آن الأوان لأطلعك على كل شيء .. ففي...
لكن مادي قاطعه بلا مبالاة قائلا: وفّر جهدك... فأنا منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها عرفت أنني لن أهنأ برفقتك لحظة واحدة في حياتي .. وبما أن ثقتك الكبيرة بنفسك ونجاحك جعلتك تؤمن أنني سأفضل هذه الرفقة المتعبة والسيئة على الموت البرىء .. فأنت مخطىء .. للأسف مخطىء جدا .. جدا .. جدا
وبينما هو يردد ذلك خطا الى الجحيم المستعر.. فتأججات نيرانها وثارت بلوراتها وصراخ تواغيتها يهز أعماقها وهم يذوبون في لظى النيران ومادي يقف مذهولا وسط هذه الأحداث عاجزا عن فعل شيء حتى اختفت البلورات وتواغيتها ومنها بلورته وتاغوته لتقذفه النيران الى الخارج حيث تقوقع بالقرب من الثعابين يلهث من الصدمة..
تحركت الثعابين وتحلقت حوله مبتعدة عن النيران وقد رفعت رؤوسها الغليظة متطلعة اليه بفضول .. ثم حين شعرت بالإطمئنان بعد أن تأكدت من اختفاء الشياطين هزّت ذيولها بفرح ونشاط واقتربت من مادي بألفة وسلام حيث استعاد شتات ذهنه وطاقته وجلس على ركبتيه يتأمل جحيم الشياطين قائلا:
الإنسان خلق من التراب والى التراب يعود .. والشياطين أيضا خلقت من النار والى النار تعود .. وهذا الجحيم الذي صنعته في باطن الأرض لنفسها جحيم مزيف يزول بمجرد أن يلامسه تراب طاهر لإنسان مؤمن..
ثم التفت الى الثعابين وخاطبهم قائلا:
.. انتم الآن أحرار .. الشياطين لا تؤذي أجسادنا .. ولكنها تقتل قلوبنا وضمائرنا .. وأنا سعيد لأنني تخلصت من شيطاني .. لكنني عاجز عن تخليص نفسي من هنا ..
لم تجب الثعابين وانما تحركت بسرعة نحو نفق خفي مظلم من وراء جحيم الشياطين وأخذت تنسل واحدة بعد الأخرى سعيدة بحريتها وخلاصها .. وقد انتهز مادي هذه الفرصة ليلحق بها زاحفا وراءها في هذا النفق اللانهائي .. ..
***
وجدت تالا نفسها في المكتب الفخم للكولونيل ساتين في منزله الكبير ذو الطابع الفيكتوري والذي لحق بها مع أربعة من المسئوولين المقربين اليه .. وبصحبتهم خبير بالأحجار والمجوهرات ...
رحّب الكولونيل بضيوفه اللذين انشغلوا في البداية بتأمل تالا ومناقشة قضيتها بشكل ساخر أمامها متجاهلين مشاعرها ووجودها لتنخفض اصواتهم بعد حين وهم يتهامسوا بشئون بلادهم السياسية كما استنتجت تالا بعد ان التقطت آذانها بعض المفردات الخاصة بالحرب .. وبينما طلب ساتين من خادمته العجوز احضار الشاي والبسكويت كان خبير المجوهرات يفحص بعدسته القلادة الأنيقة التي زينت بها السمكة عنق تالا والتي لجأت الى الصمت كآخر وأضعف أسلحتها لمقاومة شرور ادعاءاتهم .. وما إن احتسوا الرشفة الأولى من كوب الشاي الساخن .. حتى فجّر الخبير مفاجأة مذهلة بنبرة حادة: - أيها السادة .. هذه الفتاة شأنها خطير جدا .. فهي تحمل قلادة نقش عليها اسم الملك قارون .. أي ببساطة هذه القلادة كنز من كنوز قارون ... انها ...
وتعالت صيحات الدهشة من الجميع فغطت على صوت الخبير. ..وتجمهروا حول تالا يتفقدون القلادة ويحاولون نزعها من جيدها دون جدوى .. لقد فشل الخبير أيضا في ذلك بمساعدة آلاته الدقيقة فأجزم بثقة: انها ساحرة .. بالتأكيد ساحرة.. وإلا .. فكيف يمكنها أن تعثر على كنز قارون الذي يبحث عنه الجميع منذ الاف السنين ولم يجدوا أي أثر له .. وأية قوى غير قوى السحر الأسود تمنعنا من نزع هذه القلادة الصغيرة من حول عنقها ..
تعالت الآراء توافقه على وجهة نظره وتالا تحتمي بصمتها وهي تفكر في كيفية الخلاص من قبضتهم .. لكن سكوتها لم يدم طويلا حين سمعت أحدهم وهو رجل ضخم أصلع تماما لم يكلف نفسه عناء تغطيه البلورة من على رأسه وهو يضرب كفا بكف مقررا: اذن لا بدّ من الحرب ... لا يمكننا الآن أن نقدمها لهم على طبق من ذهب .. لا بدّ أنهم يعلمون بسرّها وإلا فلماذا يشنون علينا حربا مكلفة وغير متكافئة .. ليس بالتأكيد من أجل تقديسها ..
دهشت تالا لسماع نغمات الحرب تتردد الآن علنا أمامها .. وقبل أن تكسر صمتها سمعت ساتين يضحك بسخرية وهو يشير اليها باحتقار قائلا:
بالفعل يا رفيقي .. ان قيمتها أكبر بكثير من أي قديس وجد على أرضنا .. انها ثروة هائلة .. فلا بدّ أنها تعرف أمكنة مختلف الكنوز المدفونة في باطن أرضنا .. .
شاركهم الخبير الرأي قائلا: بالنسبة لبلادنا .. تكفينا كنوز قارون فقط ..
علق الكولونيل ساتين بجدية: علينا فقط أن نخرج من مأزق الحرب مع بلادها ..
علّق رفيقه جيرم قائلا: مأزق .. لن يكون هناك أي مأزق .. فالقوى غير متكافئة خاصة اذا شاركتنا استراليا الحرب لتأخذ نصيبها من كنوز هذه الساحرة ..
ردّ ساتين قائلا: يبدو أنك لم تستمع جيدا لتاغوتك .. فرئيس اندونيسيا الجديد ينوي عقد اتفاق مع مختلف الحكومات الآسيوية لمؤازرتهم في ذلك على أن يتم اقتسام الغنائم بينهم..
لم يعد بإمكان تالا الإحتفاظ بصمتها أكثر من هذا فتساءلت بقلق:
أي حرب تتحدثون عنها..؟ ولماذا ترغبون بشن الحرب على بعضكم البعض؟
أجابها ساتين بهدوء: بسببك يا صغيرتي ... ألم تعلمي بأن حاكم جزيرتك يبني لك معبدا ضخما من نقود شعبكم المسكين .. وقد شنّ حربا على رئيسكم لأنه لم يفعل الكثير للبحث عنك ... وهكذا ثار الشعب منذ ساعات بقيادة حاكم جزيرتك على الرئيس وحكومته وأقالوه من عرشه ليجلس عليه زورا وهو ينوي كما أخبرنا تاغوت بأن يشن علينا حربا لا نهاية لها اذا لم نذعن لطلبه ونسلمه اياك بلا شروط ..
تخاذلت تالا في كرسيها حائرة في مصيبتها التي تكبر يوما بعد يوم وهمست وكأنها تحادث نفسها:
يا الهي .. كل هذه الأحداث خلال أسبوع .. يا لجنون العالم ..
ثم علت نبرة صوتها وهي تسأل بإلحاح: ولماذا تثقون بتاغوت كل هذه الثقة العمياء .. ألا ترون ما يفعله بكم .. ؟؟ انه يدمركم ...
ضحك الجميع باحتقار ليجيبها أحدهم : لقد أخبرنا تاغوت بعدائك المفرط له لأن سحرك الأسود لا ينجح معه..
نفت تالا عنها هذه التهمة قائلة بنفاذ صبر: أنا لست بساحرة .. أنتم أسوأ من زورا و مواطني جزيرتي .. لقد ادّعوا بأنني فتاة مقدسة وصدقوا ادعاءاتهم .. وأنتم .. تفعلون الآن الشيء ذاته .. تتهمونني بالسحر وأنا بريئة منه .. وبالرغم من ذلك لا تصدقوني وتصدقون افتراءاتكم التي لن تمنعكم من خوض حرب قد يقتل فيها العديد من الأبرياء...
تعالت ضحكات الجميع ساخرة من تأكيداتها فصرخت بغيظ وانفعال:
أنتم تكذبون على أنفسكم .. وتعرفون ذلك تماما .. ولكنكم تمنون أنفسكم بكسب يفوق ما كسبه زورا . أنتم لا تختلفون عنه بشيء .. فمن أجل المال والسلطة تكذبون وتنهبون الأموال وتعرضون الآخرين للقتل والتشريد .. فلو كنت ساحرة حقا لنجحت في انقاذ نفسي من براثنكم .. أليس كذلك..؟
نظروا الى بعضهم البعض وكأن الطير فوق رؤوسهم وقد أخذوا بتصريحها .. ولم ينقذهم من ارتباكهم سوى الخادمة العجوز التي دخلت فجأة لتجمع أقداح الشاي الفارغه وصحون البسكويت في عربة التضييف الفضية..
صرخ القائد بخادمته قائلا: ليس الآن .. ليس الآن .. كان عليك أن تطرقي الباب أولا..
أجابت الخادمة بهدوء وهي ترمق تالا بنظرة وديعة غامضة: عفوا سيدي .. أنا آسفة .. سأعود في وقت آخر ..
لم تدر تالا ما سرّ الطمأنينة التي حلّت عليها حين استقبلت نظرات هذه الخادمة العجوز ... وانتظرت اجابة على سؤالها من أحد هؤلاء السّاسة .. لكن أحدا لم ينبس ببنت شفة .. فاستطردت تقول:
أنا لست ساحرة .. وأنتم تعلمون ذلك ..؟ وليس لدي أية قوة خارقة .. لقد خلقت هكذا وما بيدي حيلة ..و
قاطعها الخبير باستهزاء : إن سحرك يزول بحضرة تواغيتنا ... لذا نحن لن نتركك وحدك مطلقا .. أما بالنسبة لكونك فتاة عادية .. فلماذا لا تخبرينا من أين لك قلادة قارون التي يتحلى بها جيدك ..؟ ولماذا رائحة المسك والعنبر تنبعث من جسدك طيلة الوقت حتى وإن لم تغتسلي ...؟
صمتت تالا وتضرجت وجنتيها بالإحمرار مترددة .. وانفرجت شفتيها تبحثان عن كلمة تبدأ بها شرح الحقيقة إلا أن عينيها وقعتا بالصدفة على الخادمة العجوز تهم بالخروج من المكتب وهي تهز لها رأسها محذرة اياها من الإجابة على أسئلتهم ..
وخرجت العجوز لتترك تالا غارقة في حيرتها .. وحين أعاد ساتين أسئلة الخبير على مسامعها .. تمالكت نفسها ورفعت رأسها باعتداد وهي تجيبهم بثقة جريئة: أنتم قوم فاسدون .. لا تريدون الحقيقة .. تريدون فقط استغلالي لمصالحكم .. أنا لن أفشي لكم أسراري البتّة .. واذا كنتم حقا من أهل الذكاء الذي تدّعونه فسأترك لكم هذه المهمة كي تنجزوها بأنفسكم .. وأنا لن أتوسل اليكم أن تطلقوا سراحي .. لأنني أعلم أن قلوبكم قد خلت من الرحمة .. فافعلوا بي ما شئتم .. لأنني لن أتعاون معكم حتى وإن كلّفني ذلك حياتي ..
وصمتت تالا لترى وقع كلامها على وجوههم التي خلت من أي تعبير .. وسمعت أحدهم يتمتم قائلا: فتاة وقحة .. ومع موافقة الجميع على رأيه تقدم ساتين نحوها بثبات ليرفع يده صافعا اياها على وجنتها بكل قوته .. ثم وبانفعال أراد أن يعيد يده الى مكانها فلم ينجح لأن ذراعه كانت قد قطعت من مفصلها دون نزف قطرة دم واحدة لتواجه تالا قائلة لها:
أستمحيك عذرا أيتها الطاهرة .. فلا ذنب لي أنه صفعك بواسطتي.. وأتمنى عليك أن تسامحيني ...
قبلت تالا تلك اليد وهمست لها برقه:
سامحتك ..
قالت اليد :
- هذا المجرم لا يدرك أن الله خلق يديه لينفعاه في حياته وليس لإلحاق الأذى بالأبرياء.. لقد سئمت جرائمه التي يرتكبها من خلالي .. وسأذهب لأدفن نفسي دونه ..
وخرجت اليد من الباب الذي فتحته بنفسها ثم أغلقته وراءها وسط ذهول الناظرين ..
صاح بها الخبير الذي كان أول من عاد اليه رشده :
أيتها الساحرة .. أعيدي اليه ذراعه ..
لكن تالا هزّت رأسها نافيه ان يكون لديها مثل هذه القوة .. وتمتمت من بين شفتيها :
لقد صفعني ... ليس لديه الحق في أن يسبب الألم لأي انسان ..
وصرخ القائد بجبن وهو يبكي فقدانه ذراعه: لست أنت من يسن قوانين الإنسانية ايتها المحتالة ..
رفعت اليه عينين مليئتين بالشفقة قبل أن تهدده وأصحابه قائلة بثبات : من يحاول الإمساك بي سيلق المصير نفسه .. وربما أسوأ .. ولن تنفعكم تواغيتكم كما لاحظتم..
وببساطة غادرتهم دون أن يجرؤ أحد على توقيفها وأغلقت خلفها الباب بإحكام لتجد العجوز بانتظارها تستعجلها قائلة: هيا .. هيا .. ليس لدينا الكثير من الوقت...
تبعتها تالا الى خارج المنزل عبر باب خلفي مهجور .. سعيدة بحريتها وممتنة بها لهذه العجوز الشجاعة
نشرت فى 17 نوفمبر 2007
بواسطة ashrafhakal
عدد زيارات الموقع
3,651,259


ساحة النقاش