في حجرة متواضعة من فندق عتيق الطراز سنة 1882م كان «روبرت ستيفنسون» المؤلف الاسكتلندي العبقري منهمكا في التفكير، كان ينظر الى الفراغ، ويتأمل العدم، وبين الحين والآخر كان يسعل فتتناثر بعض قطرات الدماء في الأرجاء نتيجة اصابته بمرض السل، كان يحاول ان يبدأ في كتابة روايته الجديدة ويحاول جاهدا ان يمسك طرف الخيط ولكن الامر لم يكن بهذه السهولة، تشهد على ذلك عشرات الأوراق التي قام بتمزيقها، والقائها بإهمال في أنحاء متفرقة من الحجرة، كانت تعوزه الفكرة الواضحة التي ينطلق منها ويبني عليها القصة، بينما هو كذلك أحس بطرق على الباب، أراد أن «يطنش» كما نقول ولكن الطارق كان سمجا ومصرا فلم يجد أمامه إلا أن يقوم متثاقلا ويفتح الباب، كان الطارق عجيب الهيئة، منظره يوحي لك بيهوديته على الفور، وفوق كل ذلك لم يكن «روبرت» يعرفه فغمغم بالاسكتلندية بالطبع «إيه البلاوي دي الى بتتحدف علينا» وبكل هدوء سأل الطارق: هل من خدمة أقدمها لك يا سيدي؟
نظر إليه الطارق مبتسما: «ميشيل»، «ميشيل نوستراداموس». كاد ان يهتف روبرت ومن سألك عن اسمك أيها المعتوه ولكنه تمالك نفسه وهو يقول: تشرفنا يا سيدي.
لم ينتظر «نوستر اداموس» أكثر من ذلك بل اندفع يجلس على أول كرسي صادفه في حجرة «روبرت» وقال وهو يضع ساقا على ساق: لقد جئت لمساعدتك يا «روبرت» فأنا أتوسم فيك العبقرية.
قال «روبرت» بدهشة: مساعدتي؟! وكيف؟
قال «نوستراداموس» بصوته العميق: ألست تحاول منذ اسبوعين البدء بكتابة رواية جديدة دون ان يحالفك النجاح، أنا سأساعدك ولا انتظر منك جزاء أو شكورا.
فغر «روبرت» فاه دون ان يقول شيئاً - كأغلب المجانين الذين اكتب عنهم كل أسبوع في هذه الزاوية - وأخذ يتأمل «نوستر اداموس» من فوق الى تحت.
بقي أن نتعرف نحن على هذين العبقريين أو المعتوهين لا فرق، الأول واسمه «روبرت» كما اخبرتكم كاتب اسكتلندي شهير ولد سنة 1850م ولديه العديد من الروايات العبقرية، أبرزها «دكتور جيكل ومستر هايد» و«جزيرة الكنز» وقد توفي سنة 1894م، أما الآخر فهو أشهر متنبىء أو منجم في العالم فرنسي الجنسية، عاش ما بين عامي 1566-1503م وقد ألف سنة 1555 كتابه الشهير «قرون» الذي وضع فيه تتبؤاته للمستقبل، وبين الحين والآخر نجد من يخرج علينا مدعيا ان صدقاً أوكذبا بأن هتلر وفرانشيسكو أو حتى احداث 11 سبتمبر قد ذكرت في كتابه، على أية حال يصعب نسب أي كتاب موجود حاليا إليه فقد لعب اللاحقون فيه بالاضاف والتعديل، اذا كانت «التوراة» حرفت فهل نتوقع ان تظل «قرون» على حالها، الاجابة هي لا، بلاشك لو انكم أقوياء الملاحظة كما اعتقد لرأيتم المدى الزمني الواسع الذي يفصل بين الاثنين، ولكن ارجو منكم النظر جيدا الى اسم العمود قبل اتهامي بالكذب.
قال «نوستر اداموس» بهدوء: هل سمعت عن مرض انفصام الشخصية يا بني؟
قال «روبرت»: اعتقد بأنني سمعت عن هذا المرض، ولكني غير راغب في التحدث عن الجانب النفسي للانسان فذلك الروسي المدعو «دستويفسكي» لم يقصر في هذا المجال، أنا أريد ان اكتب قصة مغامرات وإثارة وتحمل مغزى سياسياً وأخلاقياً في الوقت نفسه.
قال «نوستر اداموس»: اذن اكتب عن انفصام الشخصية، عن شخص يكون طيبا صباحاً وشريراً في المساء، أي ابتكر جسدا واحدا وشخصيتين، واذا كانت القصة عبقرية وخالدة فإنها ستمثل ذروة النقد السياسي والاجتماعي.
قال «روبرت» باستغراب: وأين انفصام الشخصية والسياسة؟ أتهزأ بي يا هذا؟!
قال «نوستر اداموس» بصوته العمق إياه: العلاقة وثيقة، دعني اشرح لك، لو كان اغلبية الشعب فقراء لايجدون قوت يومهم ألن نقول حينها بأن الدولة فقيرة؟.
هز «روبرت» رأسه موافقا وتابع «نوستر اداموس» قائلا: ولو كان اغلبية المواطنين تعساء فإننا نستطيع القول بأن المجتمع أو الدولة تعيسة، أليس كذلك؟
قال «روبرت»: نعم.
ابتسم «نوستر اداموس» وربما للمرة الأولى هذه الليلة وهو يقول: أي ان صفات المواطن الفرد ومشاكله المادية والنفسية قد تبرز في المجتمع، فلو كان الفرد يصاب بانفصام الشخصية، فإنه من الممكن ان نجد يوما دولة ما تصاب بانفصام الشخصية، ولنسمها هنا بشكل أكثر دقة انفصام السياسة.
قال «روبرت» مستهجنا: لا أعتقد بأن شيئا كهذا قد يحصل؟
قال «نوستر اداموس»: حسنا لو اثبت لك امكانية ذلك هل ستكتب حينها عن الانفصام.
قال «روبرت»: أثبت لي ذلك وأنا مستعد.
هنا أخذ «نوستر اداموس» نفسا طويلاً وتربع على الأرض في منتصف الحجرة، وأخذ يهتز كأي زنبرك يحترم نفسه، ليقول بعد دقائق بصوته العميق والذي يبدو وكأنه صاعد من قعر بئر سحيقة: توجد على الجانب الآخر من المحيط دولة تدعى انها ديمقراطية، وجاء في إعلان استقلالها «إن الله قد وهب الناس حق الحياة والحرية، والسعي الى السعادة».
قال «روبرت» بلهفة: أجل انها أمريكا.
تابع «نوستر اداموس» دون ان يبدو عليه انه سمع «روبرت»: سنة 1970م ستنتخب جماهير الشعب في «تشيلي» في انتخابات حرة وديمقراطية رئيساً ماركسيا يدعى «سلفادور اللندي» فتخشى امريكا حينها ان تنتقل الشيوعية كالوباء الى أرجاء القارة الأمريكية الجنوبية، فما يكون منها إلا أن تدعم انقلابا عسكريا يقوده جنرال تشيلي يدعى «بينوشيه» سنة 1973، ويؤدي هذا الانقلاب الى سفك انهار من الدماء، ولكنها على ما يبدو كانت ثمنا رخيصا للقضاء على الشيوعية ومن ورائها الديمقراطية، والاطاحة برئيس منتخب من قبل الشعب.
وأخذ «نوستر اداموس» يرتجف من فرط الجهد الذي يبذله في التنبؤ، أما «روبرت» فاتخذ مقعداً يجلس عليه دون ان يتدخل لمساعدة المنجم الفرنسي الذي قال بعد لحظات: وفي سنة 2003 ستشن نفس الدولة حربا لا هوادة فيها أو لين وستسميها «عملية الحرية» وذلك لأجل ازاحة نظام عسكري قامت بدعمه ذات يوم حينما توافقت المصالح، واقامة نظام ديمقراطي محله، فما كان حلالا في تشيلي! حرام في العراق؟ فالجنرال التشيلي حتى لو داس بقدمه على الديمقراطية فهو مناسب لكي يكون رجل أمريكا، ولكن الجنرال العراقي لايسمح له بأن يدوس القيم الديمقراطية، ألا تري يا «روبرت ستيفنسون» بأن هذا انفصام في السياسة؟.
قال «روبرت» وعيناه تبرقان: يبدو ان الحق معك، فإذا كان الفرد يصاب بانفصام الشخصية فإن الدول قد تصاب بالانفصام السياسي، فأمريكا 1973 تختلف عن أمريكا 2003، معك حق يا صاح.
ابتسم «نوستر اداموس» وقد عاد إليه لونه وتوقف جسمه عن الارتجاف: يقولون ان الهدف الحقيقي لأمريكا هو السيطرة على الكنز العراقي، منابع الذهب الأسود.
قال عبارته الأخيرة وغمز بعينه اليمنى ثم اختفى، تبخر بمعني أدق، ولا تسل طبعاً عن مقدار الذعر الذي شعر به «روبرت لويس ستيفنسون»، ولكنه مع ذلك تمالك نفسه، وبدأ يكتب روايته الجديدة، وكان اسمها «جزيرة الكنز» الذي وجده «جيم هوكنز» ورفاقه بمساعدة القراصنة بقيادة «جون سيلفر» ذي الساق الخشبية ونشر روايته هذه سنة 1883 ، أما روايته الرائعة والعبقرية التي تتحدث عن الدكتور جيكل الطيب المسكين الذي يتحول الى الشرير هايد بواسطة عقار كيميائي فقد نشرها سنة 1886 وعموما الخير والشر أمور نسبية يقدرها كل فرد حسب ايديولوجيته وشخصيته، فما هو مستحيل اليوم قد يصبح واقعا غداً.
عدد زيارات الموقع
3,649,587


ساحة النقاش