في مقبرة بسيطة تحاور ثلاث من البشر
الأول : مات.
الثاني : كيف مات ؟
الثالث : مات جوعا.
الأول : يموت جوعا ... وقد أشبع رؤوس الكثيرين بفكره .. كان بإمكانه أن يعيش ملكا لو أراد
الثاني: الفكر في زمننا هذا لن يطعم خبزا ولا يستر جسدا.
الثالث بحسرة بالغة : كان عظيما مثل الجبل الأشم لم يشكُو يوما الفاقة ولا الجوع .. لم أره في حياتي متذمرا أو ساخطا .. كان غير آبه بمباهج الحياة ، كل ما يهمه أن تنهل الأجيال من فكره
الأول : قيل أنه اشتهى تمرا قبل موته ومات ولم يذق منه شيئا ..
الثاني : على كل رحمه الله وأوسع قبره ، مات وقد أدّى واجبه بالكامل لم يطلب جزاءا ولا شكور ... على الأقل نقيم له قبرا يليق بمقامه ... أين ندفنه ؟
الثالث : ندفنه وحده فقد عاش وحيدا من غير زوج أو ولد .
يعترض الثاني : أيكون في حياته وحيدا و بعد موته ..؟ هذا ليس عدلا.. أعطوه حقه ولا تبخسوه حتى في موته .. ألم يكن قلما منيرا للناس أجمعين .. ألم نستفد من فكره, فلمَ نجعله وحيدا حتى في موته ؟ فلندفنه مع الناس يكفي أنه مات مظلوما فقيرا معدما لا يملك قوت يومه وتركناه لمصيره وحيدا بلا عون أو سند.
وكثر الجدل واللغط بين ثلاثتهم ، واختلفوا في شأن دفنه، حتى علا صوتهم أمام الجموع، وبعد أخذ ورد استقروا على أحكمهم رأيا بأن يدفنوه تحت النخلة لتكون لقبره ظلا وتمرها صدقة تضاف إلى ميزان حسناته وشهادة على شموخه وعظمته.
فجأة صمت الجميع عندما اصطفت سيارات فارهة أمام باب المقبرة ، وتهامس الجميع عندما نزل السيد الوزير وتفرقت الجموع من حول النعش وهرولت صوب سيارة الوزير تستقبله تاركين النعش وحيدا كما عاش من فيه... ترجل السيد الوزير من سيارته تحيطه حاشيته وحرسه الخاص وانفضت الجموع نصفين وراح يتقدم بينهم آخذا مساره إلى النعش . توقف أمام النعش رفع كفيه إلى السماء متمتما بفاتحة الكتاب على روح الفقيد وسرعان ما صعد إلى المنصة المعدة له لإلقاء خطبة لوداع عظيم الأمة.
أدخل يده في جيب سترته وأخرج خطابه ، وأنشأ يقول:
أيها الراحل عنا ، من يواسينا في مصابنا هذا ؟ إن المصاب لجلل ورحيلك خسارة عظيمة . من ذا الذي يخلفك في فكرك وأدبك ؟ كنت شامخا مثل الطود العظيم، وها أنت اليوم تموت بعد مرض. ويعترضه صوت أحدهم .... لم يمت مريضا بل مات جوعا... تململ السيد الوزير وتنحنح وواصل خطابه : وإمارة الامتعاض بادية على وجهه وأردف قائلا :إن الرجال مثلك لا يموتون . ستبقى خالدا في القلوب . سنذكرك بفكرك . سنجعلك منهلا ينهل منه فكرنا كي نرقى إلى العلا. نم قرير العين أيها الكريم ، سنخلدك ونسمي بك الشوارع والممرات ، سنجعل اسمك عنوانا للمعاهد والجامعات ، سنخلدك بتمثال نزين به عتبة قبرك ...أيها العظيم سننشئ لك وساما خاصا بك نزين به صدر كل مبدع ومفكر كي تبقى حيا في القلوب. واعترضه الصوت نفسه : لكنه مات سيدي الوزير ... مات جوعا... وراح الوزير يتصبب عرقا ، وواصل كلامه : نم قرير العين يا عظيما مثل الجبال سنفتقدك وقد كنت فينا العقل والفكر ، الرجال مثلك لا يموتون بل خالدون إلى الأبد، ويعود الصوت المشاكس من بين الجموع يردد : ولكن نسيتموه ، تركتموه يموت جوعا ، وبدت علامات الإحراج الكبيرة ترتسم على وجه الوزير ... وراح يتلعثم في الكلام ويخلط فيه . حتى أصبح يثير الضحك بين الجموع وانفجر الجميع ضاحكين عندما فعل عصفور فعلته على جبين الوزير وعلى طقمه الإيطالي . طوى الوزير ورقة التأبين ونزل من منصته . وبين الحين والآخر يتطلع إلى ساعته وكأنه يستعجل الرحيل ويريد الخلاص من مراسم الدفن بسرعة. وهمس في أذن مستشاره : ألم يجد هذا ال....... الموت إلا في أوقات مقابلاتي الرسمية ورد عليه مستشاره هامسا: لسنا نحن من نختار الموت وأوقاته سيدي الوزير ؟ الموت هو الذي يختارنا . رد الوزير بغضب : أعرف ... ولست بحاجة لمواعظك . متى يدفنوه ونتخلص منه؟ عندي اجتماعات ومواعيد هامة.
دفنوه بسرعة واهالوا عليه التراب ، وقبل أن ينفضوا أيديهم من تراب قبره ويقرؤوا على روحه الفاتحة طفق الوزير راجعا فتبعه المشيعون مودعين سعادته وتركوا القبر وصاحبه بلا دعاء ولا ترحم . انصرفت الجموع كل إلى حال سبيله وبين صمت القبور همس صوت : لا تسقوا قبري خمرا فخمركم يجعل تراب قبري طينا ، وماروى الطين قلب ظمآن.
هبت نسمات أواخر الخريف الباردة ، وتساقطت حبات من تمر ، لتهب نحوها عصافير الدوري . تلتقط رزقها من فوق قبره .
_________________
الصيرورة أكبر من أن يختزلها ظرف عابر.
عدد زيارات الموقع
3,651,458


ساحة النقاش