للطفولة خواطر ... وللشباب مثلها ... وفى المشيب منها الكثير ..
ثلاث عقود قد مرّت إستجمعتها فى ساعة واحدة من سفر.. قفزت الى سطح التفكير سُعا يوم كنت طالباً بالجامعة .. إبنة الخمسة عشر عاماً ذات الوجه الملائكى راحت تتراقص بين شفتيها حبات اللوءلوء المتراصة .. ..ذات الرقبة البضّة الرائعة والقوام الممشوق والخدّان اللذان تحتفظان بلون الورد ... تظهر أسفلهما نقطتين خفيضتين تذدادان انخفاضاً وعُمقاً مع ابتسامتها الساحرة .. بينما أسفل الوجه الملائكى فتقطن أية الحسن محفورة فيه .. عيناها النائمتان خلف أهدابها الممتدة .. وشعرها الطويل الذى راح يُلوّح بالعصيان والثورة من تحت الشال المُنسدل من فوق الرأس على الكتفين .. انها سُعا فتاة لاتجاوزها قدراً عروس نيل الفراعنة ..
إسمها الحقيقى سُعاد ... أرسلها والدها الى جاره فى الشقة المجاورة... ذلك الجامعى المهووس بروايات شكسبير وكريستى حاملةً قطعة الجاتوه المتبقية من حفل عيد ميلادها .. قدمت الى الجار الذى لازال ينسجها بأفكاره حتى من بعد زحف المشيب إليه.. ولجت باب الشقة التى كنت أقطُن ... تُقدّم نحوى قطعة الجاتوه تغلّفُها بابتسامتها الساحرة ليتوقف الكون عن الحركة فى لحظات وتتحرك الأرض من تحت أقدام المارة .. ليخرج صوت من جهاز الراديو أعلى المنضدة المجاورة .. انه لشاعر يُدعى فاروق شوشة فى برنامج تعليمى للغة العربية .. يقول :قل إحذف من أخر المنادى .. كيا سُعا فيمن دعا سُعادا .. .. قُلت: أشكركى سُعا.. يومها ضحك الوجه الملائكى لتستدير صاحبة القمر البدرى مُسرعةً الى شقتها المُقابلة..
مرًت أيام العمر مابين أثقال الدراسة ومسئولية الحياة ولم أنسى وجه سُعا ولاقطعة جاتوه عيد الميلاد .. أتذكرها كلما صفا الزهن وراق البال من هموم ومعاناة المسئوليّات المتعاقبة ..
الشباب راح يتراجع فى ضعف أمام قسوة المشيب وانحناءة الظهر القادمة من أعماق الخريف.
آهات الألام راحت بين الفينة والأخرى تُداعب الجسد الذى أحمله بأقدامى .. أثقالٌ من ضغط وألام عظام راحت تعترينى بين لحظات وأخرى .. دفعتنى الحاجة لأبحث عن طبيب يضبط ايقاع الضغط واستقامة الساقين ..
أرشدنى صديقى الى طبيب ذكر أنه حاصلٌ على العديد من الجوائز العلمية فى أمراض القلب .. توجهت إليه من ساعتى .. وبعد فحص مبدئى طلب الرجل تحليلاً لعينة دم صائماً وفاطراً ..
خرجت الى معمل التحاليل المُقابل لعيادته .. قدمت أجرة التحليل الى موظفة المعمل .. بينما ولخوفى من شك الإبرة راحت اسنانى تتخبط مُرتعشة .. تتقدم نحوى سيدة تطلبنى أن أهدأ آمرةً أن أُشمّر ساعدى كى تتمكن من سحب عينة الدم .. عيناى لاتريان الا موطن وخز الإبرة .. سحبتها بهدوء شديد .. انه سائلٌ يميل الى اللون البنى الداكن المحمول على الزُرقة .. سحبت الإبرة من الوريد لتُعطينى قطعةً من قطن لتضغط عليها بضم ساعدى الى كتفى ثم قالت انتظر لحظة .. رفعت رأسى لأجدها ..انها هى .. نعم هى .. لايمكن لحدسى أن يخطأ .. لايمكن لاحساسى أن يخيب ..
الوجه هو ذات الوجه ... القوام هو ذاته لكنه قد مسّته بعض انحناءة كما والشعر به بعضٌ من مشيب زاحف ببُطء .. لكن العينين هى العينين والوجه الملائكى ذو الاستدارة القمرية البدرية هو ذاته .. النقطتان الخفيضتان أسفل الخدين اللتان تظهران بجمال لايقاوم اذا مابتسمت لازالت لم تتغيّر.. آية الحُسن أسفل الوجه كما كانت بينما فالرموش قد قصرت بعض الشىء بعد أن ضاقت الحدقتان بعوامل الزمن الهادمة .. لكن روحها هى روحها ..
سألتها أأنتى ؟ قالت :سُعا.. ثم ضحكت بعد أن رأت الدهشة على وجهى واللهفة باديةً من ملامحى وحواسى .. ثم أردفت قائلةً : انه معمل التحاليل الخاص بإبنتى وهى مناسبة أن تأكل جاتوه عيد ميلادها الذى يُصادف ذلك اليوم .. شكرتها لأغادر المكان لكنها إستحلفتنى أن أظل بمكانى حتى تعود ..
عقودٌ قد تراصت أمام ناظرىّ بينما انحناءة الظهر ونظرى الذى بات يعاندنى لم يعُدان كما أريد ... لكن روحى لم تُبدّل الأشياء لدىّ .. كما والإحساسُ عندى لم يُغير ماتراه العينان .. هى لحظات وقد عادت مليحة الوجه رائعة البسمات تحمل بين يديها طبقاً فضيّاً تعلوه قطعةً من جاتوه قد أعطتنى ايّاه ..
قفزت علامات التعجب والدهشة إلى وجهى .. لاشك أنها قد إستغلّت بعض الوقت الفائت فى إصلاح بعض ماأفسده الدهر من انحناءة الظهر و وزحف المشيب حافلةً برؤيتى .. نعم هى هى .. لكنها ليست كما كانت منذ لحظات .. هى سُعا كما رأيتها منذ مايزيد على الثلاثين عاماً .. الوجه الملائكى تُعانده كُرات الدم الوردى لأن تخرج من خديه .. النقطتان الخفيضتان تحت الخدين تذدادان عُمقاً مع ابتسامتها الوافدة .. القدُّ قد عاد لما كان عليه من استقامة البان .. الجمال قد إسترجع قُُواه فى الصبا .. بينما فآية الحسن فتبدو أسفل استدارة الوجه البدرى .. هى هى وكأنها قد وفدت من وراء العقود الضائعة ..
قُلتُ لها من فورى : وهل انتهت نتيجة العينة سُعا ؟
فضحكت ثم بادرتنى قائلةً بإبتسامتها الرائعة : نعم عمى .. وتلك قطعة الجاتوه .. هى لك ..



ساحة النقاش