كانت للزعيم العربي الراجل جمال عبدالناصر روايته لوقائع حرب مايو/ أيار ,1948 تلك الرواية التي كتبها بخط يديه ضمن يومياته عن حرب فلسطين، وفي خنادقها وعلى تلالها وبين البيارات التي يفوح فيها عبق زهور البرتقال والليمون على الأرض المقدسة.
وبدأ الزعيم الراحل في إعداد مذكراته للنشر في أعقاب الغارة الإسرائيلية على غزة في ربيع العام ,1955 وكان عبدالناصر في زيارة إلى بعض وحدات القوات المسلحة المصرية وخطب أمامها، وقال في خطابه ما معناه ‘’إن الجيش المصــري قادر على مواجهــة التحــدي، والذين يتصورون أن هذا الجيش هزم في فلسطين لا يعرفون الحقيقة، فــإن الجيش لم يهزم، وإنما كانت الهزيمة للإرادة السياسية في مصر سنة .’’1948
المذكرات الأصلية كانت عبارة عن مجلدين كلاهما مكتوب بخط يده الشهير بزواياه الحادة، المجلد الأول كراسة بحجم القطع الكبير ذات غلاف أزرق اللون وهي عبارة عن يوميات الكتيبة السادسة التي اشتركت في حرب فلسطين، والتي كان هو ضابط أركان حربها في ذلك الوقت، وكان بين مهماته أن يسجل يوماً بيوم نشاط الكتيبة ودورها القتالي. أما المجلد الثاني فقد كان دفتر يوميات عنوانه ‘’يومية الكاتب المصري’’ وداخل هذا الدفتر سجل جمال عبدالناصر تجربته الشخصية في حرب فلسطين، أي أن الكراسة الأولى كانت للتسجيل الرسمي، والدفتر الثاني كان للتسجيل الشخصي.
تجربته الإنسانية في الحرب لم تؤثر على شجاعته، فالسجلات الرسمية لحرب فلسطين تشهد له بأنه قاد معركة من أهم معارك الحرب، وهي معركة أشار إليها أكثر من مؤرخ وعسكري إسرائيلي شاركوا في الحرب وهي معركة خسر فيها العدو (450 قتيلاً) أمر جمال عبدالناصر بدفنهم على مشارف مواقع الكتيبة السادسة في عراق المنشية.
حرب ولا حرب
كنا في شهر أبريل سنة ..1948
وكان تنظيم الضباط الأحرار قابعاً منكمشاً على نفسه، فقد كانت الرقابة شديدة تتحسس آثارنا من كل اتجاه. كانت هناك محاولة في الجيش لم يكتب لها النجاح. وكانت عيون البوليس السياسي متجهة إلى الجيش. وذات صباح وجدت نفسي في محطة القاهرة، مع عبدالحكيم عامر، وزكريا محيي الدين، نودع صديقنا وزميلنا في اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار: كمال الدين حسين، وكان في طريقه إلى فلسطين مع غيره من الأصدقاء والزملاء.
وتحرك القطار وقلوبنا تهتز من فرط الانفعال. ولم أعد يومها إلى بيتي، وإنما طرقت باب إحدى الصحف اليومية، وطلبت من رئيس تحريرها أن يسمح لي أن أكتب له وصف سفر القطار المتجه إلى فلسطين. وجلست، وقلبي مازال يهتز من فرط الانفعال، وكتبت ما حدث في محطة القاهرة، وظللت ساهراً في دار الصحيفة انتظر أن تدور عجلات المطبعة بما كتبت. وبدأت أيام شهر مايو ونحن لانزال في القاهرة، وأعصابنا تحيا في فلسطين.
كنا نعيش في دوامة من الأفكار والمشاعر. وذات يوم قيل لنا إن دفعتنا من كلية أركان الحرب سوف تتخرج قبل الوقت المحدد، فإن احتمالات فلسطين قد تقضي بهذا. وكان احتفال التخرج بسيطاً، هرعنا بعده لنعرف إلى أين ينتهي بنا المطاف. وصدرت إلي الأوامر بأن ألتحق بالكتيبة السادسة.
وصدرت إلى عبدالحكيم عامر لكي يلتحق بالكتيبة التاسعة. وصدرت إلى زكريا محيي الدين لكي يلتحق بالكتيبة الأولى. وكانت الكتائب الثلاث يومها على الحدود، ولم يكن هناك من يعرف على وجه اليقين ما الذي ستأتي به الأيام المقبلة.
وكانت الأوامر الصادرة لنا أن نغادر القاهرة يوم 16 مايو. ولكن حماستنا لم تكن تطيق الانتظار، فقد كانت الصحف تطالعنا كل صباح بفيض من الأنباء عما يجري في فلسطين، وفي الوقت نفسه كانت هناك تخمينات كثيرة وظنون متضاربة عن الموقف الرسمي الذي قد تتخذه الحكومة المصرية في ذلك الوقت.
ولم يبد من سياق ما كنا نقرأه في الصحف شيء واضح على وجه التحديد، ولكن احتمال دخول حرب في فلسطين كان قد بدأ يظهر، وكان الشعور في كل مكان حولنا فياضاً دافقاً.
وغادرت بيتي صباح 16 مايو أحمل حقيبة الميدان بعد أن تركت على إحدى الموائد صحيفة الصباح، وكانت صفحتها الأولى مليئة بالبلاغ الرسمي الأول الذي صدر عن وزارة الدفاع في ذلك الوقت، يروي للناس بداية العمليات الحربية في فلسطين.
وتملكني شعور غريب وأنا أقفز درجات السلم. ‘’وأذن فأنا في الطريق إلى ميدان القتال’’. وتركت فكرة ميدان القتال تستولي على أفكاري كلها، فقد كنت أريد أن أتجه إلى الذي ينتظرني، وأنسى تماما كل ما تركته وراء ظهري، وأنسى بينه عاصفة من الدموع رأيتها تتجمع قبل أن أخرج من بيتي وتنتظر أن أبدأ هبوط السلم لكي يبدأ تساقطها. وكان القطار الذي غادر القاهرة متجهاً إلى الحدود، حيث جبهة القتال - نموذجاً رائعاً لأمثاله أيام الحروب.
الضباط والجنود في كل ركن منه.. ربطات الميدان تسد الممرات.
قطع السلاح والخوذات المتناثرة تضفي على الجو لمسة أخيرة معبرة. وكانت الحماسة تطبع كل حركة وكل كلمة وكل نظرة عين.
وكانت هناك أحاديث عن المجهول الذي ينتظرنا والذي كنا نريد أن نقذف أرواحنا وأجسادنا في أقداره المخبوءة.
ولم يكد القطار يتحرك في اتجاه ميدان القتال حتى أصبح الركن الذي جلسنا فيه - عبدالحكيم وزكريا وأنا - أشبه ما يكون بغرفة عمليات حربية.
وفتحنا خريطة كبيرة بيننا، وبدأنا نناقش الموقف. وبدت أمامنا للوهلة الأولى فجوات كان يمكن أن يتسرب منها إلى خطوطنا خطر.
كان الجيش المصري يومها مكوناً من تسع كتائب، ولكن ثلاثاً منها فقط كانت قرب الحدود حينما صدر الأمر بدخول فلسطين، وكانت هناك رابعة في الطريق. وكنا نتساءل والقطار يندفع بنا إلى ميدان القتال:
- لماذا لم يحشد عدد كبير من الكتائب ما دمنا نريد دخول حرب فلسطين؟
- ولماذا لم يستدع الاحتياطي لكي تكوّن منه كتائب جديدة ترسل إلى الميدان على عجل؟
ثم لماذا يصف البلاغ الرسمي الأول عمليات فلسطين بأنها مجرد حملة لتأديب العصابات الصهيونية؟ وعلى أي حال فإن الحماسة لم تلبث أن ملأت الفجوات جميعاً وسدت ما بينها.
ولكن الإحساس بالفجوات المنذرة بالخطر لم يلبث أن عاد إلينا عندنا وصل القطار بنا إلى العريش.
وكان المظهر الخارجي للبلدة الغارقة في ظلام الليل الحالك يتلاقى في خيالنا مع الهيبة التي كنا نتصورها للقاعدة الخلفية لميدان العمليات. ولكن المتناقضات كانت تصدمنا كلما تعمقنا داخل المظهر الخارجي إلى صميم العمل الحربي الذي كان يجب أن تقوم به القاعدة. لم يكن هناك من يهتم بنا أو يرشدنا إلى ما يتعين علينا أن نصنعه.
ولم نكن ندري أين مواقع وحداتنا بالضبط حتى نستطيع أن نلحق بها ولم نجد أحداً يستطيع أن يرشدنا إلى هذه المواقع.
وذهبنا إلى رئاسة المنطقة ونحن نتصورها خلية نحل تئز بالحركة الدائبة، ولكن رئاسة المنطقة لم يكن بها أحد كأنما هي بيت مهجور في بقعة من الأرض، لا يسكنها بشر.
وحين عثرنا على أركان حرب المنطقة، كان الشاب يبحث عن عشاء لنفسه. واستضفناه على ما كان معنا من بقايا طعام، وكانت أصوات ضحكاتنا وأحاديثنا تجلجل في البيت المهجور، وكانت لأصدائها في نفسي مشاعر غريبة. وجاءتنا الأخبار بعد العشاء بمواقع كتائبنا على وجه التخمين.
كانت الكتيبة التاسعة في غزة، وكذلك الكتيبة الأولى. أما الكتيبة السادسة التي كنت سأعمل أركان حرب لها فقد كانت لاتزال في رفح، وإن كانت قد تحركت منها إلى عملية ضد مستعمرة الدنجور ثم عادت إليها مرة أخرى.
وافترقنا.. ركب عبدالحكيم وزكريا سيارة جيب إلى غزة. وركبت أنا سيارة أخرى إلى مواقع كتيبتي في رفح. كان الجو في الكتيبة السادسة حين وصلت إليها في حال عجيب.
كانت الكتيبة قد فرغت لتوها من عملية ضد مستعمرة دنجور عادت بعدها إلى مراكزها في رفح. ولقد تركت الكتيبة وراءها على أرض المعركة حول الدنجور بعض الضحايا. ولكني أحسست أنه كان بين الضحايا الذين تركتهم الكتيبة عند دنجور إيمانها بالحرب التي تخوض غمارها. وبدأت أسمع التفاصيل.
صدرت الأوامر من القاهرة بأن تتحرك الكتيبة إلى دنجور في ليلة 15 مايو. ولم يكن هناك وقت لكي تستكشف غرضها الذي ستهاجمه، وكذلك لم تكن هناك معلومات قدمت لها عنه.
وكان هناك دليل عربي واحد أنيطت به مهمة قيادة الكتيبة إلى موقع مستعمرة الدنجور، ولم يكن هذا الدليل يعلم شيئاً عن تحصيناتها ودفاعها، وكل الذي قام به هو أنه ظل يرشد الكتيبة إلى الطريق ويدلي لها بمعلومات غير واضحة ولا دقيقة. حتى ظهرت أمامها فجأة تحصينات الدنجور.
ولم يسترح الجنود بعد الرحلة الشاقة، وإنما اندفعوا إلى الأسلاك. ولم يكن هناك من يعرف ما الذي يجب عمله على وجه التحديد. ولكن المدافعين عن الدنجور كانوا يعرفون. وأصيبت الكتيبة بخسائر لم تكن متوقعة، وعند الظهر أصدر القائد أمره بالابتعاد عنها، وعادت الكتيبة إلى رفح لتجد بلاغاً رسمياً أذيع في القاهرة يقول: إنها أتمت عملية تطهير الدنجور بنجاح. ولاحظت بين الذي سمعته من تفاصيل ظاهرتين مهمتين:
الأولى، أن هناك نغمة بين الضباط تقول إن الحرب حرب سياسة. وكان لهذه النغمة ما يؤيدها ويتناسق معها من كل ما رأوا حولهم. لم يكن معقولاً أن تكون هذه حرباً. لا قوات تحتشد. ولا استعدادات في الأسلحة والذخائر. لا خطط، لا استكشافات ولا معلومات. ومع ذلك فهم هنا في ميدان القتال. إذاً فهي حرب سياسة.
هي إذاً حرب ولا حرب. تقدم بلا نصر، ورجوع بلا هزيمة، هي حرب سياسة فقط.
رصاصة في القلب
في الثانية نفسها التي انكشف فيها سطح الحمالة المصفحة وهي ترتفع إلى الطريق انطلقت المدافع الصامتة من حقل الذرة.
وفجأة أحسست بشعور غريب في صدري. شيء ما صدمه صدمة خفيفة.
والتفت فوجدت صدري كله غارقاً بالدماء. وأدركت على الفور أنني أصبت.. دخلت طلقة في صدري ناحية القلب.
وأخرجت منديلي من جيبي أحاول أن أوقف النزيف، وروحي كلها يملؤها شعور غريب. لم أكن خائفاً، ولم أكن نادماً، ولم أكن حزيناً. كان كياني كله سؤالا واحداً أهي النهاية.
ولم أجزع لهذا السؤال. ولست أدري لماذا ذكرت لأول مرة مذ جئت فلسطين ابنتي هدى ومنى، وذكرت بيتي، وذكرت أسرتي.
كيف سيكون وقع النبأ عليهم.
وفجأة ذكرت جنودي أيضاً: كيف ستسير المعركة من غيري.
ماذا سيقول كل واحد منهم عندما يصله الخبر.
كانت في قلبي سكينة عجيبة. وكان في روحي رضاء وصفاء. والتفت إلي أركان حرب اللواء الجالس بجواري يحاول أن يصنع أي شيء وكل شيء من أجلي قلت له: أشعل لي سيجارة.
وأمسكت السيجارة بيدي واليد الأخرى مازالت تحاول أن توقف سيل الدم المتدفق من صدري. وجذبت نفساً طويلاً وعميقاً. وتنهدت وأنا أغمض عيني.
وكانت الحمالة تجري بي مسرعة إلى المستشفى المجدل. ومرت أمامي ذاكرتي.. وعيناي مغمضتان وفي إحدى يدي سيجارة. وفي الثانية منديل أحاول أوقف به نزف الدم المتدفق من أثر رصاصة دخلت فيه.. مرت مشاهد كثيرة من الماضي كأنها شريط من الرؤى المتدفقة بعضها وراء بعض.. الأحلام والآمال.. الطفولة والصبا والشباب.. الأسرة والبيت وابنتيّ تلعبان في حجراته.. تنظيم الضباط الأحرار والخطر المحيط به.. تجربة الميدان ومتاعبها وأهوالها.. وجنودنا وضباطنا والأعمال التي قاموا بها حتى الآن على رغم كل ما أحاط بهم. وفتحت عيني مرة أخرى.
نظرت إلى الطبيب الذي فحصني بعد أن وصلت مستشفى المجدل في دهشة. وأنا لا أكاد أصدقه فيما يقول: لقد كان تحليله لظروف الرصاصة التي أصابت صدري أغرب من أن يقبل بسهولة. كنت قد دخلت عليه وأنا واثق من موضع الإصابة، ومن نزيف الدم من صدري، أن الجرح نافذ، وأن الرصاصة وصلت إلى حدود القلب. وبدأ الطبيب يفحص الجرح وهو يهز رأسه بطريقة لم أستطع إدراك مدلولها. وابتسم الطبيب وهو لايزال يهز رأسه. ثم قال: أعذرني.. فإننا لا نرى مثل هذه الحالة كل يوم.
ثم سألني: هل تعرف ما حدث لك؟ قلت: أعرف أهم ما فيه على الأقل.. لقد أصابتني رصاصة في صدري.
قال: هذا صحيح.. ولكن هل تعرف كيف أصابتك؟ وقلت له، وقد بدأت أضيق بهذه المناقشة: كما يصيب الرصاص أي واحد من الناس. وهز الطبيب رأسه ينفي نفياً قاطعاً وقال: لا... لقد أصابتك رصاصة، ولكن بطريقة تختلف عن إصابة بقية الناس بالرصاص.. إن الطلقة التي أصابتك اصطدمت بالجدار المصفح للحمالة التي كنت تركبها، فحدث لها شيء غريب لا يحدث عادة للرصاص.. لقد انفصلت الرصاصة نفسها عن غلافها المعدني.. وطاشت الرصاصة عنك، أما الذي دخل إلى صدرك فكان غلافها المعدني فقط.
واستلقيت أمام الطبيب على مائدة العمليات، وبدأت مشارطه تجري حول مكان الإصابة، وبعد عشر دقائق قال لي وهو يناولني قطعاً من شظايا النيكل الممزق: خذ.. احتفظ بها.
وأمسكت الشظايا الممزقة التي كانت مستقرة في صدري ووضعتها في راحة يدي ورحت أتأملها.. وحين سألت نفسي: ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن الأمر جرى على العكس.. لو أن الرصاصة حينما اصطدمت بالجدار المصفح للحمالة وانفصلت، كان الغلاف هو الذي طاش وكانت الرصاصة نفسها هي التي اتجهت إلى صدري.
حين سألت نفسي هذا السؤال، وجدت روحي كلها أقرب ما تكون إلى الله وأنا أغمغم في سري: الحمد لله.
كان مستشفى المجدل كله خالياً إلا مني. كنت حين وصلت إليه في الصباح النزيل الوحيد في كل عنابره. ولقد كان أول ما خطر إلى ذهني بعد أن عرفت حقيـــقة إصابتي.. إنني لـــم آكل شيئاً منذ وقت طويل. وطلبت فنجاناً من الشاي الساخن، أخذت احتسيه بهدوء وعقلي مازال يدور حول الطريقة الغريبة التي نجوت منها.
جمال عبدالناصر يكتب عن حرب فلسطين 1948
نشرت فى 11 نوفمبر 2007
بواسطة ashrafhakal
عدد زيارات الموقع
3,650,002


ساحة النقاش