العولمة والخصوصيات الثقافية
مقدمة :
مهما كانت الاجتهادات الفكرية والفقهية، فإن العالم الإسلامي هو جزء من المجتمع الدولي. إنه مؤثر فيه ومتأثر به بحكم التفاعل العالمي الصاعد مع ثورة الاتصالات والمعلوماتية المعاصرة .
ولأن الإسلام دين عالمي لا يخص المسلمين وحدهم من البشر، ولان علاقات المسلمين مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى والأقوام المختلفة منضبطة في إطار الأخوة الإنسانية، فإن المتغيرات العالمية الراهنة، تصيب العرب والمسلمين وغيرهم في حاضر هم ومستقبلهم، سياسياً واقتصادياً واجتماعيا وثقافياً .
على ذلك ، فإن العلاقات مع الغرب ليست علاقات عدائية، ولا يجب كذلك على الرغم من الأحقاد الدفينة عند فئة متصهينة راحت تتسلل إلى أوساط إنجيلية مسيحية، وتستغل وسائل الإعلام والثقافة، في زمن الفضائيات واختصار المسافات والأزمان لتشويه صورة العرب والمسلمين في العالم، ولتضخيم الخلافات والاختلافات بينهم وعالم الغرب، بل لاختلاق صراع مزعوم بين الحضارات والثقافات. إنها سياسة معتمدة في أوساط غربية، وبخاصة بعد حوادث 11 سبتمبر، في الولايات المتحدة الأمريكية التي ما تزال بعض تفاصيلها عصية على التحقيق الفيدرالي الأمريكي وبعضها الأخر مطوي في أدراج أجهزة الاستخبارات .
نطرح في هذه الورقة البحثية محددات العولمة والثقافة في ضوء المفاهيم والمعارف السائدة، وذلك قبل الدخول في تفاصيل الثقافة العربية الإسلامية للتعرف على خصوصياتها، شأنها في ذلك شأن كافة الثقافات العالمية الأخرى. وتحدد هذه الورقة ضرورة الانفتاح الثقافي على العالمية ، بينما تتحفظ على جوانب واسعة من العولمة . وتوصي هذه الورقة بأربعة مقترحات ثقافية من خلال الواقع العربي والإسلامي، وما نطمح أن يرتقي إليه في هذا العالم المتغير.
1- فى العولمة :
تجدر الإشارة أولاً إلى الاختلاف في المضمون بين العولمة globalization والعالمية universality ، من حيث أن الأولى تنطوي على الفرض والسيطرة بينما تدل الثانية على التفاعل والانفتاح .
وبصرف النظر عن تعدد مفاهيم العولمة ومحاولات تعريفها، والضبابية التي تحوطها من كل جانب ... فإن العولمة نشأت بفعل معطيين كبيرين هما :
أ. معطى التطور التكنولوجي :
وما يمكن تسميته بثورة الاتصالات والمعلوماتية، الذي بدد المسافات بين الدول والشعوب. فزاد - والحال هذه - من حجم التفاعل والقدرة على التأثير بيد أن عامل القوة ظل مسيطراً طالما أن الأقوى تكنولوجياً هو الذي يستطيع الفرض والسيطرة.
ب. معطى إطلاق حرية الأسواق :
بعيداً عن أنظمة الحمايات الجمركية والتدخلية الرسمية من جانب الدولة ، فغدت العملية الاقتصادية في الدرجة الأولى تدور بين الشركات الكبرى فوق الوطنية التي تمسك بنصيب وافر من مجمل الإنتاج العالمي .
من الخطأ اعتبار النزعة العالمية أو الانفتاح العالمي، نوع من العولمة فالعالمية كانت وما زالت قائمة في المجهودات المشتركة بين الدول والأمم والشعوب، إنها في طموحاتهم وتعاونهم في شتى ميادين الفكر والعلوم والمعرفة والتكنولوجيا .
أما العولمة فهي فرض نمط محدد على الشعوب والدول في الثقافة والسياسة والاقتصاد كما في التكنولوجيا والإعلام .
ويرتبط هذا الفرض بسيادة القوة في العلاقات الدولية، بمعنى أن تحاول دولة أو مجموعة دول بفعل ما تمتلكه من مصادر قوة ومن قدرة على الفعل والتأثير في مسار العلاقات الدولية ، تصدر نمط محدد إلى العالم تحقيقاً لمصالحها في الدرجة الأولى.
على ذلك تعددت تعريفات العولمة واختلفت ، في مضامينها ومحدداتها، فمن التركيز على البعد الثقافي في هذه العملية وما أوجدته من نمطية محددة في الإنتاج والاستهلاك ، إلى التركيز على البعد الاقتصادي من حيث إطلاق حرية حركة رؤوس الأموال والسلع عبر الحدود دون عقبات، بما يؤدي إلى معطيات اقتصادية جديدة إلى ملاحظة "انكماش المكان، وانكماش الزمان، واختفاء الحدود" في إطار سيطرة الأسواق على هذا التحول العالمي الواسع دون أن يجري تقاسم فرص العولمة تقاسماً عادلاً بين الشعوب والأفراد، كما أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي U.N.D.P. في تقاريره السنوية .
هل هناك فرص معينة من خلال العولمة؟
نعم، يوجد للعولمة حافز عند الشعوب والدول كي تزيد من إنتاجها ، كماً ونوعاً وحنى تلحق بمسار التطور التكنولوجى أي بثورة المعلومات والاتصالات. هذا الحافز ، أو المحرض، يحتاجه العالم النامي بعد الحرب البادرة كي يزيد من وتيرة تقدمه، ومغالبة تخلقه على مختلف الأصعدة .
ويمكن للعولمة أن تساهم في حماية البيئة الطبيعية من التلوث، وفي صون التراث الثقافي العالمي المشترك، ومكافحة الأمراض والأوبئة، وتنظيم حركة النقل الجوي وإيجاد قواعد عامة للإعلام الفضائي هذا إذا برزت إرادة دولية جامعة من خلال منظمة الأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات الدولية، في هذا الاتجاه .
بيد أن هذه المعطيات المفترضة ، أو المتوقعة، لا تحجب عن الدارس والمتابع سلبيات العولمة، وهي كثيرة. حتى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وجد منذ العام 1999م جملة تحديات تفرضها العولمة على المجتمع الدولي، منها: " استقطاب بشع وخطير بين مستفيدين من النظام من بشر وبلدان (نظام العولمة) من ناحية، ومتلقين سلبيين فحسب لآثاره من بشر وبلدان، من ناحية أخرى" يبرز هذا التلقي السلبي من خلال :
- تركيز الثروات عند الأكثر غنى في العالم ، بحيث أن خمس سكان العالم
يحصلون على 86 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في مقابل حصول
الخمس الأفقر ، والأضعف من سكان العالم على واحد في المائة فقط .
- تستأثر نحو 350 شركة كبرى من الشركات المتعددة الجنسية بما نسبته 40 في المائة من حجم التجارة العالمية.
- زيادة درجة التبعية على الصعيد السياسي عند الدول النامية، بينما يتمركز القرار
السياسي عند الولايات المتحدة أولاً، ثم عند الدول الصناعية السبع الأخرى
المتحكمة بالنظام الاقتصادي العالمي.
- تراجع عامل السيادة عند الدول عامة، وبخاصة عند الدول النامية، مع ما يرافق ذلك من انتشار الفوضى الأمنية والسياسية داخل حدود الدولة وعلى أطرافها مع تفشي ظاهرة الحروب الأهلية والداخلية لأسباب عرقية أو دينية أو قومية أو إقليمية ..
- بروز انفصال بين لغة العلم (الإنكليزية) ولغة الثقافة في مجالات الأدب والفنون، التي تبقى وطنية أو محلية. هذا ما قد يهمش الثقافة المبدعة ، ويوجد أيضاً انقطاعاً غير مسبوق بين العلم والثقافة.
2- فى الثقافة :
أخذت العولمة تؤثر في الثقافة، وسوف تؤثر في المستقبل، بفعل دينامية الاتصالات الحديثة، والتدفق الإعلامي الكثيف، واتساع دائرة الاختلاط بين الأقوام والثقافات المختلفة .
وبصرف النظر عن صعوبة تعريف الثقافة من حيث أنها تعني في ما تعني هذا الخليط الهائل من المعلومات والإبداعات والتصورات والقيم التي تدخل في نطاق الهوية الحضارية لشعب من الشعوب، أو لجماعة من الجماعات البشرية... فإنها، أي الثقافة، متأثرة حكماً بفعل موجة العولمة الطاغية في عصرنا.
نحن أمام سيادة ثقافة استهلاكية، تروج لها وسائل الإعلام، وخصوصاً الفضائية منها، والاستهلاك لا يقتصر على الطعام والملبس، وإنما يتعداهما إلى استخدامات الكمبيوتر والإنترنت ووسائل الترفيه والراحة، في خضم هذه الثقافة الاستهلاكية ستكون السيطرة، أو القدرة على التسويق، للسلع الأكثر جودة والأكثر دعاية عبر وسائل إعلانية معولمة .
يستأثر التلفزيون الفضائي في هذه الأيام بوقت غير قصير من حياة الإنسان ويتخلل البث توجيه دعائي – إعلاني قائم على إدارة مالية ما بين المنتج والمستهلك. وبينما تجري إطالة فترة البث التلفزيوني، يلجأ كبار المنتجين للبرامج- كما الدعايات- إلى عولمة إنتاجهم من خلال الإنتاج المشترك فكما أن القناة الأمريكية C.N.N تستأثر بنصيب وافر من نشرات الأخبار، وكذلك حال القناة الفرنسية T.V.5 نحن أمام دفق هائل من الإعلانات لثقافة استهلاكية تطاول العالم، وتقف وراءها شركات منتجة وتدور في تلك العولمة الاقتصادية والإعلامية وتالياً الثقافية إلى ذلك ثمة تشويه للمشهد الثقافي أحياناً بفعل توجيه العولمة سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً. فمشهد انتفاضة الأقصى- على سبيل المثال- عبر الفضائيات العالمية خلال السنوات الثلاث الماضية يبين لنا كيف أن الصورة المطروحة هي صورة الإرهاب الفلسطيني، الذي يعتمد العنف في حياته وعلاقاته مع الآخر، بينما يجري طمس حقيقة الإرهاب الإسرائيلي وحقيقة أن إسرائيل هي دولة احتلال .
في حمأة هذا التوجيه السياسي – الثقافي؛ قد يجري طمس رموز وطنية وقومية وإسلامية وإبراز أشخاص معولمين لتحويلهم إلى رموز. ينطبق هذا الأمر على المؤسسات الرسمية والأهلية، بما فيها الجمعيات والأحزاب والنقابات، فيجري إبراز دور بعضها، وطمس بعضها الآخر، تبعاً لأيدولوجيا العولمة التي راحت تنتشر في أوساط المستفيدين منها. إنها أيديولوجيا السوق الحرة في آن معاً، المستندة إلى سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على الأسواق العالمية.
إنها إيديولوجيا نفعية على رغم ادعائها بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان فحقوق الإنسان ليست للأغنياء فقط، ولا للأقوياء مالياً واقتصادهم دون سواهم من الفقراء والمهمشين على حافة العولمة. والديمقراطية لا يجب أن تقود إلى تكريس حكم الأقلية المسيطرة مالياً على الأسواق، والتي لا تعبر عن إرادة الأغلبية.
3- لا عولمة للثقافة :
يمكن القول أن هناك ثقافة للعولمة، ثقافة الاستهلاك المادية، وثقافة تشويه الأفراد والفئات والدول المناهضة للعولمة، بما في ذلك طمس الرموز الوطنية والقومية والإسلامية... ولكن يصعب القول بعولمة الثقافة ، طالما أن الثقافة هي تعبير عن خصوصيات الناس في لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وإبداعاتهم، إنها خصوصيات مختلفة بين الدول والشعوب، بل هي مختلفة أحياناً داخل الدولة الواحدة أو داخل الإقليم الواحد، وبقدر ما تضغط ثقافة العولمة على الشعوب بقدر ما تبرز خصوصياتها الثقافية في حالة الدفاع أو في حالة ردة الفعل، وهكذا يلاحظ الكاتب الفرنسي فريد كونستون fred constan أن التعددية الثقافية أخذت تبرز منذ العام 1990م أي مع انكفاء الإتحاد السوفيتي والأنظمة الماركسية في أوروبا الشرقية ، فراحت تنتشر تعبيرات ثقافية خاصة في الموسيقى والغناء والملبس والطقوس الدينية وأساليب العيش والحياة اليومية في إطار ردود الأفعال الثقافية على العولمة، نفسر بروز الخصوصيات الثقافية في مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة(1994م) إنها خصوصيات إسلامية ومسيحية وبوذية وهندوسية وكنفوشية .
تتمحور حول حقوق الإنسان ، ومدى اختلاف تطبيقاتها بين الدول والأمم قياسا إلى التعدد الثقافي والحضاري. وراحت تتكرر في مؤتمرات التنمية وحقوق الإنسان والمرأة بل إنها موجودة حتى داخل الولايات المتحدة حيث يتمسك من بقى على قيد الحياة من الهنود الحمر- نحو ثلاثة ملايين نسمة – بثقافاتهم وحضارتهم الخاصة وقد جاهروا بها أمام الرئيس السابق بيل كلينتون في معرض مطالبتهم برفع الحيف عنهم ، بتعبير آخر ، تستمر التعددية الثقافية في زمن العولمة داخل دول الشمال كما دول الجنوب، في الشرق كما في الغرب، وأحياناً داخل المدينة الواحدة .
بمعزل من تأثيرات العولمة، هنالك ما يمكن تسميتها ثقافة عالمية، ثقافة متأنية من التفاعل والعلاقات المتشابكة بين الوحدات المكونة للمجتمع الدولي. ثقافة التعاون الدولي من خلال العلاقات الثنائية، أو من خلال العلاقات المتعددة الأطراف بواسطة المنظمات الإقليمية والدولية. ثقافة رياضية ، أو فنية ، أو أدبية، تلقي رواجاً في أوساط مختلفة على اتساع العالم بحكم ما فيها من غنى وانفتاح وبعد إنساني . بيد أن هذه الثقافة العالمية لم تنشأ بفعل قسري ، أو إكراهي، ولا هي نتيجة ضغوط وتهديدات باستخدام القوة العسكرية أو فرض حصار اقتصادي إنها ثمرة تفاعل إنساني حر يفيد في طبيعة الحال من مناخات الحرية والديمقراطية .
في إطار ثقافة التعاون الدولي تنتشر ثقافة حقوق الإنسان جانب من هذه الثقافة عالمي يستند إلى حق الإنسان في الحياة والكرامة الإنسانية، والحرية والعدالة، والتعلم.. وجانب آخر يندرج في دائرة الخصوصية الثقافية، أو الدينية أو الحضارية، مثل بعض حقوق المرأة والأسرة وحرية المعتقد الديني والسياسي.. العالمية هنا لا تقمع الخصوصية ولا تلغيها، ولا تختزلها لصالح هذه القوة أو تلك من قوى العولمة.
في هذا الصدد، أي في إطار عالمية الثقافة الخاصة بحقوق الإنسان أقرت المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ العام 1966م ، أنه " لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائرهم أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين من جماعتهم" . هنا تعترف الثقافة العالمية بخصوصية الأقليات ، وتحديداً بخصوصياتها الثقافية، شأنها في ذلك شأن المواطنين الآخرين. إن هذا المضمون ما يزال قائماً، ولم تتمكن رياح العولمة من الإطاحة به .
وكما نتحدث عن حقوق الإنسان، يمكن الحديث عن الديمقراطية كثقافة عالمية. فالديمقراطية هي ثقافة قيم ومفاهيم قبل أن تكون آليات عمل وممارسات تطبيقية، بيد أن عالمية الديمقراطية شيء، وعولمتها شيء آخر مختلف. عالمية الديمقراطية تبرز في بعض أفكارها وآلياتها (الانتخابات العامة مثلاً)، دون أن تصل إلى فرض نموذج أحادي في الديمقراطية شكلاً ومضموناً. فكما أن نظام التعددية الحزبية يختلف عن نظام الثنائية الحزبية، يختلف النظام الرئاسي عن النظام البرلماني أو المجلسي أو المختلط.أما عولمة الديمقراطية عن طريق فرضها بالقوة من خلال الوصاية الخارجية، أو الاحتلال العسكري فإنها سرعان ما نسقط بفعل المتغيرات السياسية، طالما أنها لم تنشأ في إطار التجربة الذاتية لشعب معين، وطالما أنها لم تنسجم مع ثقافته السياسية الخاصة قد يقال هنا إن هذه الثقافة الخاصة متغيرة، أو متبدلة، ويمكن أن تتجه نحو الأخذ عن ثقافة أخرى أو التأثر بها.
هذا طبيعي أن يحصل ، وبخاصة في عصر ثورة الاتصالات والمعلوماتية، ويبقى مقبولاً إنسانياً طالما أنه يتحقق بدون ضغط أو فرض أو إكراه بالقوة والتدخل، وببساطة نلاحظ كيف يتعارض أسلوب الفرض مع الثقافة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان التي تعني، فيما تعني، حق الاختيار الحر.
4- خصوصية الثقافة العربية الإسلامية :
أشرنا إلى أن الثقافة تعبر عن خصوصية معينة، سواء عن جماعة أو شعب أو شعوب عدة وهناك تداخل بين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية من حيث أن الحضارة الإسلامية هي الإطار الأرحب لهما. وإذا كانت الثقافة الإسلامية تشير إلى أنها مؤسسة على ثوابت الإسلام وتوجهاته الحضارية، فإن الثقافة العربية تتداخل معها من خلال هذه التوجهات الحضارية ذات الأبعاد الإنسانية ، ويكاد يجمع الدارسون على أن العامل الديني الإسلامي لعب، ويلعب، دورا أساسياً في تكون وبقاء الأمة العربية. وهو ما يزال فاعلاً في الثقافة العربية فيعطيها خصوصية على مختلف الأصعدة الثقافية.
على صعيد آخر، تحاول هذه الخصوصية الدفاع عن قسماتها ودورها في مواجهة العولمة الزاحفة ويتركز الحوار في هذه المرحلة على علاقة هذه الخصوصية بالعالمية من خلال الانفتاح المنشود، وكيف تختلف عن توجهات العولمة في الوقت عينه. في هذا الصدد، نوصي بأربعة مقترحات تنسجم مع الانفتاح على العالمية دون الرضوخ لإملاءات العولمة .
إنها تندرج في إطار الخصوصية الثقافية العربية الإسلامية، وهي: حوار الثقافات لا صراع الثقافات، ثقافة الوسطية لا ثقافة الغلو، تصحيح الصورة الثقافية العربية الإسلامية في الغرب، اعتماد ثقافة الإلزامية.
حوار الثقافات لا صراع الثقافات :
كما أن مقولة صراع الحضارات تهاوت وسقطت بفعل الوعي الإنساني، فإن مقولة صراع الثقافات سوف تسقط أيضا. ذلك لأن الثقافات الباقية، أو الطويلة العمر على الأقل، هي تلك المؤسسة على قواعد حضارية إنسانية. وطالما أننا نقف مع التفاعل الثقافي في إطار الانفتاح على العالمية، ونرفض في الوقت نفسه الغزو الثقافي المنطوي على الفرض والإكراه والإخضاع، فإننا مدعوون لتفعيل دورنا العلمي من خلال حوار الثقافات، فالتفاعل يتم بين طرفين أو أكثر يتمتعان بالقوة والقدرة على التأثير وعلى العطاء، ويصعب أن يتحقق التفاعل إذا ما كان طرف من الأطراف الدوليين غائباً أو ضعيفاً أو متهالكاً .
على ذلك، نرى أن الثقافة الإسلامية في طبيعتها البسيطة هي ثقافة إنسانية، أي أنها ذات مضمون إنساني ونزعة إنسانية، أما الغزو الثقافي فهو يتعرض مع هذه الثقافة الإسلامية، سواء كنا نحن الغازين أم نحن الذين نتعرض للغزو . فالغزو " هو من طرف قوي لطرف ضعيف، أو من غالب قاهر ، لمغلوب مبهور بقوة غالبه، فهو يأخذ منه ولا يعطيه ويأخذ ما لا يحتاج إليه، بل يأخذ ما لا ينفعه، وإن كان ينفع صاحبه، بل كثيراً ما يأخذ الضار ويدع النافع" .
ثانيا : تأثير العولمة على الثقافة العربية .
مفهوم الثقافة :
جميع السمات المادية والروحية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية ، وهي تشمل الفنون الآداب وطرق الحياة ، بالإضافة إلى الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات .
أساسيات في الثقافة والعولمة :
· عدم وجود ثقافة عالمية واحدة بل ثقافات متنوعة تعمل كل منها بصور تلقائية.
· العلوم و التكنولوجيا هما عنصران من عناصر الثقافة وبالتالي فإن عدم امتلاكهما والاضطرار إلى استيرادهما من الخارج لا يمس بالهوية الوطنية والقومية ، غير أنه عندما يتحولان إلى وسيلة تستغل من قبل الدول المصدرة للتكنولوجيا والمعرفة لاختراق ثقافات أخرى فإن الأمر يختلف ، وهنا يبرز الاختراق الثقافي وتظهر الحاجة إلى التوازن عند الانفتاح على العالم الخارجي
· من الثقافات ما يميل إلى الانغلاق ومنها ما يسعى إلى الانتشار والتوسع.
* الثقافة التقليدية التي تتميز بالجمود ومقاومة التجديد.
* الثقافة العصرية التي تميل إلى الانفتاح على العالم الخارجي .
و يستعرض الدكتور نبيل علي في كتابه ( العرب و عصر المعلومات ) أمثلة عديدة للتأثير بين التكنولوجيا و الثقافة العامة للمجتمع ، و هو ليس تأثيراً سطحياً كما يقول بعضهم ، بل هو تأثير عميق و قوي يتصل بالأبعاد الثقافية المختلفة للمجتمع وما نستورده من الغرب ليس مجرد منتوجات أو آلات ، بل سلوك و قيم و معايير، وبقدر احتياجنا لاستيراد تلك المنتوجات ، فإننا نستورد معها الأفكار والفلسفات ، وقد لا يتم ذلك برغبتنا و لكنه واقع الانفتاح و التطور .
و من البديهي أن الثقافة المصدرة لن تكن محايدة و لن تتصف بالعالمية ، بقدر ما هي تصدير لثقافة الأقوى ، هنا ستكون العولمة هي الظاهرة المتسيدة و ليست العالمية وثمة فوارق بين كلا المفهومين ........
فبينما تتحقق العولمة في تنميط الشعوب و توحيد الأذواق ، و فرض الاختيارات بالقوة والتهديد ، بما يغذي النزاعات العدائية بين الأمم و الحضارات تتقدم العالمية لتقريب العالم ، ويتفاعل كل عالم من العوالم إيجابياً في رسم اللوحة العالمية . إذن نحن أمام محاولات هيمنة و تعميم الهوية الثقافية ، و لهذا علينا دعم أدوات التفاعل مع الحضارات الأخرى ، و أن نتحول من حالة الاستقبال و الانتظار السلبي إلى فاعلية الإرسال و الاستقبال ، سيكون في ذلك فائدة ليس لنا فحسب بل للعالم أجمع ، إذ إن ثمة ضرورة لتعدد الثقافات في العالم و تباينها حسب مصلحة الإنسانية .
وسائل تأثير العولمة على الثقافة العربية :
ö تقنيات الاتصالات.
ö الإنترنت .
ö السياحة .
ö الاستثمار الأجنبي المباشر .
ö العلاقات التجارية الدولية .
ö وسائل الإعلام المختلفة .
<P cla

ساحة النقاش