تستغرق الرحلة بالقطار السريع من مدينة مدراس الهندية بجنوب الهند إلى مدينة بومباي بوسط الهندي والتي عدّل إسمها فيما بعد لتصبح ( موباي) حوالي اليوم الكامل ، يأكل القطار نهماً تلك المساحات الشاسعة ولا يتوقف إلا قليلاً في محطاته المتباعدة، والقطار السريع حكراً على أصحاب المقامات العالية في بلد يعد الفقر فيه سمة لا تخجل أهله، وهنالك قطار آخر كأنه صمم خصيصاً تماشياً مع الطبقية السكانية بدءً بالبراهمة كأعلى طبقة في الهند ونهايةً بالهيرجانت أو (اللوكال) الطبقة الأدنى، فتجده بدرجاته المختلفة من الأولى حتى الشعبي لا يجرؤ أحداً بأن يسافر على درجة لا تتماشى ووضعه الطبقي الإجتماعي.
عند مدخل المحطة الرئيسية للقطارات يتهافت عليك الحمّالة بزيهم الأحمر وعمامتهم السوداء ليحملوا عنك هم ثقل حقائبك وأن كانت بوزن الكيلو طلباً في حفنة من الروبيات تسد رمق جوعهم وتقوي من أجسادهم الواهنة،، زي الحمّالة بلونه الأحمر يوحي إليك بهاجس سجون الإعدام وكأن هؤلاء الحمّالة في سجنهم الاختياري في انتظار تنفيذ حكم الإعدام عليهم تخلصاً من هذه الحياة البائسة والمهنة الشاقة، وعلى حواف محطة القطار يصطف ذوي العاهات والحاجات المعافى منهم والمريض منهم يستغل علته في جلب شفقة العابرين كسباً لصدقة تنتزع انتزاعاً من أيدي شعباً يحب المال أكثر من نفسه التي بين جنبيه، ولا يخرجه إلا مرغماً متحسرا.
تتباين أساليب التسول من متسول لآخر ،، فتجد من يضرب نفسه بالسياط ويتلوى تحت نار الألم ، وأخر يجر عربة صغيرة مصنوعة من الخشب ثبتت جنازير من حديد بأطرافها وغرزت نهاياتها في جسده العاري البالي، وآخر يحكم عراك الفأر وثعبان الكوبرا لتنتهي المعركة بموت أحدهما ويدفع المشاهد لهذا العراك ثمن البديل لمشاهد آخر ،، وآخر يلبس قرد صغير ملابس نسوية يتراقص على نغمات صفارة يدوية أو آلة بيانو متواضعة ،، وآخر يغرز أقطاب الحديد الحادة في جسده أو من شفته العليا مروراً بلسانه إلى شفته السفلى في منظر شاده مؤلم يتفطر إليه الوجدان الإنساني،، وكل هذه المشاهد الغريبة الهمجية لا تجد بالاً ولا حظاً عند كثير من العابرين إلا القلة القليلة التي يغلب عليها الزائرين والسياح الأجانب . تتفق وتتكرر هذه المشاهدة في كل المدن الهندية وكأنما هناك مدرسة تخرج منها هؤلاء البؤساء تتفق في المنهج والوسيلة والسبيل إلى كسب عطف الآخرين.
ضجيج وحركة سريعة ولغات ولهجات مختلفة ترهق السامع في بلد يمتلك أكثر من ثلاثة عشر لغة مكتوبة ولهجات محلية لا تحصى واللغة الرسمية للدولة لا زالت على لغة المستعمر الإنجليزية، ولا عجباً إن وجدت من لا يتحدث اللغة الهندية من أبناء القطر الهندي إذا كان من غير ولايات الوسط والشمال، فالكل يتحدث لغة أو لهجة ولايته بجانب الإنجليزية. أصوات الباعة تتداخل مع أصوات المسافرين، وصرير الرافعات الصغيرة وآلات الحمّالين ، الهرجلة تعم كل أرجاء المحطة، ولا تجد طريقاً سالك لغايتك إلا بعد أن تعتذر لنصف هذا الزحام وتدفع النصف الثاني بيديك عن طريقك مرغماً دون استئذان، ومنهم من يقبل منك ذلك، ومنهم من يرمقك بنظرة متسائلة يتبعها بدندنة غير مفهومة ربما كانت لعنة قاسية يساعدك عدم الفهم على تجاهلها، وتجد نفسك تتسارع خطاك لتستقر في مكانك داخل القطار هروباً من هذا الضجيج المرهق
تتمتع الهند عن كل دول العالم بنظام سكك حديدية متقن ومنظّم ومرتب ترتيباً دقيقاً وبتوقيت ملتزم لوصول ومغادرة القطارات لا يتأخر ثانية إلا في حالات نادرة ، وتتصل شبكة القطارات ببعضها البعض لتنقلك إلى كافة مدن الهند لينام أكثر من خمسة مليون مسافر كل ليلة داخل هذه القطارات في سفرهم إلى جهاتهم المختلفة.
قليلاً ما تتمتع بنعمة النوم وأنت داخل هذه القطارات، فصياح الباعة المتجولون يوقظ فيك لعنة السفر ويجبرك على مشاهدة مدن وقرى التناقض المصطفة على جوانب القضبان الحديدية،، يختلط القبح بالجمال ويشوّه منظر المعمار الإنجليزي الأنيق عشش من الحشائش لا تقوى على حما الطيور ، ناهيك عن بشر يتخذها ملجأ ومأمن له من سماء لا تتوقف أمطارها الغزيرة إلا لشهور معدودة ،، تتنازع المشاهد في نفسك وأنت تتجول ببصرك يمنة ويسرة ، رجل يجر بيديه الضعيفتين عربة من الخشب صممت لتجرها الدواب فنصّب نفسه مكانها، وآخر يقود دراجة لا يقوى على دفع ثقلها إلا وهو قائماً يحمل عليها مجموعة من أطفال المدارس ،، و امرأة تحمل على رأسها إناء مليء بمادة البناء الصلبة لتوصله إلى أخرى لتشييد بيت لا تجرؤ على المرور عليه بعد اكتماله إلا سائلة لحاجة أو خادمة لصاحبه.
بقدر ما يبهرني من صبر هذا الشعب المكافح ، إلا أنني أقف عاجزاً عن تفسير هذه الطبقية القاتلة بين أفراد المجتمع الهندي رغم توافق العادة والحياة الشاقة بين معظم الهنود ،، ورغم صبرهم الطويل ولمدة تزيد على الثلاثة قرون على الإستعمار الإنجليزي حتى أتى خلاصهم على يد مهاتما غاندي بسياسته السلمية الباردة النابذة للعنف والتي تقوم على الرضوخ والطاعة للمستعمر والتوحد في الزي الأبيض وإلقاء القاذورات و قضاء الحاجة والتبول في شوارع المدن طرداً للإنجليز،، وذهب المستعمر وجاء غاندي وتخلى الناس عن الزي الأبيض إلا قلة قليلة وبقيت العادة القذرة هي المستعمرة بعد الإنجليز.
ولا عجباً في أن يفرز هذا الواقع والسلوك الطبقي كثيراً من عصابة القتل والنهب المسلح بالسلاح الأبيض والناري أو ما يمسى بالـ(قندوات) والذين أغلبهم أن لم يكن جلهم من الطبقات الفقيرة المضطهدة والحاقدين على مجتمع الطبقات العليا، والذين لا يأبهون للمجتمع أو حتى الحكومة المحلية والمركزية ولا يعتريهم الخوف في تنفيذ جرمهم المشهود لقاء حفنة من الروبيات ،، والأغرب في هذا الأمر أنك تعرفهم بسيماءهم وأسماءهم ولا أحد يشير إليهم خوفاً من بطشهم وجبروتهم الذي أقله زهق روح واحدة إن لم يكن كل أسرة من تعرض لهم بسوء أو حتى حسنة. وتجد هذه العصابات الدعم والمآزرة حتى من كبار رجال الحكم والسياسة تأميناً ودرءً لشرور هذه العصابات التي قد تجتاز حصونهم المانعة بقليل من الروبيات لحراسهم من قوم لا يرون في الرشوة عيباً ولا جرماً ،، ولا ينجز لك عملاً في أي مرفق حكومي أو شعبي دون أن تضع مالاً بين يدي صاحب القرار رغماً عن قانونية مطلبك ، وإلا سيطول بك التردد لتدفع مرغماً .
لا تختلف مدينة مومباي العاصمة التجارية عن رفيقتها مدينة مدراس إلا في لون بشرة ساكنيها المايل إلى الوضوح غير سكان الولايات الجنوبية الذين يغلب عليهم لون البشرة السمراء.<!--EZCODE FONT END--><!--EZCODE CENTER END-->
<!--EZCODE FONT START-->منظر محطة السكة حديد في موباي كمثيلاتها في كل المدن الهندية، الحمّالين وأصحاب التاكسي والركشات يصطفون أمام مخرج المحطة يتصيدون غرباء المدينة من الزائرين وكأنما لهم رائحة مميزة تميزهم عن غيرهم من معتادي السفر من وإلى هذه المدينة، قد يبالغون كثيراً في رفع سعر المشوار إلى المكان الذي تبتغيه، خاصة إذا ما وحى لهم خيالهم بأنك زائر لأول مرة لمدينتهم، عدد الملتفين حولك لا ينقص عن العشرين فرداً، وفي محاولة يائسة للخروج بواحد منهم، نجدني أحدهم بلهجة عربية متعثرة وسألني أن كنت (زولاً)، فتعجبت من هذا الإختيار الدقيق للفظ الذي لا يطلق إلا على السودانيين في بعض البلدان العربية، وقلت له : نعم أنا كذلك، وقال لي بأنه قد عمل اثنين سنة في اثنين بحر، فقلت له : سنتين في البحرين، هكذا تقال، والتفت إلى أصحاب مهنته ليريحهم عن تساؤلاتهم ودهشتهم بفيض من الكلمات المتسارعة باللغة المحلية فانفضوا من حولي لأتنفس الصعداء، وعلمت فيما بعد من هذا السائق بأنه أوهمهم بأنه قد تعرفي علي ، وأنا صديقه في أيام اغترابه بالبحرين وسيقوم بتوصيلي مجاناً وفاء لتلك الأيام الخالية، ولكنه أخذ مني أجراً أكبر مما كنت أتوقعه من غيره.نزلت في فندق الخليج بمدينة (كولابا) الساحلية السياحية، وبعد إكمال إجراءات الإقامة بغرفة فردية، وأنا في طريقي إلى غرفتي ألقيت تحية بالإنجليزية على أحد النزلاء على مقربة مني ، فرد علي <!--EZCODE EMOTICON START :( -->
صحوت مبكراً في هذه المدينة التي لا تنام خلافاً عن باقي المدن الهندية التي زرتها خلال وجودي هناك، فالكل يخلد للنوم قبل العاشرة مساءً لتصحو باكراً مع بذوق الفجر، إلا القليلين جداً والذين أغلبهم من الأجانب وبشكل خاص الطلاب السودانيين، وأذكر أنني استدعيت من قبل الشرطة وأنا صاحب موقع مسؤول عن الأخوة السودانيين بمدراس، فقال لي : جميلاً أن لا تجد حادثة جرم واحد على امتداد شبه القارة الهندية مسجلة على السودانيين إلا بعض الجوانح التي لا تتعدى شرب المسكرات الذي يصحبه تعارك محدود مع مخمور آخر والذي لا يعتبر أصلاً من الجرائم ، طالما المسكرات تتوفر في كل المناحي وبكل الأنواع في حين تندر المياه الصالحة للشرب ويصعب الحصول عليها إلا بالتزام الصفوف المتراصة عند مصدرها في كل حي.
أخبرني مدير شرطة مدينة مدراس بأنه ليس هنالك غير السودانيين وبعض الكلاب والقطط الضالة التي تعكر صفوهم إثناء الليل المتأخر وهم يؤدون واجبهم في تعقب مجرمي المدينة، ونصحني بأن يتفق الجميع على التواجد في مكان واحد حسب مناطق تواجدهم، أو عليكم بالتجمع في داركم الطلابية في منتصف المدينة، ووعدته بالحسنى ولم أفي لا بتبليغ نصيحته ولا حتى بتطبيقها على نفسي لعلمي باستحالة ذلك علينا نحن السودانيين.
سألت استقبال الفندق على مطعم يقدم الوجبات العربية خوفاً من الوجبات الهندية التي تكثر بها التوابل الحارقة التي لا تقوي عليها معدتنا ، فأومأ لي على مكان قريب من الفندق. توقفت قليلاً أمام مدخل الفندق وجلت ببصري أبحث عن ذات هذه المدينة المزدحمة، فلم أجد لها ذاتاً ولا وصفا، فهي خليط متنافر من كل مدن العالم ، تغلب عليهم الفئات العربية التي تفد إلى هذه المدينة من اجل التجارة والترويح عن أنفسهم بعيد عن عين رقابة القانون والمجتمع في بلدانهم ،، بعضهم يأتي منفرداً ليجد سعة في مساحة حريته، وبعضهم يصطحب معه أسرته، والقليل منهم يبقى على سمته الوطنية والكثير منهم يتخلى عنها عند صعود الطائرة متجهاً إلى الهند قطعت حديثي معه لاندهاشه البالغ وهلعه البائن، فقلت له: ما بك، فقال لي : أليس هذه أبقار البافلو المتوحشة تتجول في المدينة، فضحكت لذلك ، وقلت له : بلى ، لكنها هنا أكثراً إنساً من الإنسان ، ولا تعجب أن رأيت وحوش الغابات تتمشى على الشاطئ بين البشر ،، فهؤلاء القوم أقدر على تطويع البشر والحيوان على شاكلة حياتهم الباردة الرتيبة ، يتراقص ثعبان الكوبراً النافذ السم على وقع موسيقاهم ،، وتترحم الأفيال تسولاً العابرين ، ويرهق الثور بحمل كل ثقيل وتتجول أنثى البقر كقديسة تلتهم الأخضر واليابس دون إعتراض من أحد عليها وإن قضت على كل ما حولها لا يثور عليها ثائراً أو ينهرها عابراً، و أيادي الشحاذين تلح عليك في إذلال ومهانة بغية مال أو طعام تأخذه البقرة المقدسة دون استئذان ، وأذكر أنني أعفيت الخادمة عن خدمتنا عندما شاهدتها وهي تلقي بطفلها تحت بقرة تتبول وقالت إنها المياه المقدسة التي تجلب الشفاء والوقاية من الأمراض المتوقعة، وهنالك رواية متناقلة تقول بأن المهاتما غاندي كان يتجول في إحدى المدن ومعه إنجليزي عندما تفلت بقرة روثها، غمس غاندي فيه أصبعه ووشم به جبينه، فصرخ فيه الإنجليزي : هذا غير معقول، فرد عليه غاندي : بل أنه فوق المعقول.
ودعت محدّثي هذا ونصحته بأن يكن حذرا ، فحوله الكثيرين من اللصوص الماهرين الذين يتصيدونه، وأن ينجز ما جاء من أجله ويلحق بتجارته في بلده ، وربما اللجوء لبعض المكاتب المتخصصة في مجال التسويق للزوار العرب يقيك شر الوقوع في براثن ما لا يرحمون ولا يتوانون في سلب كل ما تملك.
شاطئ هذه المدينة ثائراً غاضباً لا يهدأ أبداً، الأمواج العاتية تصارع بعضها البعض وتنفث زفيرها الحارق على الجدران الصلبة العالية المكتظة بالجالسين عليها من أبناء المدينة وزوارها، البحر هو أيضاً تختلط مناظر الجمال فيه بضجيج المراكب السياحية وهدير السفن التجارية وحسبك منه نسمة باردة تحمل عنك ثقل حرارة الجو لتستعيد جزء من وعي يعينك على تأمل جمال هذه المدينة التي تعج بالسياح من كل البقاع، وربما لأني في عجلة من أمري لم أتلمس الجمال وفاجأني القبح فتمكن من نفسي، هدأ البحر قليلاً وكأنه يستجمع قواه لغضب آخر أشد وطأة من سابقه، ووجدتها سانحة أن أسترجع يومي في هذا الهدوء الإستثنائي ،وأتلمس متأنياً الجمال فيما رأيت، وأفقت على صوت آذان صلاة المغرب فهرعت إلى حيث الصوت ولم أرى مسجداً ، فسألت أحد المارين فأشار إلى سقف الفندق، فصعدت إليه ووجدته عبارة عن غرفة بطول ستة أمتار وعرض لا يتعدى الأربعة وبجانبها قبة صغيرة وضع على رأسها هلال صغير أقرب في شكلها إلى النحت من البناء ولا ترى إلا من بعد وصولك إلى مدخل هذا المسجد، وتوضأت على عجلة هرباً من الأصوات التي تخرجها أنوف وحناجر المتوضئون بجانبي، ودخلت المسجد مع إقامة الصلاة ، فنبهني أحدهم بأن رأسي ليس عليه غطاء ، فقلت له ليس معي غطاء رأس فناولني منديل من جيبه وأوصاني بربطه على رأسي أسوة بغيري في المسجد ، فشكرته وانتقلت إلى آخر الصفوف لأناجي ربي بنفس صافية بعيداً عن كدر هذه المدينة التي أبت إلا أن تمتحن صبري الذي لم يبقى منه ما يعينني على قضاء هذه الليلة.<!--EZCODE FONT END--><!--EZCODE CENTER END-->
<!--EZCODE FONT END-->


ساحة النقاش