أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض

مقالات ورؤى

authentication required

دأبت الثقافة المصرية الضاربة بجزورها فى تاريخنا أن نؤله حكامنا وان تواضعنا فنجعل منهم انصاف الهة ثم نعاود لنلوم الحكام ونتناسى انهم هم صناعة المحكومين أنفسهم

نحن الشعب الوحيد من بين شعوب العالم الذى  يكتب القصائد ويدشن الأناشيد  بغية استرضاء كل حاكم يحكمه فنجدنا  نغنى لعبيدنا الذين حكمونا كالمماليك  ونطبل  للمحتل  فى الدولة العثمانية  ونشرب نخب الصداقة  مع المصر الملكى  وقبل نهاية كل حاكم ننتفض ونثور وتوجعنا كراماتنا  لنكون مثار اندهاش العالم وكأن استعراض الحضارة المصرية واللحمة الوطنية  والقوة الشعبية هى  المقصد والمبتغى والمرام فحسب

لم نجد شعبا يسطر الأغانى الوطنية تهلل للحاكم حين توليه وتهجوه  عند تنحيته كما نحن .. فلم نجد الأمريكان يتغنون بجورج واشنطن أو لنكولن أوحتى أوباما  ذاته  ولم نجد فرنسا قد أعدت أغانى وطنية فى ديجول  بينما نحن فقد غنت أم كلثوم للملك فاروق سنة 1937 من كلمات  رامى  وألحان  السنباطى  قصيدة‎ - اجمعى يامصر أزهار الأمانى ‎- وكذا قد غنت ‎- أشرقت شمس التهانى -  بمناسبة عيد ميلاده سنة1938 وكذا - لاح نور الفجر - بمناسبة عيد ميلاد جلوسه على العرش سنة1941 وكأن الملكية هى مظهر لعزة مصر كما وفاروق هو حامى البلاد والعباد ..  ثم ثار الشعب عليه ليصير مثار اهتمام العالم واحترامه  فتأتى الثورة   لتنشد فى رجالها  -منصورة ياثورة أحرار - ثم يأتى ناصر لينسى الشعب رجال الثورة الا ناصر فيرفعه المصريون لمرتبة نصف الاه  كعقيدة موروثة ومؤصلة لديه منذ الفراعنة  فرأينا  كوكب الشرق ذاتها  تقول فيه-  ياجمال يامثال الوطنية- ويغنى حليم فيه - ناصر ياحريّة -  رغم كل المعتقلات فى عهده ..وكذا - ياجمال ياحبيب الملايين-   وعبد الوهاب فيه - والله وعرفنا الحب -    ليبكى الشعب وبحرقة ناصر عند وفاته وكأنه نصف الاه  ليعاود طريقه المعهود مع السادات  فى -عاش اللى قال للرجال عدوا القنال - ولم يتذكر الشعب من عبروا القناة بالفعل وتذكر فقط من أمرهم بذلك ليختصر جسارة شعب  وعظمته وقوته فى شخص واحد وهو الزعيم والبطل الأسمر ابن المنوفية  ليثور عليه البعض فيقتلوه ليأتى  مبارك ويغنى له الشعب –اخترناه-  ليكذب على نفسه مرة أخرى وهو يعلم انه لم يختار شىء  فى سنة متبعة ومتواترة من لدن  وفاته (ص) اذ صار اختيار السقيفة هو اختيار المسلمين كافة  ثم تأتى البيعة جبرا  دونما  معارض لها والا عُد المعارض  مجرما خارجا عن الطاعة والاجماع الشعبى  فيغنى الشعب للضربة الجوية التى أتت منفردة لمصر بنصر أكتوبر لتطمس تاريخ رجال وبواسل كالجمسى  والشاذلى  ليحل محله صاحب الضربة الجوية وتحل الصورة محل الصورة فى تزوير متعمد للتاريخ  وقد اغتلنا حق أولادنا وأطفالنا فى معرفة تاريخ وطنهم الحقيقى وغير الزائف .. .. ويتحمل الشعب مالا يتحمله بشر ويصبر ماشاء الرب له حتى اذا انتفض  لم يتحمل مبارك  انتفاضته ولو لساعات معدودة  وتبخّرت أغنية- اخترناه - مع الريح  وتغيرت مناهج أطفالنا الدراسية لتذيل صورة مبارك بشباب يناير  ومشروع مكتبة الأسرة  بقصائد هشام الجخ وتمذّقت كل اللافتات  الحاملة صورته واسمه  بل ومحى الشعب أحرف اسمه كلّها من تاريخه  وكأن التصفّيق له بالأمس  مضروب هو اليوم بنعال الشعب لامحالة وقد أيقن الشعب اليوم انه بشرا يقبل المرض والوفاة كغيره وقد كان أمس قول مثل هذا تُعقد له المحاكمات وتفتح له السجون .. ولم ننسى انها طبيعة شعب وثقافته وكذا فنه وفنانيه الذين يغيرون من جلودهم كالحرباء  حسب  دواعى الوقت ومتطلبات الساعة  فقد حاول البعض استغلال شعبية أغنية - ياجمال ياحبيب الملايين ياجمال ‎-  لتطرّذ ثانية  لأجل ابن الرئيس المخلوع بغية تسويقه شعبيا لخلافة والده  ليصنعوا من  الحاكم  الاها ومن المحكومين عُبّادا ونُسّاكا طائعين  بالحد الذى رأيت احدهم يبكى بحرارة شديدة عند سماعه لهذا اللحن  بالدرجة التى لم يبكى  بها أمه وذويه ..

اننا شعب ياسادة غير منضبط عاطفيا فان أحب سلّم للأخر بالكليّة وان كره  أتى على رقبته بالكليّة كذلك  .. وهذا الأمر من شأنه  اخافة متخذ القرار  من مردود فعل الشعب ذاته فاما أن يكون  متواضعا بالكلية وهو رمز للدولة وكيانها فيطمع فيه مرضى النفوس من أهل الوطن  أوالأعداء  واما ان يكون جبّارا  فيحافظ على الوطن  وسيادته ويكفل له أمنه  بينما الحريّات  فيغتال ويقتح ابواب المعتقلات  وهذين الفرضين لاثالث لهما  مادام حال تعاملنا مع الدولة وحاكمنا بالطريقة التى توارثناها حتى الأن

ننظر للماضى دائما بازدراء وقد كنا المصفقين له من قبل  وكذا نصفق للحاضر ونحن ثائرين عليه مستقبلا لامحالة .. انه انفلات عاطفى يحتاج لدراسات ومعالجات نفسية  بالضرورة ..

ان من يخلق دكتاتورية الحاكم هو الشعب نفسه وليس الحاكم .. ولم تكن هذه الحقيقة غائبة عن التراث الشعبى المصرى فقد قال الأثر الشعبى (قالوا يافرعون من فرعنك قال لم أجد احدا يلمنى )  ومعنى هذا ان الشعب يعلم جيدا أدواته ونتيجة أفعاله وممارساته ولكنه استمرأ الأسلوب الانقيادى للسلطة الأبوية بدءا من رب الاسرة وحتى الحاكم ذاته .. ويثور  لينقاد من جديد ليثور أخرى  ليستسلم ثانية  ليثور ثالثة  ليستسلم رابعة وخامسة وسادسة .. وكأن الثورات كتبت علينا الى مالا نهاية

ان الشعوب ياسادة  لاتعرف الثورات فى تاريخها الا  بمرور دهور بين كل ثورة وتاليتها بينما لدينا فثورة لكل ثلاثة عقود فقط  ..ومهما اختلفنا فى توصيفها هل هى ثورة ام انقلاب ..أم انتفاضة شعب... المهم أن الحاكم لايترك مقعده الا بقتل أحد أفراد الشعب له او خيانة احد رفاق الدرب  أو الازاحة الشعبية له لكن أن يترك موضعه من نفسه فلا وألف لا .. فلقد استمرأت ثقافة الحكم ذلك واستمرأت ثقافة المحكومين ذلك كذلك

تخيّل معى قارئى العزيز لو كنا كفرنسا من بعد ثورتها وديجول   أو روسيا من بعد الثورة البلشقية بل والعديد من دول العالم التى وضعت لنفسها اطارا جديدا ودستورا جديدا  ينهى  أليات الدكتاتورية ويُكرس من سلطات الشعب  ومراقبته  لأجهزة حكمه  وتفعيل دور المؤسسات الشرعية  وعدم مد مدة الحكم الا لمدة واحدة اواثنتين كما ونزيد فى عدد الدوائر الانتخابية بمالايكون معه نائب لكل ماءة ألف بل نائب لكل عشرين ألف مواطن وهنا سيشارك الشعب بالفعل فى السلطة والتشريع والمراقبة .. ويعقد الشعب عقدا اجتماعيا من جديد لتكون أخر الثورات ومن ثم  لو كانت ثورة 1952 هى اخر الثورات المصرية  وكانت الثورة على الملكية هى بداية عصر مصر الحديث لركبنا قطار التقدم منذ اكثر من خمسة عقود وكنا اليوم كما غيرنا فى دنيا التقدم والترف  ولكننا خلعنا الملك لنأتى بملوك من جديد لتعود الثورة لتزبح الثوّار ليسجن نجيب  ليأتى ناصر  ليثور عليه رفاقه صامتين  ويهلل الشعب لخلفه من بعد نحيبه لوفاته فيصفق للسادات  حربا وسلاما  ليُخوّنه البعض من بعد مقتله  ويصفق لقاتليه  فيما بعد كأنهم الفاتحين ليأتى مبارك فى خلسة من ليل  بعد ثلاثين عاما من خلع ثورة يوليو لفاروق ليتغنى الشعب باسمه يشاركه سعادته ويواسيه أحزانه ويبكيه ان أضير  ويهتف باسمه ويدشن اللافتات على كل شبر من أرض الوطن ..  ويثور الشعب من جديد ليضعه تحت اقدامه ويمزق لافتاته  وصوره ويمحوه من التاريخ بالكلية ومن خيالات الأطفال ان قدر .. انه مبارك بعد خمسين عاما من خلع ثورة يوليو لفاروق  وكلاهما يمثلان أسوء من حكموا مصر عبر تاريخها  المعاصر  .. ومن ثم يكون مبارك فى منطقة وسطى بين فاروق وعجلة التاريخ  المرتدة..

 

ashrafavocato

سبحان من ذلّت الرقاب لأجل عزّته وعنت الوجوه لأجل كريم وجهه

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 88 مشاهدة
نشرت فى 3 يونيو 2011 بواسطة ashrafavocato

ساحة النقاش

أشرف محمد اسماعيل المحامى

ashrafavocato
هذا الموقع خاص بالأستاذ/أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض والادارية العليـا وقدأنشأه لاضافة مقالاته وطرحه لاجل المشاركة الفعالة بالرأى فيها وطرح مقالات للقراء بها بمايحمل من ثراء ثقافى لنا وللقراء ويحتوى الموقع على أعمال الأستاذ اشرف محمد اسماعيل المحامى من مقالات منشورة بالصحف وكتب من تأليفه وكثيرمن اهتماماته والموقع مفتوح للمشاركة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

24,324