أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض

مقالات ورؤى

authentication required

قراءة فى لُغز الإنتحار وفلسفتِه

أيعود الانتحارُ لضعفٍ قد بلغ فى المُنتحِرِ مداه ؟! 

ان كانت الاجابة بنعم فلماذا ينتحر العقرب بلدغه جسده وبسُمِّه إذا ما تحوَّطتهُ النار من كل إتجاه وهو القوى الذى تخشى كل الأحياء لدغتهُ وسُمَّهُ فلا تقربَه .. ولماذا قد انتحر هتلر وقد بات فى قريرة نفسه وعقيدة العالم كله الأقوى قلباً والأجسر زعامةً وشجاعة ولماذا انتحرت كليوباترا أشجع إمرأة فى التاريخ وأجمل أُنثى قد عملت بالسياسة بيديها وبسُم أفعاها كى لاتسير فى شوارع روما أسيرةً مُكبَّلةً بالأغلال لدى أعدائها .. إذاً لايعود الانتحار لضعفٍ قد أصاب شخص المُنتحر  وكيف لا وهو الذى أقدم  وبِجُرأة على آلام الانتحار الرهيبة والتى تتعدد بتعدد صوره وأدواته .. بل هو منتهى القوُّة أن يقبل المنتحر أمر انتحاره رغم شدة آلامه حتى يظل قويَّاً فى مُخيِّلة الآخرين فلايقتلونه هم فتبينُ لديهم مكامن ضعفه ..

أيعود الانتحار لعزوف المنتحر عن كل أهله ومعارفه وذويه فبات منطوياً لايأبه حتى بأقربهم الى قلبه ؟!

ان كانت الاجابة بنعم فلماذا يترك المنتحرون رسالات النهاية الى  من يهتمون بهم او من يحيطونهم بالرعاية او يقسون عليهم بالبعاد والإهمال ؟!..

إذاً لايعود الانتحار الى انزواء شخص المنتحر عن كامل المجتمع  ومن تربطه بهم صلات قرابة او صداقةٍ أو حبٍ أو معرفة ..

أيعود الانتحار لمحاولة المنتحر الانتقام من المجتمع بتقويض أحد بناياته ودعائمه لقاء رفضه له وعدم احتوائه ومعالجة همومه ومشاركته فيها ؟!

ان كانت الاجابة بنعم فلماذا يتخلص الأب من فلذات كبده بقتلهم ثم ينتحر وما موقع هؤلاء من هذا الانتقام والذى بات يدور فى شخص المنتحر ذاته من دون باقى المجتمع ..

اذاً لايعود الانتحار للانتقام من المجتمع المحيط لقاء رفضه للمنتحر وعدم احتوائه ..

أيعود الانتحار للتجرد عن الذات بغية أهدافٍ سامية تتعاظم لدى شخص المنتحر حتى على شدة آلام الانتحار ذاتها لديه كحال من يشعل النار فى جسده ليوقد بتعاطف شعبه ومواطنيه ثورة على نظام بلاده الحاكم .. أو من يفجِّر نفسهُ فى عمليَّة جهادية بُغية محاربة الاحتلال أو انتقاماً من المُغتصب ؟!

 ان كانت الاجابة بنعم فلماذا يقبل آلام الانتحار حتى موته ولايقبل آلام تعذيبه ممن يحولون دون انتحاره بعد انكشاف أمر ماعزم عليه فيتناوبون أمر تعذيبه لاستقاء المعلومات منه فيكون أقرب للإقرار منه الى الصمود بالتكتُّم مادام الأمر فى الحالين سمو غاية وجميل قصد ..

إذاً لايعود الانتحار لسمو هدف يتعاظم لدى المنتحر على شدة آلام إنتحاره ..

أيعود الانتحار لعقيدة لدى المنتحر مفادها الانتقال الى حياةٍ أُخرى سرمدية كاملة المتاع رائعة المآل ؟

ان كانت الاجابة بنعم فلماذا تتسم طقوس حالات الانتحار الجماعى  بارتكاب عظيم الآثام من قبل انتحارهم جماعيا كممارسة الزنا والشذوذ وشرب الخمر وربما القتل للبعض ممن هم غيرهم.. وهل تستقيم هذه الأفعال مع عقيدة من يؤمن بحياة سرمدية بانتظاره  كاملة المتاع رائعة المآل .. تلك التى لاتتوافر الا لدى المؤمنين حقاً وهؤلاء يعتبرون بطبيعتهم الانتحار كُفراً وخروجاً عن صحيح إيمانهم ..

إذاً لايعود الانتحار لاستقدام المنتحر حياةً سرمديَّة باستعجالها لكامل متاعها وروعة مآلها ..

أيعود الانتحار للخلاص من عزابات الشقاء ؟!

إن كانت الاجابة بنعم فما سر وجود أعلى نسبة للانتحار فى الدول الاسكندنافية وهى الأولى فى العالم فى تحقيق أعلى مستوى لرفاهية الفرد لديها .. كما أن هناك من الأغنياء المترفين ممن ليس لديهم ثمة مشكلةٍ واحدة الا أنهم يقدمون على الانتحار ليس بسبب العوز ولكن بسبب عدم وجود أسباب أصلاً تتطلب منهم التعاطى معها لحلِّها ومن ثم ينتحرون لعدم وجود مشاكل تؤرقهُم بالأساس وكأن الانسان قد قُرِنت حياته بالشقاء ومن دونه فالانتحار متوقعٌ حدوثُه وصدق قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ  )( البلد أية :4 ) ..

كما أن هناك من ينتحرون ويقبلون كل آلام الموت بالانتحار لقاء ثوانى معدودة من اللذة كمن لم تمنعهم مخافة نقل مرض الإيدز لديهم من معاشرة أجمل النساء  فى نظرهم رغم معلومية هذا المرض لديها .. او ذكر النحل الذى يبذل قصارى جهده الذى لايتحملهُ أحدٌ من البشر للانتصار على غرمائه بالفوز بالملكة ليُعاشرها فى لحظةٍ ويموت .. كما والحيوان المنوى الذى يقطع آلاف الأميال منتصراً على غرمائه ليفوز بتخصيب البويضة للحظات ثم يموت .. أوليس هذا مايمكن تسميته بإنتحار اللذَة كما يطلقون على غيرِه انتحار اليأس ؟!

وهذا يعنى أن الانتحار لايعودُ فقط  للخلاص من عذابات الشقاء..

لقد ذكر بعضهم نصاً غير مُقنعاً يُقوِّضهُ العديد من فرضِيَّات الواقع بأن الباحث في فلسفة الإنتحار لا بد له أن يتذكر ( فلسفة اللاجدوى ) وأُسطورة سيزيف , حيث حكموا على سيزيف أن يُتابع رمي صخرته مِراراً وتكراراً بلا جدوى حتى قام برمي بنفسه بدلاً من الصخرة واضعاً حداً لآلامه وسلوكه الغير مُجدي , ولو وضعنا مأساة سيزيف تحت المجهر لوجدنا أن نقطة الوصول الى الإنتحار هي النقطة التي يفقد فيها العقل المنطق حتى وإن فكر طويلاً تفكيراً منطقياً , وهي النقطة الضبابية التي يعتقد فيها المنتحر بأنه إمتلك ناصية القرار وإنتقم ممن يقرر عنه ( أنا أُنهي حياتي بنفسي إذاً أنا موجود) وبغض النظر عن أي قيَّم دينية أو إنسانية. .

وهذا لايمكن الأخذُ به على إطلاقه اذ قد تُولِّد حالة اللاجدوى فى العديد من الحالات الجدوى ذاتها  فمثلاً  لم تمنع اسطورة سيزيف تطوير اختراع وسيلة للطيران من بعد مقتل عباس ابن فرناس صاحب أول محاولةٍ للطيران ..

حتى اميل دوركايم فى كتابه الانتحار لم يُقدِّم فى نظرى سبباً حقيقياً ملموساً للانتحار بوصفه ظاهرة اجتماعية دفعه إلى تأسيس منهج علمي - فلسفي يؤكد أنه لا يمكن إثبات رابطة علة بمعلول بين ظاهرتين استناداً إلى وقائع معزولة ومثيرة للفضول وحكايات صغيرة. وبناء على هذا النفي توجه دوركايم إلى تجاوز  (المصادفات) وأخذ يبحث عن توافقات وتوازيات والتغيرات المتزامنة بالعلاقات المتبادلة. (دوركايم والانتحار، ص 36)

لقد تناول العلماء موضوع الانتحار فى نظرى من دون تعمُّق وكظاهرة لاتأخذ معنى اللُغز فى التناول فأرجع البعض منهم الى أن الانتحار يسبقه بالضرورة حالة من الجنون الراجعُ للإنزواء والانطواء والانعزالية عن المجتمع  بما يشعر معه بآلام الوحدة ومعاناتها ولايوجد أمامه من حل سوى الانتحار وقد ثبت فى مجموعة الاطروحات السابقة عدم قبول هذا منفرداً كسبب مُقنِع للانتحار إذ هناك وكما قُلنا سلفاً من يتصفون بالاجتماعية والنجاح والقبول لدى الآخرين ورغم هذا يقدمون على الانتحار كإرنست همنجواي الكاتب الأمريكي والذى فائز بجائزة نوبل للآداب وكذا فان جـوخ الفنان الهولندي الشهير ومن ثم فهذا ليس سبباً كافياً لحدوثه ..

وقد قال البعض منهم  أن الانتحار يرجع لفقدان العقل لقدرته على السيطرة على ارادة المنتحر فيسلك سبيل الانتحار وهذا سبب غير مُقنِع لمن يرون أن المنتحر فى حالات عديدة يستخدم عقلِه وهو فى منتهى الهدوء واليقظة والرويَّة بل والسعادة أحياناً ليُرتِّب واقعة انتحاره وسيناريو اخراجها  ولم يكن هذا بفقدانِ عقل أو سلب تدبُّر ..

الأنتحارُ فى نظرى لايُمكن تناوله تناول الظاهرة أو إخضاعِه لأدوات البحث العلمي لخلق أسبابٍ للانتحار هى مردودٌ عليها باستمرار بتقويضها  ومن ثم فالانتحارُ فى رأييى  لايمكن استجلاء صحيح أسبابِه الا بسؤال شخص المُنتحر نفسه وهذا مالايُمكن حدوثه اذ دائماً ماتنتهى حياة من يُقدمون عليه ويُعدون له أدوات حدوثه .. ولكن مايمكن الاستفادة منه هو البعض من الحالات التى حال دون تحقيق النتيجة فيها سببٌ خارجى عن اختيار المُنتحِر نفسه كأن يتم الحيلولة بينه وانتحاره ومن قبل دقائق أو ثوانٍ معدودة من حدوثِه .. هذا فقط هو من يُفيدنا فى استجلاء بعض أسباب الانتحار الحقيقية وليس كلها .. ولكن لكون هذه الحالات ليست ملموسة خاصةً لأن مجمل حالات الانتحار الخائب تعود لارادة المنتحر ذاته بالعدول عن عزمه بالانتحار فى اللحظات الأخيرة إمَّاً خوفاً من وقوع النتيجة على ذاته أو من يُحب ومن ثم فلايصلح لأن يكون محلاً صالحاً لاستجلاء الاسباب الحقيقية .. أو من يتم القبض عليهم قبل اتمامهم لعمليات تفجيرية انتحارية بدقائق معدودة ودائماً هؤلاء لايتم طرحهم للتعامل معهم كعيِِّنةٍ للبحث العلمى والاستقصاء لاستجلاء الاسباب الحقيقية للانتحار .. اذ يتم التعامل معهم كمجرمين وخارجين على القانون ويكونون محلاً لإنتزاع اعترافات عن من حرَّضهم  ومن قام بتمويلهم  وعن عقيدتهم  الدافعة لذلك ومن ثم فيتم التعامل معهم أمنيَّاً من قبل أجهزة الأمن الوطنى  وليسوا كعيِّناتٍ للبحث العلمى عن أسباب الانتحار الحقيقية  رغم  كونهم هم الفريق الأصلح للدراسة والاستجلاء لتلك الاسباب الحقيقية .. ومن ثم فالعيِّنة الحقيقية الصالحة للبحث والاستجلاء لم تتوافر لدى العلماء ويُمكن الجزم بإستحالة توافرها ليكون الانتحار كمفهومٍ فى المُجمل وفى نظرى لُغزاً وليس ظاهرة نجح العلماء فى استجلاء أسبابها الحقيقية  ومنذ حدوث أول حادثةٍ له فى الخليقة وحتى الآن إذ لم تنجلى أسبابهُ الحقيقية فى الواقع العلمى والفلسفى .. تلك الأٍسباب التى تدفع شخص المنتحر لأن يقبل الانتحار بكافة مُعاناته وآلامه الرهيبة والتى لايُمكن أن تتكافأ مطلقاً مع ما يطمح فيه المنتحر من وراء انتحاره ثأراً كان ممن حوله أو من المجتمع أو كافة افتراضات مطامحه المذكورة من ورائه سلفاً وبصدر هذا المقال ..

ومادام الانتحار بات فى نظرى لُغزاً فهو كحال الموتِ تماماً هو الآخر لُغزاً لايُمكن تفسيره  الأول بعمل المرء الايجابى والمباشر والثانى  من دون ثمة ارادةٍ منه الا من باب الايمان  وهذا ماحرصت عليه الاديان السماوية .. فلولا إيمان الانسان بأن هناك حياة أبدية أُخرى فى انتظاره قُوامُها العزاب والنعيم  بالإثابة والجزاء لَمَثَّل الموت أعظم سبباً للجنون وهذا ماينطبق تماماً على الإنتحار كلُغز إن لم يتم مُعالجته ايمانياً لما تم التعاطى معهُ ايجابياً بمنعِه خاصةً فى ظل عدم وضوح أسبابه الحقيقية المُقنِعة علميَّاً فى نظرى  ومن ثم فقد حرص الاسلام ومن قبله المسيحية بل وكافة الأديان السماوية على تحريم قتل النفس بالمُطلق سواء كان هذا القتل لنفس الغير أو نفس القاتل ذاته وقد إعتبر القُرآن بالمطلق أن من قتل نفساً بغيرِ نفسٍ فكأنما قتل الناس جميعاً فى قوله تعالى (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )  كما وقال تعالى ناهياً بالتصريح عن قتل النفس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً" (النساء:29) )..

وهذا مايجعل الانتحار فى المفهوم الايمانى صورةً من صور قتل النفس ذاتِه بالإجهاز على أحد بنايات الله كأحد خلقِه  ..

قد يكون الانتحار لدى غير الانسان من الكائنات الحيَّة بالصورة التى تناولناها سلفاً تخضع لغرائزها الدفاعية ولكن لدى الانسان فالأمر لديه مُختلف بما أعطاه الله من عقلٍ واختيارٍ ومضامين إيمانية تطلَّبت ارسال الأنبياء والرسل والكتب السماوية تحريماً لهذا الأمر من باب الإيمان بالله واليوم الآخر ..

الانتحار فى نظرى لايزالُ لُغزاً حتى الآن لايُمكن استقصاء حقيقة أسبابه مهما تعاظمت الآراء الفلسفية والعلمية ومن ثم لاسبيل لتناوله الا من باب الإيمان بتحريمه ..

الإيمان هو السبيل الوحيد القادر على  مواجهة هذا اللُغز الرهيب المٍُسمى بالانتحار .. تلك كانت قراءتى فى لُغز الانتحار وفلسفته ..

ashrafavocato

سبحان من ذلّت الرقاب لأجل عزّته وعنت الوجوه لأجل كريم وجهه

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 46 مشاهدة
نشرت فى 29 ديسمبر 2012 بواسطة ashrafavocato

ساحة النقاش

أشرف محمد اسماعيل المحامى

ashrafavocato
هذا الموقع خاص بالأستاذ/أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض والادارية العليـا وقدأنشأه لاضافة مقالاته وطرحه لاجل المشاركة الفعالة بالرأى فيها وطرح مقالات للقراء بها بمايحمل من ثراء ثقافى لنا وللقراء ويحتوى الموقع على أعمال الأستاذ اشرف محمد اسماعيل المحامى من مقالات منشورة بالصحف وكتب من تأليفه وكثيرمن اهتماماته والموقع مفتوح للمشاركة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

24,333