العسكرتارية .إن صح هذا المصطلح الذي نقصد به الحياة العسكرية والجندية ليست حكرا على أصحاب الأحذية الغليظة والأطقم العسكرية الخضراء الموحدة فحسب , بل هو عالم قد دخله كثير من الإعلاميون والمفكرون العرب ليصبحوا جنودا ورتباء وحتى جنرالات في ثكنات تسمى مجازا منابر إعلامية وجرائد ومجلات ووسائل إعلام , فالفكر في عالمنا العربي المتخلف الغارق حتى الأذنين في هموم هامشية لا يخضع إلى قناعات شخصية نابعة عن حرية الشخص وإنما أصبح أملاءات وأوامر مثل الوحي المنزل تملى من جهات فوقية أو ما يسمى بالمصدر المأذون أو المصادر الخاصة .
لم يعد الفكر عندنا ممارسة للحرية وقناعات راسخة بل ولاء للذي يدفع أكثر وولاء للسلطة وولاء لدرجة أن يعمى المفكر عن رؤية الحقيقة وأحيانا يزورها . لا أستطيع الحكم على الإعلام العربي ككل لكن ثمة اتجاه معين يخوضه بعض الديناصورات القديمة المحسوبة على الفكر ظلما وبهتانا في محاولة لعسكرة الأدب والفكر وتوجيهه حسب الأوامر والنواهي ورسم خطوط حمراء وأخرى زرقاء وخضراء ,لا يجب أن يتجاوزها أي كاتب , مع العلم أن الأدب والإبداع قناعات نابعة من وجدان الكاتب ومحيطه وواقعه . وبين الألوان والممنوع والمسموح ضاعت الحقيقة التي يجب أن يكتشفها كل فرد من امتنا وهي إننا امة ترضخ تحت الأحذية الخشنة وأقلام خشنة أيضا , إن أي محرر تحدد له لوائح من الممنوعات والمسموحات وخطوط ملونة عنكبوتيه تغرق الفكر وحرية التصرف لتصبح هذه الجريدة أو أي منبر إعلامي في الوطن العربي مجرد ثكنة عسكرية تخضع لنواهي وأوامر رئيس التحرير ومدير التحرير ووووو... حتى أصبحت مجلاتنا وجرائدنا مجرد منابر ثقافية خالية المعنى والمضمون وآسف إن قلت تافهة في كثير من الأحيان, وأكثرها أصبحت جرائد صفراء للعري والسقوط في فخ السحب والأرباح المالية.. ولم نعد نفرق بين أي جريدة تسمي نفسها محترمة وبوتيك حلاقة أو قاعة لعرض الأزياء.
في جرائدنا تجد كل شيء من أخبار الفن والفنانين إلى رحلات صاحب الفخامة وخرجات سموه وتدشينات وهمية لهياكل فارغة إلى أخبار الرياضة ولك سيدتي وركن التجميل والتزيين المنزلي وطبختك اليوم وكيف تحمين طفلك ,كل التفاهات موجودة إلا الفكر الغائب الوحيد في واحته الحقيقية.
من المفروض أن تكون هذه المنابر الإعلامية منابر توجه الرأي العام وتسيره وتكون بحق سلطة رابعة كما كل المنابر الإعلامية المحترمة التي لها تقاليد عريقة في ممارسة الفكر بشكل راقي وليس فقط مجرد جرائد للدعاية والإعلان لفساتين السهر وألبسة الصيف والشتاء .. وبعضها يتخلى عن أهم الأمور والقضايا العربية الكبيرة وما أكثرها ويوجه الرأي العام نحو هيفاء وهبي وفستان ليلى علوي وملابس نانسي عجرم ورقص روبي الفاضح والكتابة عن الإغراء في الفيديو كليبات ورأي الدين في هذا الأمر . لكن هذه الأقلام تلقي باللائمة على هؤلاء الفنانات تذمهم مرة وتمتدحهم مرات, يكتبون عن حفلاتهم ونجاحهم ثم في العدد القادم والتالي يكتبون عن فسادهم.. لكنهم لا يلقون بالا لفساد على الأنظمة ولا على الأموال المنهوبة والمبيضة في بنوك سويسرا وأمريكا وفي الجزر النائية الجميلة.
وسائل الإعلام تنتقد روبي وهيفاء وأخواتهن نقدا لاذعا على الحفلات الماجنة لكنهم يتغاضون ولا يشيرون إلى وزارات الثقافة العربية التي تستضيفهن وتفتح لهم المسارح للغناء والطرب وتملأ لهن أرصدتهن بأموال الغلابة , ببساطة لأن المثقفين برتبة جنرال لا يخضون للحقيقة وكشف المستور أو ما يسميه الآخرون سياسة.
إن كشف الحقيقة ليس سياسة ولا ممارسة سياسية قدر ما هو وفاء لأمة تغرق كل يوم في وحل اللامبالاة والهروب إلى الأمام .. إن المثقف الذي يسير بين الألوان وبأجهزة التحكم تضبطه تارة على موجه ولون هو مجرد عسكري بدرجة مثقف أو مثقف برتبة عسكرية... في الوقت الذي تؤسس الدول المحترمة التي لا تخشى إعلامها ولا مفكريها إلى ثقافة وفكر يخدم الأمة ومصالحها دون الخوف من الحقيقة لأنها تسير بوضوح في وضح الشمس وليس في الظلام نبقى نحن بين الألوان المحظورة والمسموحة والأوامر والنواهي تحت داعي حماية الدولة أو الوطن . والأوطان العربية تضيع وتضيع كل يوم ضياع أكثر من ضياع الأمس هذه قواعد عسكرية أجنبية تقام هنا في أوطاننا ولا مفكر واحد يثير الأمر وان أثاره , أثاره بأدب واحترام اليوم قواعد وغدا قريبا استعمارا ليكمل الحكام العرب دورهم ويسلمون مفاتيح الأوطان ويستقيلون من الحياة ومن الحكم ... وهكذا نعسكر مجتمعاتنا في غياب مثقفين ومفكرين جادين يؤمنون برسالة الفكر وليتنا كنا مجتمعات عسكرية متهيئة للحرب بل نظام ثقافي عسكري خاضع للخضوع وتقبل الأمر الواقع .. وبدلا من أن نثقف العسكر رحنا نعسكر الثقافة كما سيسنا الثقافة بدل من أن نثقف السياسة.
عدد زيارات الموقع
3,651,292


ساحة النقاش