كح .. كح ح ح ... كح ح ح ح ..اللعنة .. وكأن رئتي على وشك الخروج من فمي ..
لقد تعرفتموني أليس كذلك ؟.. نعم ؟؟ ..هذا يعني أنكم لم تعرفوني ؟ غير معقول
إما أنكم شباب جدد في مجلسنا اللطيف الرهيب هذا .. أو أنكم تمارسون معي نوعا من المزاح الظريف المزاح الذي يصيبني بالهلع
أحيانا يخيل إلي أنني حاو أو حكواتي في ( جامع الفنا ) ب ( مراكش ) وحولي حلقة من المتفرجين
هناك المحبون الذين يعشقونني حتى الموت .. وهذا يزعزعني
وهناك الأوفياء الذين يستمتعون بقصصي ويظلون صامتين حتى أنتهي وينصرفون دون تعليق .. هؤلاء هم أفظع كوابيسي
هناك وجوه جديدة .. سمعت عني وتريد أن تعرف ماذا يميز هذا العجوز الآخر عن بقية عواجيز الكون .. ومنهم أخاف ردة الفعل بشدة
هناك شكاكون .. يجري النقد والمشاكسة في عروقهم مجرى الدم .. هم ديكارتيون أكثر من ديكارت .. وربما تأخد انتقاداتهم أبعادا غير محببة .. كأن يحرقوني حيا مثلا
هناك العابرون في صمت .. يلقون نظرة وينصرفون ..أيديهم خلف ظهورهم وربما تحمل خناجر قرن الغزال أو مسدسات أو حتى قناني مكسورة تبحث عن رقبة تشرطها
هناك جنسيات مختلفة .. من هذا الكوكب أو من العوالم الموازية .. أشباح . كائنات فضائية . مصاصي دماء أو مستذئبين .. لا تميزهم عن البشر .. لذلك فكل إنسان بالنسبة إلي ليس بإنسان حتى يثبت العكس
وهناك
وهناك ...
المهم
" ماذا لديك أيها العجوز اليوم ؟ " أكاد أسمع أحدكم يهمس .. وله أقول بحنق : - وماذا لديك أنت ؟
لقد جلبت معي ضيفا ظريفا كما وعدت
( د. لوسيفر )
سيلعب معكم لعبة مثيرة .. نعم ..
قراءة طالعكم في أوراق التاروت
حان الوقت للعجوز ( رفعت ) ليعرف شيئا عنكم وهو الذي قضى سنوات يحكي لكم أحداث حياته الحافلة
إستعدوا إذن ف ( د. لوسيفر ) جاهز بأوراقه السحرية
أوراقه التي لها ملمس جلد الأفعى أو فخد حسناء المقبرة ..
قلبوا الأوراق وترقبوا لتسمعوا حكاياتكم أنتم
حكايات التاروت
حكاية ( سحر )
ورقة العاشق
ثم ورقة القلعة
ورقة الكاهنة العظمى
ورقة الشيطان ثم .. ثم ..
ثم ورقة الموت
الموت
ولا شيء غير الموت ديدن هذه اللعبة الكئيبة
دوى صوت الببر الواثق من نفسه :
- لعمري إنك تعيشين قصة حب رهيبة .. يا ( سحر )
نظرت إلى ( د. لوسيفر ) مندهشا .. هل أتخيل أم أنه تحدث عن قصة حب .. متى كان هذا الجهنمي يتكلم عن شيء آخر غير الموت والدم والجحيم ومصاصي الدماء والمذؤوبين والأشباح والكائنات الغريبة المتوحشة والصراصير الغاضبة التي تريد غزو الأرض
لا يمكن لشيطان عتيد في الشيطنة أن يتحدث عن شيء لطيف جميل رائع سام راق بديع بهي متألق باهر كالحب
أما ( سحر ) الرقيقة كنسمة فقد بلعت ريقها بصوت مسموع وهي تقول للشيطان الآدمي :
- أكون شاكرة لو أخبرتني نهايتها يا سيدي
عم تتحدث هذه المخبولة .. لو أنها تقصد أن هذا العفريت سيحل مشاكلها العاطفية فهي واهمة .. هذا ليس برنامج ( كلام نواعم ) يا فتاة .. إنه ( كلام أفاع ) حتى ولو كان المعنى واحدا ..
قال ( د. لوسيفر ) وعينيه تتسعان وتضيقان كما لو أنه يستمتع بما يحدثه من تأثير :
- لك أحكي آنستي كل شيء لكني لا أبغ مقاطعة
وأردف وهو يرمقني بسخط :
- وكفاك يا د. رفعت سخفا فقد أرهقتني في قراءة أفكارك التي تتردد في عقلك الأجوف كطبل إفريقي
***
كان حفل الطلبة بهيجا بحق
لم يكن حفلا ماجنا كمن كنت تخافين .. ولقد استمتعت بالفقرات الغنائية التي أداها بعض الطلبة الموهوبين .. وتذوقت القراءات الشعرية الراقية لبعضهم ..وتعرفت في مائدة الغداء الكبيرة التي جمعتكم بوجوه لم تريها من قبل ..
ولم يفتك أن تلاحظي أنه كان يراقبك طوال الحفلة
( تامر زهدي ) الشاب الوسيم في السنة الثالثة آداب
إن عينيه لم تفارقانك لحظة
وقد شعرت بالحرج أكثر من مرة حين تلاقت أعينكما .. مما شجعه على مطاردتك
كان ( تامر ) على علاقة بـ ( رانيا ) الشقراء الثرية زميلته بنفس الفصل
وكانت قصة حب مشهورة نوعا .. شيء مثل تلك العلاقات الأمريكية التي غزت هوائياتنا إلى شاشاتنا إلى عيوننا فعقولنا فأخلاقنا فكروموزوماتنا كما كنت تقولين ساخرة
نوع من العادات السيئة التي لم يعد أحد يراها سيئة
بإستثناء القلة القليلة الذين كنت من بينهم
وكان هذا يضيقك بشدة
لم تشعري يوما نحوه بأي إنجذاب .. كان بالنسبة إليك طالبا آخر من مئات الطلبة الذين تصادفينهم في حرم الجامعة .. سوى أنه يتبعك كذبابة صيف
وكانت عيناه تقولان الشيء الكثير
طلب منك مرة أن يتحدث معك على انفراد .. صددته بجفاء ..طلب منك أن تعطيه فرصة ليشرح لك ..أحرجته أمام زملاءه
كان هذا كفيلا بتحطيم كرامة أي رجل .. توقعت أن يثور ويغضب .. لكنه كان يحبك فوق ما تتصورين .. وبلع تصرفاتك معه بسهولة
غير أنه لم يكف عن إصراره
حتى بدأت تخافين منه
ثم سمعت تلك المحادثة..
***
لم تنتبهي بادئ الأمر لصوته .. لكن إسمك ورد على لسانه فأيقظ سمعك للحوار
كنت تمرين أمام تلك الشجيرات في حديقة الجامعة .. قرب الكافيتيريا .. ورأيتهما من خلال الوريقات الخضراء
( رانيا ) كانت تبكي وهي تتوسل إليه ألا يهجرها
لكنه كان عنيدا كصخرة بركانية
أشفقت عليها كثيرا .. ورأيت الحيرة والحزن والغضب والحب في عينيها
قالت له : - هي لا تحبك .. ألا ترى كيف تعاملك ؟ إستيقظ يا ( تامر ) .. هي لن تحبك قط .
رد ببرود : - ولكنني لا أفكر في سواها .. أرجوك يا ( رانيا ) .. إنسي ما كان بيننا أنا جاد هذه المرة
قالت بين دموع غزيرة : - أنسى ؟؟ .. قلت لك هي لا تحبك .. ألا ترى هذا ؟ .. إرجع إلي يا ( تامر ) .. أنت تعلم أني لم ولن أحب غيرك
- أعلم ، قال لها ، لكن قلبي لم يعد ينبض لسواها
صرخت :- وماذا عن قلبها هي ؟
أجاب بصوت أثار فيك قشعريرة : - سأجعلها تحبني يوما .. أعرف أنني أستطيع
لدهشتك رأيتها تمسح دموعها وتقول بصوت أقل تشنجا : - كما قلت لك يا ( تامر ) .. أنت تعرف أنك الإنسان الوحيد في حياتي .. وأنا مستعدة لفعل أي شيء من أجلك
لكن دهشتك تضاعفت حين صرخت المسكينة فجأة وهي تنصرف : - ولكن قلبها لن ينبض بحبك قط
وانطلقت تبكي .. وتبكي .. بكت كثيرا
كنت ترتعدين وأنت تتخيلين نفسك سبب هذه المأساة ومصدر تعاسة تلك المسكينة ..وكيف كانت تذل نفسها له وترجوه أن يعود إليها وهي المشهورة بالكبرياء والأنفة
وكرهت ( تامر ) كثيرا
لكنك خفت أكثر مما ينتويه بالنسبة إليك
كيف سيجعلك تحبينه رغما عنك
كان يبدو واثقا من نفسه .. قادرا على فعل أي شيء
ثم سمعت عن إستضافة ( د.رفعت ) لي .. وجئت إلي بكامل إرادتك الحرة كما يقول مصاصو الدماء
***
هنا قلت بذكاء : - لا تقل يا ( د.لوسيفر ) .. يمكنني أن أستنتج ماذا سيحدث بعدها ..
نظر إلي الشيطان بسخرية وقال وهو يخلط الأوراق باستعراضية : - ماذا أيها العبقري ؟
قلت بحماس : - سيلجأ الشاب إلى كتب سحر قديمة أو عراف عتيد من تلاميذك لكي يستميل قلبها إليه .. وطبعا لا بد أن يتطلب الأمر التضحية بديك أحمر أو قط أسود أو غراب أبيض ..إلخ ..
ضحك ( د.لوسيفر ) ضحكة قصيرة مفتعلة وقال وهو ينظر لـ ( سحر ) : - إن ما تقوله ( د.رفعت ) محض استنتاجات ربما تليق بتلك الروايات الظريفة التي تكتبها لكن السحر يا آنستي هو إسم اللعبة .. إليك ما سيكون
***
ستبقى ذكرى تلك المحادثة راسخة في ذهنك .. ولن تنسي منظر تلك الفتاة المسكينة الذليلة .. ستتحاشين اللقاء بـ ( تامر ) وتتغيبين قليلا عن الجامعة
ثم تلتقين بـ ( رانيا ) مصادفة
إنها شاحبة هزيلة .. وكأنما أضربت عن الحياة .. تتكلمين معها قليلا .. تنوين أن تعتذري لها رغم أن لا يد لك فيما يحصل معها .. تدعوك لشقتها القريبة حيث تقطن مع والدها الذي يسافر كثيرا
تقبلين دعوتها على مضض .. المسكينة تبدو محطمة ومحتاجة للمواساة بشدة
تعد لكما فنجاني شاي .. تجلسان في الصالة وهي لا تكف عن الحديث عن قسوة المحبين .. عن الغدر .. هذا الشعور الكريه القاسي الذي لا يحس به سوى المغدورون ..
لا تعلمين لماذا لا ترتاحين لإرتجافة يدها على الكوب والنظرات التي تختلسها إليك
***
في اليوم التالي وبعد عودته من الجامعة .. مستاءا جدا لأنه لم يرك منذ مدة .. يدخل ( تامر ) شقته مرهقا .. يرتمي بثقله على أريكة الصالة .. ثم تقع عيناه على العلبة الأنيقة الموضوعة بعناية على الطاولة .. يتعرف توقيع ( رانيا ) على بطاقة صغيرة موضوعة على ظهر العلبة وقبلة بأحمر الشفاه
.. يفتح العلبة بفضول ويدخل يده .. تصادف شيئا طريا مبتلا .. ينظر ليده برعب .. يحس بدقات قلبه تتسارع بجنون .. ينتبه للعبارة الموجودة على البطاقة .. وهو يكتشف الهدية الجهنمية
عبارة بسيطة سبق وأن سمعها من شفتي ( رانيا )
عدد زيارات الموقع
3,650,002


ساحة النقاش