اللعبة الأميركية وأوهام الصغار
نادرا ما تولي واشنطن في سياساتها الخارجية وعلاقاتها بالدول الأخرى اهتماما بالشعوب وقضاياها ومشاكلها الحياتية، ورغم أنها من أولى دول العالم في منح المساعدات والمعونات المالية للدول الأخرى إلا أن هذه المعونات تذهب في الغالب إلى الأنظمة الحاكمة والنخبة من رجال الأعمال الذين تعول عليهم واشنطن الكثير لتحقيق مصالحها وتوجهاتها، ولهذا نرى كثيرا من الدول تتلقى منذ سنوات مضت معونات مالية سنوية بمئات الملايين من الدولارات من واشنطن ولا نرى أثرا لهذه المعونات في حياة شعوبها، بينما نرى أثرها واضحا على نخبة من رجال السياسة والأعمال في هذه الدول، ولم نسمع في أي دولة من الدول عن مصنع أو مستشفى أو مدرسة بنتها أميركا أو سدا أنشأته أو طريقا عبدته أو بنية تحتية أصلحتها أو مشروعا اقتصاديا كبيرا ساهمت فيه، بل على العكس هدمت ودمرت الكثير مما بناه الآخرون ممن كانت الشعوب تناضل للتحرر منهم مثل السوفييت والبريطانيين والفرنسيين وغيرهم، وأذكر هنا مقولة زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني حكمتيار الذي حارب السوفييت في الثمانينات يقول ‘’جاء الأميركيون لينشروا الديمقراطية فنشروا القتل والخراب ودمروا حتى المستشفيات والمدارس التي بناها لنا أعداؤنا السوفييت الذين حاربناهم سنوات طويلة’’.
الحقيقة أن المشكلة هنا لا تكمن في سياسات واشنطن تجاه الدول الأخرى بقدر ما تكمن في الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، فأميركا دولة كبرى لها مصالحها واستراتيجياتها التي تنفذها كيفما تشاء فهي زعيمة الرأسمالية البراغماتية الحديثة التي تضع مصالح النخبة من أصحاب رأس المال فوق مصالح الشعوب جميعها بما فيها الشعب الأميركي نفسه، المشكلة تكمن في أنظمة الحكم والنخبة من رجال السياسة والأعمال في الدول الأخرى الذين يلقون بأنفسهم في أحضان واشنطن و ربما تحت أقدامها، ويقدمون لها حتى أكثر مما تطلبه منهم فهؤلاء هم المشكلة والمصيبة الكبرى على شعوبهم وأحيانا على شعوب و مصالح الدول الأخرى المجاورة لهم، هذه الأنظمة غالبا ما تحركها دوافع و مصالح شخصية بعيدة عن مصالح شعوبها، وبعضها تحركها طموحات و أوهام كاذبة لاكتساب وزن سياسي دولي أو إقليمي أكبر بكثير من حجمها وإمكاناتها، وتنمي لديها واشنطن هذا الوهم الكاذب لتستغلها للعب أدوار سلبية على الساحة الإقليمية قد تصل إلى حد دفعها للتحرش بجيرانها ممن لا ترضى عنهم واشنطن ، وتعتقد هذه الأنظمة (الصغيرة في حجمها وتفكيرها وإمكاناتها) أنها بدعم واشنطن لها ستكتسب وزنا سياسيا كبيرا يحسدها عليه الآخرون.
ليس المشكلة أن تكون الدولة صغيرة الحجم الجغرافي والسكاني أو ضعيفة اقتصاديا، ولكن المشكلة أن تشكل هذه العوامل إحساسا لدى أنظمة الحكم في هذه الدولة بالقزمية والضعف والنقص يدفعها لإهمال مصالح شعوبها والاندفاع لتحقيق صفقات مشبوهة تخدم مصالح قوى كبرى ضد مصالح هذه الدولة الصغيرة وجيرانها، هناك بالفعل دول صغيرة لدى أنظمتها الحاكمة إحساس بالنقص وتعاني من التهميش على المستوى الإقليمي، وليس لديها ما يشغلها كثيراً في الداخل حيث عجلة التنمية لديها بطيئة وليس لديها جاذبية للاستثمارات والاهتمامات الأجنبية ولا للسياحة ولا غيرها من العوامل التي تستدعي منها السعي لتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي والابتعاد عن المشاكل و الخوض في ألاعيب الكبار.
وغالباً ما تكون لأنظمة الحكم في هذه الدول رغبة في الدخول في دائرة الضوء وإثارة اهتمامات الآخرين بها بشكل أو بآخر، ولهذا تطمح للعب أدوار أكبر من حجمها وإمكاناتها، وتكون في الغالب مستعدة لتقديم أية تنازلات لدول كبيرة في سبيل أن تحظى باهتمامها بها، حتى لو كانت هذه التنازلات ستؤدي إلى الإضرار بمصالح شعوبها وجيرانها ، وبالقطع هنا لا يكون العيب في الدولة وشعبها بقدر ما يكون في النظام الحاكم في هذه الدولة الذي يقحم نفسه ودولته وشعبه في اللعب مع الكبار من أجل جذب الأنظار إليه وإعطاء نفسه أهمية أمام شعبه وأمام الدول الأخرى، وغالباً بالطبع ما تكون هناك مصالح شخصية لدى بعض أفراد النظام الحاكم في هذه الدولة، لكن هذه المصالح لا تكون هي المحرك الأساسي لهذا النظام بقدر ما هو الإحساس بالقزمية والضآلة الذي يدفع النظام في هذا الطريق.
المنطقة العربية لا تخلو من نوعية هذه الدول التي تعاني أنظمتها من القزمية وعقد النقص التي تدفعها لارتكاب أخطاء كبيرة في حق شعوبها وجيرانها بهدف كسب رضاء واشنطن ‘’بالتحديد’’ ، كما أن الساحة الدولية تشهد من نوعية هذه الأنظمة الكثير، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، فقد ظهرت أنظمة حكم جديدة في بعض دول المعسكر الاشتراكي السابق لا تشغلها قضايا التنمية الاقتصادية ولا مشاكل شعوبها بقدر ما يشغلها إثبات وجودها وإعطاء نفسها أهمية سياسية أكبر من حجمها بكثير، ولهذا نجد هذه الأنظمة تذهب لترمي نفسها في أحضان، أو على الأصح »تحت أقدام« واشنطن وتبدي كامل استعدادها لتقديم خدمات لها أكبر ربما مما تريده منها واشنطن.
وغالبا ما تكون هذه الخدمات ضد إرادة شعوب هذه الأنظمة، مثل فتح أراضيها لتأسيس قواعد عسكرية أميركية، أو التحرش بدولة مجاورة قريبة ومضايقتها والتشهير بسمعتها مثلما تفعل بعض الدول الصغيرة المجاورة لروسيا إرضاء لواشنطن، ولا تأبه هذه الأنظمة باعتراضات ومظاهرات شعوبها التي تريد العيش في سلام بعيداً عن صراعات القوى الكبرى على الساحة الدولية.
من دون ذكر أمثلة لهذه الأنظمة، فهي كثيرة ومعروفة للكثيرين، فإن مصيرها دائماً الفشل والانهيار لأنها لا تفهم قواعد اللعب مع الكبار، وفي الغالب تدفع الثمن غالياً عندما تثور عليها شعوبها فتستنجد بواشنطن ولا تجيبها وتتركها فريسة لشعوبها، لأن قواعد اللعبة تسمح باللعب بالصغار ولا تسمح إطلاقاً بالصدام بين الكبار ، والأمثلة على الأنظمة التي سقطت من جراء هذه اللعبة كثيرة، نذكر منها نظام الرئيس السابق في جمهورية جورجيا ‘’السوفيتية السابقة ‘’ إدوارد شيفرنادزه، الذي أسقطته الثورة الوردية في جورجيا في نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2003 ، و في حديثه لصحيفة ديلي تلجراف البريطانية في فبراير/ شباط 2004 قال شيفرنادزه ‘’ لقد خانني الأميركيون وقد أعطيتهم أكثر مما طلبوا مني، لكنهم دعموا الانقلاب ضدي وأطاحوا بي’’، ولما سأله الصحافي ‘’هل طلبوا منك شيئاً ولم تنفذه ؟’’ رد شيفرنادزة قائلا ‘’ شيء واحد فقط لم أستطع أن أفعله، لقد طلبوا مني التحرش عسكريا بروسيا، طلبوا مني أن أضع رأسي في فم الأسد’’.
مصير شيفرنادزه هو مصير الكثيرين ممن سبقوه في بيت الطاعة الأميركية العمياء وسيكون مصير من يأتي بعده من الصغار من أصحاب الأحلام والطموحات المدمرة الذين يسيطر عليهم الوهم الكاذب بأنهم قادرون على اللعب مع الكبار.
  • Currently 84/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
28 تصويتات / 134 مشاهدة
نشرت فى 10 نوفمبر 2007 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,651,292