دكتور جيكل ومستر هايد
الكثير سمع عن دكتور جيكل ومستر هايد، ويضرب هذا المثل للازدواج في الشخصية، فالدكتور جيكل صورة أخرى من مستر هايد الذي يختلف كل شخصية عن الأخرى. هذه القصة كتبها الكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسن. (Robert louis stevenson ) عام 1886م، وقد كتبها لعوزه الشديد للمال حيث كان يعاني من الفقر المدقع، حيث كان يعيش هو وزوجته وابن زوجته في بلدة سكريفور (Skerryvore )، وقد كتب ستفنسن عدة مقالات في مجلة كورن هيل (The cornhill maqazine ) وعدة مجلات أخرى، وقد حقق نجاحاً جيداً في كتاباته لهذه المجلات.كان السيد ستيفنسن مريضاً بشكل جعله قعيد أو حبيس منزله، وفي أحد الليالي حلم بالدكتور جيكل، وقام منتصف الليل ليدون قصته هذه. وقد كتب قصة دكتور جيكل ومستر هايد خلال ثلاثة أيام، كما هي عادته في الكتابة، وأعطى هذه القصة لزوجته التي كانت الناقد الأول لجميع ما يكتب. وقالت السيدة فاني ستيفنسن (زوجة الكاتب) بأن القصة جيدة، وكان الهدف الأول في كتابتها كنوع من كتب الإثارة المخيفة، ولكنها أضافت بأن هذه القصة متميزة وتحمل أكثر من معنى غير الإثارة المخيفة. غضب السيد ستيفنسن وأحرق جميع أوراق المخطوطة، وقال بأنه سوف يعيد كتابة القصة مرة أخرى دون أن يقتبس أو يستعين بأي كلمة من القصة التي كتبها سابقاً. وأعاد كتابة القصة مرة أخرى خلال ثلاثة أيام أيضاً!. ونشرها واستقبل استقبالاً جيداً من قبل النقاد، خاصة جريدة التايمز. ورغم نشرها، إلا أن مشاكله المالية لم تحل، وظل يعاني من ضائقة مالية حتى وفاة والده. وتعتبر هذه القصة من تأثير العالم الإسكتلندي دارون، حيث كتب ستيفنسن الكفاح الذي يعاني منه الإنسان بين حيوانيته الداخلية والطبيعة وظروف المجتمع القاسية على الفرد. روبرت لويس ستيفنسن هو ابن لمهندس معروف، ولد في مدينة ادنبره وتعلم في جامعة ادنبره، ورغم أنه درس القانون والمحاماة إلا أنه لم يعمل في هذه المهنة، وصمم على أن يكسب قوته من عمله ككاتب. بدأ عمله ككاتب في صحيفة كورن هيل في عام 1876م، وسافر إلى فرنسا ثم بلجيكا، وفي عام 1880 تزوج من فاني اورسبرن التي أصبحت هي وابنها لويد أسرته، وقد كتب لابنها كتاباً باسم جزيرة الثروة عام 1886. بوفاة والده وماورثه من والده تخلص روبرت من الفقر واستطاع أن يعيش حياته بعيداً عن الفقر والبرد في اسكتلندا، ورحل خارج اسكتلندا ليعيش متنقلاً وليستقر أخيرا في ساموا حيث توفي بها عام 1894م.
هذه القصة تدور حول شخصية واحدة لها جانبان، أحدهما جيد وطيب والجانب الآخر هو الجانب الشرير والخبيث.
هذه القصة، رغم كتابتها في مجتمع مختلف وفي زمن بعيد، إلا أنها تعكس النفس البشرية المتقلبة والمتناقضة في أي مكان وفي أي زمان. في كل مجتمع تجد هناك دكتور جيكل ومستر هايد. تجد الشخص الذي له ليس شخصيتان وإنما عدة شخصيات .. فهو الذي يلبس لكل مناسبة قناعاً ولكل مكان شخصية تتناسب مع ذلك المكان..! تجد الرجل مع الناس خارج المنزل في غاية الرقة والتهذيب، حتى يظن الناس أنه شخص لامثيل له، يصفونه بأنه الشخص المثالي في التعامل، خاصة إذا كان ممن لهم مكانة اجتماعية، وينظر في وسائل الإعلام عن الفضيلة وحسن التعامل مع الآخرين، بينما يكون مع أهل منزله غايةً في سوء المعاشرة، ويختلف سلوكه مئة وثمانين درجة داخل منزله!. إن مستر هايد ونقيضه الدكتور جيكل هما الصورة التي تتمثل داخل الكثير منا. لنا صورة نرسمها لأنفسنا داخل المنزل، حيث ليس هناك اهتماماً بمن يعيشون معنا، نعاملهم بقسوة وجفاء، رغم أنهم أحق الناس بأن نريهم الجانب اللين الحنون من شخصيتنا.. لكن للأسف هذا مايحدث..! يتكلم دكتور جيكل عن الفضيلة والعفاف والنزاهة من منبر يطل فيه على الناس، وفي واقع الأمر هو مستر هايد الذي لايتورع عن قذف اعراض الناس بأسهل الطرق و لايتذكر ما يقوله عندما يتكلم من فوق المنبر الذي يعطيه الحق في أن يقول كل ما يشاء دون أن يحاسبه على ما يفعل؟. هذا المنبر سواء كان منبراً إعلامياً مقروءاً أو مسموعاً أو مكتوباً أو غيره من المنابر التي تتيح للبعض أن ينشر افكاره التي تتعارض مع سلوكه تماماً.. لكنه لايبالي.. فقط يهمه الصورة العامة التي يأخذها الناس عنه وهو يتحدث من منبره الذي يعتقد أن الناس لاتعلم ما يحدث بعد ذلك. إن طبيعة النفس البشرية متناقضة بصورة عجيبة، يتصرف الإنسان وكأنه عدة أشخاص في شخص واحد.. فهو هنا الشخص الشديد، المستقيم الذي لايغفر أي زلة لمن هم حوله وهو مسؤول عنهم، كما نرى في ثلاثية نجيب محفوظ الرائعة، في رسمه الدقيق لهذا التناقض لدى السيد أحمد عبدالجواد (سي السيد) التي أصبحت مثالنا في تناقض شخصياتنا في داخل وخارج المنزل. وقد استطاع المبدع الكبير نجيب محفوظ أن يصور هذه الشخصية - السيد أحمد عبدالجواد - عبر الروايات الثلاث التي تدور أحداثها خلال فترات زمنية متفاوتة، في بين القصرين، حين كان السيد في عز الشباب والسطوة، ثم في قصر الشوق، وقد أصبح كهلاً لكن لم يزل بعافيته وأن خبا عنده بعض من الحزم والشدة التي كانت في بين القصرين ثم في السكرية حيث الانحدار لهذه الشخصية وظهور الأبناء الأحفاد. وقد قرأت رسالة ماجستير كتبها الصديق والأديب العراقي جهاد عبدالجبار الكبيسي عام 1974 عن ثلاثية نجيب محفوظ، وأعتقد أن رسالة الماجستير هذه والتي مضى على مناقشتها حوالي 32عاماً، وللأسف الشديد لم تنشر، ففيها الكثير من الإبداع الراقي، حيث كاتب الثلاثية الأديب الكبير نجيب محفوظ وصاحب رسالة الماجستير أيضا الأديب العراقي جهاد الكبيسي والذي نشرت له دار الكتب المصرية مجموعته القصصية الفضيحة والستر ونشر عدة مجموعات قصصية، ولكن أعتقد أنه لونشر رسالة الماجستير التي كتبها عن ثلاثية نجيب محفوظ لعرف الكثيرون عن هذه الثلاثية، خاصة وأن الروائي المصري الكبير كان يقابل الأديب العراقي ساعة يومياً ليناقش معه كتابته عن رسالة الماجستير والتي تم مناقشتها عام 1974م، وبعده انقطعت الصلة بينهما إلا من مقابلات قليلة.. وآخر مرة قبل اسابيع كنت في القاهرة، وكعادتي دائماً مع الصديق جهاد الكبيسي، سألته لماذا لا ينشر هذه الدراسة القيمة رغم أن عدة دور نشر طلبتها.. فلم يجد جواباً.! إن هذه الدراسة سوف تلقي بالضوء على دكتور جيكل ومستر هايد في مجتمعنا العربي.. فليت الصديق جهاد الكبيسي ينشر تلك الدراسة الرائعة وليت هناك دار نشر تسهل له هذا الأمر.. نحن بانتظار ذلك حتى نرى كيف يبدو سي السيد تحت مبضع التشريح النقدي العلمي في رسالة علمية مضى على مناقشتها اكثرمن اثنين وثلاثين عاماً...!


ساحة النقاش