الأهداف الاستراتيجية لحزب الله وإيران
في الحرب الأخيرة
وأسرار آلية انتصارهم على إسرائيل
بقلم : خالد كساب محاميد
تاريخ النشر : Tuesday, 25 July 2006
المحامي خالد كساب محاميد
الناصرة
الأهداف الاستراتيجية لحزب الله وإيران في الحرب الأخيرة
وأسرار آلية انتصارهم على إسرائيل .
تتردد كثيراً في الصحف الإسرائيلية المقولة المصورة والعاكسة لأحد الأوضاع العسكرية بين الخصمين التي مفادها "من الممكن ان تخسر معركة لتربح الحرب كلها" او بالعكس " انت تربح معركة واحدة لكنك تخسر الحرب كلها".
لا يمكن لنا أن ننظر إلى الحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل على لبنان دون أن نرجع إلى سبر غور الأهداف النهائية للحرب كلها والتي يحددها المبتدأ فيها – حزب الله.
صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية كشفت ما يلي في مقال بقلم الصحافية المختصة بالعالم العربي "سمادار بيري" كاتبة : " يومين قبل اجتماع قادة مجموعة الثمانية في سانت بيتيرسبورغ في روسيا اتجه مبعوث إيراني – علي لريجني – الى دمشق وسلَّم لكبير جهاز العمليات لدي حزب الله كلمة السر لعملية الاختطاف. حُدِدَ التوقيت, ومقاتلو حزب الله توجهوا لتنفيذ العملية. في طهران عرفوا بأن إسرائيل "ستقيم الدنيا وتقعدها" وحينها سيعالج موضوع البرنامج النووي الأيراني بشكل هامشي" ( في اجتماع مجموعة الثمانية).
هل حققت العملية التي قام فيها حزب الله أهدافها الإستراتيجية في تحييد مجموعة الثمانية من اتخاذ قرارات ضد المشروع النووي الايراني؟ من الواضح أن الجواب هو بالإيجاب!!!
هل الثمن الذي يدفعه حزب الله , ايران وشعب الصمود اللبناني هو ثمن مدروس ومقدور عليه مقابل تحقيق الأهداف الإستراتيجية للمقاومة اللبنانية إيران سوريا.
من ما تقدم أعلاه نستطيع أن نفهم بأن الساسة في ايران سوريا والمقاومة اللبنانية استطاعوا أن يلعبوا اللعبة بشكل تتحقق فيه أهدافهم الإستراتيجية.
علما بان إسرائيل, وهذا هو صلب الموضوع في هذه الحرب, هي التي كانت المبادرة إلى رفع موضوع البرنامج النووي الإيراني على سلم الأولويات في الساحة الدولية وجدول أعمال قادة العالم.
ما هو موقف اسرائيل الان من البرنامج النووي الايراني؟ هل ستكون اسرائيل قادرة على شن حملة دولية ضد البرنامج النووي الايراني وفيما اذا قامت بذلك هل ستستعمل ايران هذا الميكانيزم مرة اخرى؟
كلمة السر في التخطيط الإيراني في المعركة الأخيرة تكمن في الفهم الإيراني المسبق لرد فعل الإسرائيليين على عملية الإختطاف وهذا ما تلخصه لنا سمادار بيري بأن اسرائيل "ستقيم الدنيا وتقعدها" أي بأنها ستتصرف بجنون . علماً بأن هذا يعني عسكرياً بأن إسرائيل ستقوم بأعمال تفقدها السيطرة على مجريات الأحداث الإستراتيجية وتفقدها السيطرة على التفكير السليم. وهذا هو الهدف الذي ينشده كل عسكري يخطط للانتصار في الحرب الشاملة.
نتوصل هنا الى كشف "السلاح النووي" الذي استعملته ايران سوريا وحزب الله في هذه المعركة : وهو رصد التصرف الاسرائيلي واستخدام ما يسمى "الذات المدركة الاسرائيلية" لنفسها ورد فعلها على المبادرة العسكرية الايرانية السورية.
لنتمكن فهم هذا الميكانزم كان لا بد لايران ان تدرس التصرفات الاسرائيلية وان تحلل تركيبة شخصية الاسرائيل ومكونات قواه النفسية وعملية اتخاذ قراراته.
لن اكون مخطئا عندما احدد بان التجربة الفلسطينية في الصراع مع اسرائيل وخاصة منذ الانتفاضة الاولى هي التي لخصت للقادة الايرانيين هذا الميكانزم الذي فيه "طاقة تدمير ذاتية" للكينونة الاسرائيلية.
هذا هو الميكانيزم الذي على الشعب الفلسطيني استعماله وفقا لشروط نضالنا ضد خصمنا التاريخي واذا اتقنا استعماله فسيكون مصير الصراع الفلسطيني الاسرائيلي حتما لتحقيق قرار الامم المتحدة 181 منذ 1947 وعودة اللاجئين.
لنوضح ذالك نلخص الدراسة التي قام فيها الدكتور مصلح كناعنة المحاضر في جامعة بير زيت والدكتورة ماريت نتلاند في كتابهما "أعماق الذات المنتفضة"(1)
الصمود الفلسطيني أمام المخطط الذي يُنفذ لتهجيره له أسرار التي في فهمها بدقة نستطيع أن نتحول من "صامدين مدافعين" إلى "صامدين مهاجمين".
في الكتاب البحثي الرائع للدكتور مصلح كناعنة والدكتورة ماريت نتلاند "أعماق الذات المنتفضة"(1) يتعرض الكاتبان إلى تحليل ظاهرة الصمود الفلسطيني أمام العنف الإسرائيلي، وهو من روائع التحليلات والتي، في رأيي، فيما إذا طوّرنا تحليل المُرَكِبات المُكَّوِنة لنظرية الكاتبين، نستطيع أن نتوصل إلى تحويل الصمود من "الصمود الدفاعي" إلى "الصمود الهجومي" إذا أدخلنا مفهوم "جدلية التأثير المتبادل" بين "أعماق الذات المُضْطَهِـِدَة" و"أعماق الذات المنتفضة".
إن كشف روابط هذه الجدلية وهذا التأثير المتبادل بين "الذاتين"، وهذا ما سأحاول بتواضع القيام به، هو الذي سيعطينا القوى التي ستحول "مقدرة الفلسطيني على دفع الثمن النفسي والعقلي لهذا التحمّل دون أن يصل إلى الإفلاس أو الإنهيار، إلى رسم طرق نضالية سيكولوجية تُدْخِل مُضْطَهِدَه إلى وضع "نفسي وعقلي ليوصله إلى الإفلاس أو الإنهيار".
لكي ندخل إلى مجال جدلية التفاعل المتبادل بين الخصمين في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، علينا أن نُـقـر بأن الصراع بين الخصمين يتكون من صراع على أشكال مختلفة من القوى التي تتنقل من خصم إلى آخر في حين يكون هدف الخصم ترجيح كفته هو ضد خصمه. هذه القوى تشمل العديد من الأشكال، كالدعم الأجنبي المادي المباشر، التفوق الأخلاقي، الدعم السياسي الدولي، تأييد الرأي العام الداخلي، رأي رجال الدين، الوضع النفسي والقوى الفكرية داخل المجتمع، وما إلى ذلك من ظواهر وأشكال.
ولنعد إلى كتاب كناعنة ونتلاند. في فصل "مدخل نقدي للدراسات حول تأثير العنف الإسرائيلي على الصحة النفسية للشباب الفلسطيني"، يلخص الباحثان للقارئ الوقائع التي شكلت الخلفية العلمية الموضوعية لبحثهما كما يلي:
"منذ بداية الانتفاضة الحالية في 28 أيلول 2000 وحتى كتابة هذة السطور في 13 تشرين الأول 2002، أدّى العنف الاسرائيليّ ضدّ شعبنا في المناطق الفلسطينية إلى وقوع 2087 شهيدا وأكثر من 41000 جريح (حوالي 2500 منهم أصيبوا بعاهات مستديمة)، واعتقال أكثر من 15000 (حوالي 6000 منهم ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال)، وهدم أكثر من 1600 منزل واصابة 14436 منزلا آخر بأضرار جسيمة (مما حرم أكثر من 96000 انسان من بيوتهم)،
واقتلاع حوالي 40000 من أشجار الزيتون، وتجريف ما يزيد على 30000 دونم من الأراضي الزراعية، ومصادرة 1162 دونما من الأراضي، وتحويل حوالي 58% من القوة العاملة الفلسطينية إلى عاطلين عن العمل، وانزال 75 % من مجمل الفلسطينيين تحت خط الفقر. ولا تزال ممارسات القمع الاسرائيلي ضد شعبنا تزداد عنفًا ووحشية يومًا بعد يوم، لتزرع المزيد من الدّمار والقهر وتحصد المزيد من الضحايا والمقْْت في الضفّة والقطاع." (4)
أود الإشارة إلى أنني أعتبر التحليل العلمي البارع والدقيق الذي قدمه لنا الباحثان في الكتاب هو من العلوم الموضوعية التي تُجنّبنا الإدعاء بأنها شعارات سياسية فلسطينية فضفاضة. يكفينا أن نلقي نظرة إلى الببليوغرافيا في آخر الكتاب لنكتشف غزارة المصادر المختلفة من دول وقارات عديدة التي تجعل الكتاب مرجعًا لكل الإنسانية.
يستمر الكاتبان: "إلا أن كل هذه الحقائق الإحصائية لا تعبّر سوى عن جزء بسيط من المعاناة الحقيقية لأبناء وبنات الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة،... (الأمر الذي) يجعل المراقب الخارجي عاجزًا عن فهم مقدرة المُعْتَدي على التمادي في التنكيل ومقدرة المعتدى عليه على الاستمرار في التحمل... وعلى ضوء ذلك فإن بطولة الشعب الفلسطيني تتجسّد أكثر ما تتجسّد في صموده، وصموده يتلخّص في مقدرته على تحمّل المعاناة رغم الخسارة والقهر، والحفاظ على توازنه رغم كل ما يحل به من عنف وتدمير وتنكيل. إلا أن للصمود ثمنا يجب أن يُدفع، وعلى من يَدفع هذا الثمن ان يكون قادرًا على تحمّل الخسارة والضرر المُتَرَتِّبَيْن على ذلك. هذا هو الصمود على الصمود. وهو المقدرة على تحمّل الثمن النفسيّ والعقليّ الباهظ للصبر والمقدرة على تحمّل الألم والمعاناة. هذا الصمود على الصمود هو المحكّ النهائي لمقدرة الشعب الفلسطيني على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى زواله. والواقع أن ما يثير التعجب والإعجاب بالشعب الفسطيني الرازح تحت آلة الحرب الهمجية هو ليس صموده بقدر ما هو صموده على الصمود، ليس مقدرته على تحمّل المعاناة بل مقدرتة على دفع الثمن النفسي والعقلي لهذا التحمّل دون أن يصل إلى الإفلاس أو الانهيار. ومع أن الغالبيّة العظمى من الفلسطينيين في الضفة والقطاع قادرة على الصمود، إلا أن هناك أعدادًا متزايدة ممّن لا يستطيعون الصمود على الصمود. فبعد عقود من القهر والبطش والإحباط وصل بعض الفلسطينيين إلى الانتفاضة الحالية برصيد نفسيّ وعقليّ لا يحتمل الخسارة الفادحة التي تترتّب على الثمن الباهظ للصمود في وجه عنف فاقت وحشيّتة كل ما تعودوا عليه، ولذلك يؤدّي الثمن الباهظ للصبر وتحمّل المعاناة بمثل هؤلاء إلى الإفلاس والانهيار. ومنهم من ينهار فيهمد، ومنهم من ينهار فينفجر، ومنهم من ينهار فيكوّن في داخلة بركانا ينتظر أقل زلزلة ليثور. ومنهم من نفجر فيدمر العدوّ، ومنهم من ينفجر فيدمر من حوله واقرب الناس إليه ومنهم من ينفجر فيدمر ذاتة لا غير...
... إن انهيار المنهارين في السياق الفلسطيني يحيّر الباحث بمقدار ما يحيّره صمود الصامدين. والواقع أن كل ما يقوم به الفلسطينيون يُعتَبر من وجهة نظر المراقب الخارجي خارقًا
ومثيرًا للتساؤل: فإن صبروا، كيف يمكنهم أن يصبروا إلى هذا الحد، وإن انفجروا، كيف يمكنهم أن ينفجروا بهذا الشكل… إن فرحوا، كيف يمكنهم الفرح رغم كل الألم والمعاناة، وإن حزنوا، كيف يمكنهم الاستمرار في الحياة رغم كل هذا الحزن… إن تفاءلوا، كيف يمكنهم التفاؤل في هذه الظروف الحالكة السواد، وإن تشاءموا، كيف يمكنهم العيش وكأن المستقبل مُلك أيديهم؟... مَن هذا ومَن ذاك؟ وكيف يمكن أن يخلق نفس جو العنف والقهر كل هذه الأنواع المتناقضة من الناس؟ كيف يمكن لنفس ظروف العنف والقهر أن تدفع بأحد الشبّان إلى تفجير نفسه، وتدفع بأخيه إلى الإصابة بصدمة لأنه لا يستطيع أن يستوعب أن أخاه أَقدَم على تفجير نفسه؟ وكيف يمكن لنفس ظروف العنف والقهر أن تخلق شابًا يستميت في الوصول إلى عمله في مستوطنة يهودية، وجارًا له يستميت في منعه من الوصول إلى المستوطنة؟
هذا هو التحدي الحقيقي لكل باحث يريد أن يفهم تأثير العنف الإسرائيلي على أطفالنا وشبابنا وأبناء شعبنا بشكل عام. فتركيز أضواء البحث على حالات الفشل والانهيار لا يزيد في فهمنا شيئًا، وتعصّب الباحثين لمقولة أن العنف لا يُنتج إلا السلبيات والمَرَضيات لا يقلّ سوءًا عن تعصّب السياسيين لمقولة أن العُنف لا ينتج إلا الشجعان والأبطال. فالعنف بحدّ ذاته لا يُنتج هذا ولا ذاك، وإنما التعرض للعنف كتجربة إنسانية إدراكية هو الذي يُنتج هذا أو ذاك، حيث أن تجربة الإنسان الإدراكيّة مع العنف (وبالتالي تأثير العنف على نفسيّة المتعرّض له) هي محصّلة لكل ما مَرّ به ذلك الإنسان من تجارب في حياته، منذ لحظة ولادته إلى لحظة العنف ذاتها، وكل ما انتقل إليه من تجارب آبائه وأجداده وأصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاته المُدركة. فنوعية إدراك الذات لحدث العنف وردّها عليه تحدّدهما ماهيّة الذات المدركة في لحظة الإدراك، وماهيّة الذات المدركة في لحظة الإدراك هي مُجْمَل تجاربها في كل لحظات الحياة وهذا المجمل يختلف من فرد إلى آخر ففيه الكثير من أوجه الاختلاف والخصوصيات، وفيه الكثير من أوجه الشبه والتجارب التاريخية المشتركة. وأوجه الشبه تؤدّي إلى أنماط، أما أوجه الاختلاف فتؤدي إلى اختلاف الأنماط.
وبنفس المنطق نقول إن الانتفاضة الحالية كظاهرة شعبية جماعية، بكل ما فيها من بطولات وتضحيات ومن انتصارات وانكسارات، هي محصّلة حتمية لمجمَل تجارب المنتفضين.
فهم التأثير التراكمي لمُجمل تجارب الفلسطينيين - والجيل الشاب منهم على وجه الخصوص – مع العنف الإسرائيلي بكل أشكاله، هو إذن مفتاحنا الوحيد لفَهْم ما يحدث الآن وما لذلك من تأثير على مستقبل المجتمع الفلسطيني وثقافته وأخلاقياته... إن موضوع العنف الإسرائيلي المتزايد وتأثيره على مجتمعنا وثقافتنا وأخلاقياتنا، وعلى حياة ومصير أبناء شعبنا، هو من الأهمية والخطورة بمكان بحيث يضطرّنا إلى أن نعيد النظر جدّيًا بمقولات معرفتنا والمبادىء التي نبني على أساسها فهمَنا للموضوع.
وعلينا بهذا الخصوص ألا ننسى أنه في تعاملنا مع أعماق النفس البشرية الجريحة فإن ما لا ينفع ليس فقط لا ينفع، بل يمكن أن يضرّ ويهدم ويحطّم." (5 )
وبما أن التحليل هو علمي موضوعي، فأن الآليات والتحاليل والنظريات والاستنتاجات التي يعلمنا إياها الكتاب لا بد وأن تكون سارية المفعول بالنسبة لدراسة "السيرة النفسية والاجتماعية" لأبناء الشعب اليهودي وخاصة الإسرائيلي الذي نشأ في جو الألم والأمل والإحباط خلال ألفي سنة من اللاسامية ومن عنف الأوروبيين ضدهم، والذي تتوج بالهولوكوست، وكذلك "بالعنف الفلسطيني" إن صح التعبير.
يجدر بنا في هذه الحالة أن نكون موضوعيين، حيث أننا نضع الخصمين تحت تمحيص مجهر ونظريّة، ورهن مقاسات واحدة، وفي حالتنا هذه يكون هذا المجهر وهذه النظرية والمقاسات فلسطينية الهوية. وفي نفس الوقت نكون قادرين على فحص وتحليل تداخل التأثيرات وتبادلها بين الخصمين، بين الشحنات النفسية المتولدة من جراء العنف المتبادل التي تخلق ردود فعل متبادلة، وهكذا لا نترك موضوع بحث العنف يتيما بل نمنحه أبا وأما (واللذين، في رأيي المتواضع، هما هتلر والنازيون).
لكي ندخل هذه المعلومات إلى عملية تفاعلها وتأثيرها المتبادل بين الخصمين، الإسرائيلي والفلسطيني، والتي في نهاية الأمر تحدد شكل ومنحى الصراع بين الخصمين، لا بد أن نشير إلى معلومات من ذات النوع التي تتكدس في "أعماق الذات الإسرائيلية". في رأيي، ما يتفاعل في نفس وذهن الإسرائيلي من معلومات حول البيوت المهدمة التي سكنها ستة ملايين من اليهود في أوروبا والمصانع والأشجار والأملاك المصادرة لهؤلاء الضحايا، هو الذي يحدد العلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي. فلنضع الأرقام مقابل الأرقام. فعندما يَعـُد الفلسطيني 2087 شهيدًا، لا يعد الإسرائيلي الضحايا التي تسبب فيها الفلسطيني بعملياته العنيفة ضد الإسرائيلي (حوالي الف ضحية) بل يعد ستة ملايين من الضحايا اليهود الذين قتلوا في المحرقة التي تسببت فيها الحضارة الأوروبية. وعندما يعد الفلسطيني 41000 جريح، لا يعد الإسرائيلي جرحاه الثلاثة آلاف الذين تسبب في جرحهم العنف الفلسطيني فحسب، بل يعد كل يهود العالم وكأنهم جرحى من جراء "صدمة / تراومة المحرقة".
وهكذا تكون المقارنة التي يجعل الفلسطيني، كما يصفه الكاتبان: "يدفع الثمن النفسي والعقلي لهذا التحمّل إلى أن يصل إلى الإفلاس أو الانهيار."
يتوجب علينا أن نتوقف هنا لتحليل بعض المقولات العلمية السابقة وربطها مع الحالة الجدلية التفاعلية التأثير بين الذات الفلسطينية والذات الإسرائيلية.
نرى أن الكاتبين يعتمدان على الحدث العنيف أو "التعرض للعنف كتجربة إنسانية إدراكية".
لتبسيط الأمر دعونا نفترض بأن الحدث لدى الإسرائيلي هو عملية فدائية فلسطينية تقتل 5 إسرائيليين، ولنفترض بأن الحدث لدى الفلسطيني هو مقتل 5 فلسطينيين في قصف جوي إسرائيلي.
وفقًا لما يعلمنا به الكاتبان فإن "تجربة الإنسان الإدراكيّة مع العنف (وبالتالي تأثير العنف على نفسيّة المتعرّض له) هي محصّلة لكل ما مَرّ به ذلك الإنسان من تجارب في حياته، منذ لحظة ولادته إلى لحظة العنف ذاتها، وكل ما انتقل إليه من تجارب آبائه وأجداده وأصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاته المُدركة"، هي التي تحدد رد فعل المتعرض للعنف.
في هذا المضمار دعونا نفحص ما هي الذات المدركة لدى الفلسطيني والذات المدركة لدى الإسرائيلي. فإن الذات المدركة لدى الإسرائيلي والتي تعتمد على ما مر به طيلة حياته وكل ما انتقل إليه من تجارب آبائه وأجداده مليئة بالمشاهد التي يُدركها هو نفسه، من مقتل آبائه في أفران الغاز والعنف الذي تعرض له أجداده طيلة ألفي سنة من اللاسامية. هذه هي الذات المُدْرِكة. ولهذا فإن قنبلة فلسطينية واحدة تؤجج لدى الإسرائيلي كل العنف الذي تسببت فيه حضارة أوروبا في الذات المدركة الإسرائيلية. وبرأيي يكون رد فعل الإسرائيلي على العملية الفلسطينية متناسقًا مع ما أحدثته آلة الدمار النازية بما يوازي قوة 100 قنبلة نووية (القوة اللازمة لقتل ستة ملايين من اليهود الذين قتلوا بدون ذنب بسبب الحضارة الأوروبية).
لتوضيح هذه المعادلة بالأرقام نقول إن الشهداء الفلسطينيين الألفين يوضعون في معادلة مقابل الستة ملايين يهودي، فيكون رد الفعل الإسرائيلي بنسبة 3000 إلى واحد، الأمر الذي يتحمله الفلسطيني.
ورد الفعل الإسرائيلي هذا هو ما يواجهه الفلسطيني في نضاله اليومي. وبناء عليه فإن الفلسطيني في هذه الحالة يدفع ثمن آثام النازيين وكأنه هو الألماني النازي في هذه المعادلة الذي تسبب في مقتل ستة ملايين من اليهود في أوروبا. (هذا ما استغله الرئيس الايراني في قراره بدء هذه الحرب)
وبما أننا نريد أن نحلل العملية التفاعلية بين الذات الفلسطينية والذات الإسرائيلية، فعلى نفس النمط نجد أن الذات المدركة الفلسطينية في رد فعلها تعتمد "على ما مر به طيلة حياته وكل ما انتقل إليه من تجارب آبائه وأجداده"، والذي يرتكز على المعلومة بأن الشعب الفلسطيني دفع لقضيته العادلة ما يقارب المئة ألف شهيد قتلوا أثناء الصراع على يد "الذات الإسرائيلية". وعليه يكون رد فعل الفلسطيني مليئًا بالحيرة، وهذا ما نفهمه من سؤال الكاتبين: "فإن صبروا كيف يمكنهم أن يصبروا إلى هذا الحد، وإن انفجروا كيف يمكنهم أن ينفجروا بهذا الشكل." أنهم ببساطة يصبرون لأنهم مدركون بأن وعي الإسرائيلي الذي يحدد العنف الإسرائيلي تجاههم إنما يعبِّر عن انعكاسات آثام الأوروبيين في الذات المُدركة الإسرائيلية. وبما أن الفلسطيني مُدرك لهذه الحقيقة في عقله الباطني فإنه يسخر من ضعف الإسرائيلي والأوروبي والأمريكي في تحميلهم كاهل الفلسطيني آثاما لا دخل له فيها سوى إنه يقاومها من قبيل مقاومة العنصرية. وهو بهذا يدرك التزييف في تصرف الإسرائيلي، لأن الفلسطيني في عملياته العسكرية النابعة من الصراع
على وجوده وبقائه في وطنه التي تكون مشروعة أخلاقيًا والتي لا ينبغي أن تدعو إلى هذا الكم الهائل من ردة الفعل الإسرائيلية، يدفع ثمن رد فعل الإسرائيلي على جرائم النازيين والتي لا تشريع أخلاقيا لها والتي لا ذنب للفلسطيني فيها.
وكأننا نتصور بأن جنديا إسرائيليا يشغّل جرّافاته لهدم بيت الفلسطيني الأمر الذي يستدعي في مخيلة الفلسطيني تجاربه وتجارب أجداده مع العنف، (بما يضمن ذلك مفهوم المروءة الطنيب الانفة الكرم إغاثة الملهوف ) وفي نفس اللحظة يتخيل الفلسطيني بأن هذا الجندي الذي يهدم بيته هو في صراع مستمر مع مخلفات هتلر في عقله ونفسه وذاته المدركة، والذي لم يحسمه بعد، والذي من الطبيعي والمفروض أن يمنع الإسرائيلي من إتباع العنف ضد الفلسطيني.
وعليه فإن قدرة الفلسطيني على الصمود تنحدر من الوضع النفسي المتردي الذي يتموضع الإسرائيلي فيه، وهو بهذا يكون أقوى من الإسرائيلي على الثبات والصمود. هذا ما أعنيه بالتفاعل المتبادل بين الذاتين المدركتين للعنف. وهو سر الصمود الفلسطيني وبذور تحقيق حق العودة.
عبّر الشاعر الفلسطيني المغترب صلاح محاميد عن هذه العلاقات بأبياته الشعرية الثاقبة حين كتب مخاطبًا اليهود في سربيته (ملحمة) شظايا الروح قائلاً:
"ماذا تريد؟
أكلما هب نسيم/على قاموس/ الفولاذ / والرصاص
أكلما / فاح عطر الياسمين / على هاوية المقصلة / والمحارق الايديولوجية
أكلما/ طار عصفورٌ / وبرعم البرقوق
أكلما / ابتسم طفل / وترعرع الزعتر / في مفاصل / صخرة مشاريعك
أكلما / عشنا / صرت تهيج / تجتر سواد القرون / في القارات المشيخة" (6)
لسبب ما يرى الشاعر والمفكر صلاح محاميد بأن مجرد تنفس الفلسطيني الهواء، وليس حصرا العنف، يثير لدى الإسرائيلي ردود الفعل على المحرقة. هذا ما أفهمه من الأبيات " أكلما عشنا/ صرت تهيج/ تجتر سواد القرون/ في القارات المشيخة". (فكم بالحري اختطاف جنديين؟)
لنعد الآن إلى النص العلمي للكاتبّيْن لنستطيع أن نضع الأمور في نصابها فنقرأ: "في تعاملنا كأخصائيين وباحثين نفسيين مع تأثير العنف على الصحة النفسية، فإننا نتعامل في الواقع مع حالات نفسية غير مألوفة... على أنها أمراض ينبغي تشخيصها ومعالجتها." (7).
ينبغي الإشارة هنا بأن تحليلنا الجدلي سيقول بأن الحالات المَرَضِّيَة غير المألوفة ربّما تتكون لدى الشعب الفلسطيني من 100000 حالة!!! لكننا فيما إذا انتبهنا بأن عدد اليهود الذين دفعوا بحياتهم ثمنًا للعنصرية في أوروبا هم ستة ملايين -العدد الذي يضاهي عدد سكان إسرائيل في سنة 2006- نرى بأن الحالة المرضية لا يمكن أن تعتبر حالة غير مألوفة لدى إسرائيل، بل ربما تكون هي الحالة الطبيعية، وبهذا تكون المقاييس في المعادلة السياسية لدى الخصمين قد تحطمت.
"ما يسببه العنف لدى المتعرض له يتلخص في بعض الظواهر التي تتلخص في "حالة الخوف أو الحزن أو الغضب أو الهَيَجان أو فُقدان المقدرة على التركيز أو الاستغراق في أحلام اليقظة، التي تعقب التعرض لأحد أحداث العنف، ليست مرضًا أو عطبًا في النفس بل محاولة النفس الدفاع عن نفسها واستعادة اتزانها في مواجهة تعديّ الواقع الخارجي عليها." (7)
إن حالة فقدان المقدرة على التركيز ما هي إلاّ الحالة التي يريد فيها الخصم أن يدخل خصمه إليها لكي لا يستطيع الخصم أن يستعيد اتزانه ليتمكن من مواجهة تعدّي الواقع عليه لتكون النتيجة ضعضعة أركانه وهزيمته.
كل الدراسات التي تطرقت إلى سبر غور النفس اليهودية تشير إلى أن رفع موضوع محرقة اليهود إلى الوعي اليهودي يدخل العقل اليهودي في ما يشبه السحر، بفقدانه القدرة على التفكير. فإذا كانت الذات المدركة اليهودية هي كالمحرك الذي يشتغل لكنه يبلي نفسه كما وصف البروفسور يان باستيناس في جامعة لييدن-هولندا مرضاه الناجين من الهولوكوست والذين عانوا مما يسمى "أعراض مخيمات التركيز" والذين وصفهم البروفسور بأنهم كالسيارة السائرة التي يرى الناس اليها بأنها جيدة – لكنها للأسف تكون تبلي محركها وتدمره" (8) - فأن إدخال العقل اليهودي للتفكير في أمر المحرقة سيؤجج بالتأكيد لدى هذا العقل كل التجارب العنيفة التي مر بها الشخص اليهودي نفسه ومر بها آباؤه وأجداده.
يعلمنا الكاتبان بأن هدف العنف هو إفقاد الخصم المقدرة على التركيز والتفكير. وهذا ما نفترضه من هدف العنف الفلسطيني. ولكن الإسرائيليين يُعَلِّموننا بأن رفع موضوع المحرقة أمام الإسرائيلي، بتصديق حدوثها، يؤجج لدى الإسرائيلي نفس رد الفعل. فلنرَ رد الفعل هذا لدى الإسرائيلي من خلال اقتباسنا للحادثة التالية التي جاءت على لسان السيدة "روت شطيرن" التي تسكن كيبوتس مجيدو الذي بني على أنقاض قرية اللجون، وهي آرمجدون التوراتية ومجيدون الكنعانية، والتي ولد فيها والدي وهجروه منها، وما زلنا نزور قبر جدي المدفون هناك. تروي السيدة شطيرن مذكرات لها نُشرت في كتاب(9) الذي احتوى على مقابلات ومذكرات أعضاء الكيبوتس نفسه، أعدته السيدة روت التي تسكن بيتًا جميلا كلما أتذكره يعلو إلى مخيلتي البيت الذي ولد وترعرع أبي فيه وهُجِّرَ منه في اللجون والذي يشعرني بآسى التهجيرة والعنفوان والإنتفاض كلما فكرت بأنني أنا نفسي لم أولد فيه. فهي تكتب: "أذكر أن أمي رجعت يوما ما إلى البيت من المدينة وقالت لنا إنها التقت مع إحدى معارفها التي حدثتها عن تريبلانكا (معسكر الإبادة). تحدثت المرأة عن أحد الشباب من مدينتنا الذي هرب من تريبلانكا والذي حدثها عن تجربته: غابة تريبلانكا والأضواء التي أضاءت الطريق إلى "الحمامات" (التي أبيد فيها اليهود) المشهورة، أساليب حرق الجثث والتسميم بالغاز وباقي التفاصيل."
هكذا تحدثنا السيدة روت التي تسكن على أنقاض القرية التي ولد فيها وهجر منها أبي، عن ردة الفعل للعقل الإنساني واليهودي خاصة لسماع هذه التفاصيل المروعة، ومن ردة فعلها نستطيع نحن الفلسطينيون أن نبني استراتيجيتنا لمخاطبة السيدة روت والمجتمع الإسرائيلي لتحقيق أهدافنا الوطنية. فهي تكتب: "كل هذه الأوصاف كانت وكأنها "أسطورة غولية" لكنها تحققت بأن كانت واقعا شيطانيا، وما زلت أتذكر رد فعل أبي: لم يسمح لأمي بالإستمرار في روايتها. أبي المتفائل الأزلي، قاطعها بإدعائه بأن العقل الإنساني لا يستطيع أن يتحمل إعادة قص تخيلات كهذه. وفقط أناس غير عاقلين مستعدون لتنفيذ أعمال كهذه. كيف يمكن لإنسان أن يعامل أخاه الإنسان بمثل هذه المعاملة، إدعى أبي".
ما نريد أن نؤكده من قص هذه الرواية هو أن تأثير أحداث المحرقة على الوعي اليهودي يلزمه بدخول وضعية إدراكية "بأن العقل الإنساني لا يستطيع أن يتحمل إعادة رواية تخيلات كهذه".
هذا ما يؤكده لنا رد فعل السيد إيان ستافانس في نقاشه لمحاضرة ألقاها البروفيسور الفلسطيني نديم روحانا حول موضوع المحرقة في 18-20 نيسان 2001 في مؤتمر أعدته جامعة نورثايستين – بوسطون(10) فيقول: "أحييك (يا نديم) على وجودك هنا وعلى صدقك وصراحتك... ولربما وأكثر من أي شيء آخر، أحيي (عاقدي المؤتمر) على عدم دعوتهم لأحد الناجين من المحرقة. أحد الأقوال الشهيرة للسيد (إيرفين هاو) "فيما إذا تعرضنا لذكرى الهولوكوست نضع أنفسنا في وضع صعب وحدوديْ. لا نستطيع أن ننتقدها كأدبيات. علينا الإفتراض بأنها جيدة وعندها نكون كالمسحورين."
أمر فقدان السيطرة على العقل والتفكير يؤكده لنا مرةً أخرى مفعول سحر المحرقة على عقل الإنسان، أي أنسان.
العنف الفلسطيني كما ذكرنا أعلاه، فيما إذا تسبب بخمسة قتلى إسرائيليين يرفع موضوع المحرقة المُُكوِن للذات الإدراكية اليهودية وينجح في شل حركة التفكير الإسرائيلية لعدة دقائق، ويستدعي بالتالي ردة فعل عنيفة وكأن الإسرائيلي يرد على مقتل ستة ملايين من اليهود.
لكن رفع موضوع المحرقة، بتصديق حدوثها وتقبل أمرها من قبل الفلسطيني أمام وعي الإسرائيلي، على غرار مقولة سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم "أنتم أولى بموسى منهم فصوموا" (عاشوراء)، أو وفقًا للآية القرآنية الكريمة: "وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ" (البقرة: 41). سيكون له نفس تأثير العنف الفلسطيني على وعي النفس الإسرائيلية، ولكن بتأثير مقتل ستة ملايين من اليهود وليس مقتل خمسة. ولكن وهنا الأهم في لجم الإسرائيلي عن استعمال العنف ضد الفلسطيني. فماذا يكون قد كسب الفلسطيني في هذه الحالة؟ بدلاً من تأثير قتل خمسة من
اليهود على وعي الإسرائيلي، يكون تأثير قتل ستة ملايين حينما يضاعف هذا التأثير من جراء تحييد الإسرائيلي عن استعمال العنف.
يستمر الكاتبان في عرض أفكارهما التي نقتبس بعضها هنا:
"... العنف لا يدخل إلى نفسية الشخص كما يدخل المايكروب إلى جسده. فالعنف يبقى في الخارج ولا يدخل النفس بأيّ حال، ولذلك فتأثير العنف على النفس هو في صميمه علاقة إدراكيّة بين الذات المدرِكة والحدث المُدرك."
في علم النفس، التشخيص لا يؤدي إلى معرفة العلاج، لأن الحالة النفسية ليست مرضًا يعالَج بل حمّى (الحمى بذاتها ليست مرضا بل هي محاولة الجسم للدفاع عن نفسه واستعادة اتّزانه) يمكن أن تَنتج عن مسببات لا تحصى. فطرق التعامل مع حالات نفسية متشابهة يمكن أن تختلف باختلاف الأفراد، وباختلاف الأسباب.
في الحالات النفسية لا يمكن فصل العلاج عن المعالََج والمعالِج. فخلفية وشخصية وسلوك ومنهاج المعالِج والمعالَج هي جزء لا يتجزّأ من العلاج ذاته، لأن "العلاج" في الحالات النفسية هو علاقة إنسانية تفاعلية بين ذاتين مدركتَيْن.
هذا ينطبق بوضوح على ما يسمّى بظاهرة "توتر ما بعد الصدمة" (DSTP) الذي هو دراسة تأثير العنف على الصحة النفسية، والتي تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية: تقييم العنف، تقييم الصحة النفسية، وتقييم تأثير الأول على الثاني (على شكل معاملات الارتباط).
كل من يدرس علْم النفس يعلم أن معاملات الارتباط لا تعني علاقة سببية وليس لها أيّ ارتباط بالعلاقة السببية، وإنما معناها الوحيد هو تزامن بين ظاهرتين توجدان في نفس الوقت وتزيدان أو تنقصان في نفس الوقت، دون أن تقول لنا أي شيء على الإطلاق عما إذا كانت الظاهرة الأولى تؤثر على الثانية أو الثانية تؤثر على الأولى. فتأثير العنف على النفس هو علاقة إدراكية شعورية بين النفس وبين الحدث، وهذه العلاقة هي بذاتها علاقة بين مُجمَل ما في النفس ومُجمَل ما في الحدث. وليس بإمكاننا أن نحصل على فهم حقيقي لتأثير حادث عنف على نفسية إنسان إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار كل مكوّنات وأبعاد الحادث المدرَك، وكل مكوّنات وأبعاد النفس المُدرِكة. وهذا يشمل كل ما يتعلق بحادث العنف وبالشخص المتعرّض له، قبل الحادث، وأثناء الحادث، وفي أعقاب الحادث. فالحديث هنا هو عن مئات من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، وملابسات الحادث وسياقات مرتكبيه، وتجارب الشخص السابقة مع كل أنواع العنف، وأساليب توافُق الشخص وتأقلمِه النمطية في مواجهة الضغوطات والأزمات، ومدى مخزون الشخص العاطفي والإدراكي الذي يمكن أن يبذله في تأقلمه، وحتى سلوك وتصرفات كل من حاول تقديم المعونة منذ وقوع الحادث إلى لحظة وصولنا إليه. وكل هذا ليس كحقائق موضوعية أو معلومات يمكن جمعها من مصادر، وإنما كما يدركها الشخص نفسُه.
هذا الكم الهائل من العوامل لا يمكن لأيّ دراسة ان تحتويه وتوفيه حقّه. وعليه فالوسيلة الوحيدة للحصول على فهم شامل وكامل لتأثير العنف على الصحة النفسية هي الحصول على السيرة الذاتية الشاملة والكاملة للشخص الذي نريد أن نفهم تأثير العنف عليه... ومن خلال إعطاء الشخص الفرصة للتعبير عن آرائه وأفكاره ومشاعره بكل الأشكال والأساليب الممكنة... فالوسيلة الوحيدة للحصول على فهم شامل ومتكامل لتأثير العنف على الصحة النفسية بشكل عام، هي الاستنتاج واكتساب المعرفة من فَهْمنا الشامل والمتكامل لتأثير العنف على الصحة النفسية لهذا الفرد أو ذاك، وهذا يتطلب منا فهمًا شاملاً ومتكاملاً لنفسية الفرد. ولا يمكننا أن نفهم نفسية الفرد بهذا الشكل إلا من خلال فهم الفرد ذاته لنفسه ونفسيته. "
"ولتحقيق ذلك تُدرس السيرة الذاتية للمتعرض للعنف وبذلك يتحقق هدف الباحث للتعرّف على تعامل الشخص المدروسة ذاته مع ما ولّده العنف في نفسه من مشاعر وآراء وأفكار، ثم التعرّف على تعامل هذه الفئة من الشباب الفلسطيني بشكل عام مع ما ولّده العنف والقهر في نفوسهم."
"كيف إن التطورات السياسية العامّة على الساحة الفلسطينية تُرجمت على المستوى النفسي الفردي إلى مشاعر وآراء وأفكار وَجّهت إرادة الناس ودفعتْهم إلى الانتفاض حين نضجت الظروف ولم يعد هناك مجال لِلَجم ثورة الإنسان على الغبن والقهر والإجحاف."
لتوضيح العلاقة المتبادلة بين ما يدور في أعماق الذات الفلسطينية وبين أعماق الذات الإسرائيلية، وتأثرهما ببعضهما البعض, دعونا نقرأ من مقالة الصحافي الإسرائيلي الرائد يارون
لوندون "حسد الأصلانية" في موقع "يديعوت أحرونوت" الألكتروني -واي نيت- في تاريخ 17/4/2005: "الأصول البعيدة لحسد اليهود من مركبات هوية العرب، من الممكن أن نجدها في الهجرات الأولى... حين انفعل المهاجرون اليهود من ارتباط الفلاح العربي ومعرفته بطبيعة البلاد، ومن حياة البداوة الوحشية النبيلة ورد الفعل العنيف على المس بالكرامة. الطلب للاستماع للغريزة ورفض تقييدات المنطق تردد كثيرا في شعر أ. تس. غرينبرغ وخطابات مناحم بيغن. حتى أن إفرايم كيشون (الكاتب الإسرائيلي اليهودي الهنغاري)، المتشكك بارد المزاج، الأوروبي حتى النخاع، اقترح أن يعلن بأن مَنْطِقَنا (الإسرائيليين واليهود) احترق في الهولوكوست، وإن مسوا بنا نفجر العالم."(11)
ونحن نسأل: هل هو غريب هذا الربط بين نبالة الفلاح الفلسطيني وارتباطه بالأرض وبين إعلان الجنون والرغبة في تفجير العالم بسبب الهولوكوست؟ أم أن المقولة أعلاه تعكس بالضبط الحقيقة الساطعة بأن الفلسطيني يواجه الهولوكوست ذاته وإن العالم الغربي "المتنور المتحضر" أثقل كاهل الفلسطيني بكل الآثام التي اقترفها الغرب تجاه اليهودي، بدلا من أن يتحمل مسؤوليتها هو بنفسه؟
دعونا نقرأ جزءا مما كتب عن حياة رئيس محكمة العدل العليا الإسرائيلية، أهرون باراك، حين كان في السابعة من عمره: بعد تمكنهما من الهروب من الغيتو "كان يتوجب عليهما (هو وأمه) أن يتدبرا أمر مسكنهما، فأخذتهما الأقدار إلى أن يسكنا عند عائلة فلاحين مسيحية لتوانية. عند عائلة الفلاحين الغريبين مكثا ستة أشهر – كان الوضع صعبا، حيث أن الفلاح اللتواني كان أبيًا وكريم النفس فعمل كل ما في جهده لإنقاذهما، دون أجر. بدأت الإشاعات حول وجود اليهود تنتشر في المنطقة فخَيَّم الخوف من إمكانية قدوم الألمان لتنفيذ تفتيشات. في الغرفة الصغيرة التي سكن فيها أريك وأمه "لئه" بنى الفلاح اللتواني الغريب جدارًا مقابل وبمحاذاة إحدى واجهات الغرفة مع باب محكم الإغلاق للتمويه. بين الجدارين اضطر أريك وأمه أن يقضيا وقتا طويلا من الستة أشهر التي مكثاها عند الفلاح اللتواني الغريب. (11-1)
حقيقة مكوث اهرون باراك وسكنه ونومه خائفا مرتبكا من عنف النازيين الذين في كل لحظة كان من الممكن أن يقتلوه، بين جدارين، فترة ستة اشهر، والذي رأت عيناه كيف كان يُقتَل عشرات الآلاف من اليهود في ليتوانيا دون ذنب، ومر بتجربة مريرة مع العنف النازي، هو الأمر الذي يعتبر وفقًا للدكتور كناعنة والدكتورة نتلاند ""كل ما مَرّ به ذلك الإنسان من تجارب في حياته، منذ لحظة ولادته إلى لحظة العنف ذاتها، وكل ما انتقل إليه من تجارب آبائه وأجداده وأصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاته المُدركة." وهذا هو الأمر الذي يسمح لباراك أن يُشرّع بناء جدار على أراض ليست له على الرغم من إمكانية بناء الجدار على "حدود مقبولة دوليًا". لذلك نرى منطقية التحليل القائل بأن باراك في حكمه، للمفارقة الإنسانية العظمى، يعتمد أساسًا على كونه ضحية النازيين وبالتالي على صراعه مع أعمال هؤلاء. وإن اعتماده سيكون على أن العنف الفلسطيني يبعث فيه الأفكار التي تولدت لديه من جراء ما يلخصه الكاتبان أعلاه. فبهذه الحالة يوازي باراك بين الثمن الذي يدفعه الفلاحون الفلسطينيون من أراض مصادرة مقابل ما يعيه هو من عنف تسبب فيه النازيون ضد الشعب اليهودي. هذا لأنه يريد أن يمنع حدوث حدث العنف الذي سيتسبب به الفلسطيني الذي سيؤجج "كل ما مَرّ به ذلك الإنسان من تجارب في حياته، منذ لحظة ولادته إلى لحظة العنف ذاتها، وكل ما انتقل إليه من تجارب آبائه وأجداده وأصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاته المُدركة."
وهنا نجد كلمات الكاتبين في موقعها: "الوسيلة الوحيدة للحصول على فهم شامل ومتكامل لتأثير العنف على الصحة النفسية بشكل عام، هي الاستنتاج واكتساب المعرفة من فَهْمنا الشامل والمتكامل لتأثير العنف على الصحة النفسية لهذا الفرد أو ذاك، وهذا يتطلب منا فهمًا شاملاً ومتكاملاً لنفسية الفرد. ولا يمكننا أن نفهم نفسية الفرد بهذا الشكل إلا من خلال فهم الفرد ذاته لنفسه ونفسيته.
ولتحقيق ذلك تُدرس السيرة الذاتية للمتعرض للعنف وبذلك يتحقق هدف الباحث للتعرّف على تعامل الشخص المدروس ذاته مع ما ولّده العنف في نفسه من مشاعر وآراء وأفكار، ثم
التعرّف على تعامل هذه الفئة... بشكل عام مع ما ولّده العنف والقهر في نفوسهم."
وهذا ما يكشفه لنا ميخائيل بار زوهر حول تفكير دافيد بن غوريون: "الحلقة الضعيفة في التحالف العربي هو لبنان. سلطة المسلمين فيها مصطنعة. يجب أن نقيم دولة مسيحية هناك، والتي سيكون حدها الجنوبي نهر الليطاني. سنعقد معها تحالفًا. عندما سنكسر قوة "جيش الإنقاذ" سنقصف عمان ونبيد الأردن. وعندها ستسقط سوريا. وإذا تجرأت عندها مصر على الحرب، نقصف بور سعيد والإسكندرية والقاهرة." الأقوال المفاجئة هذه كشفت المضمون الخفي الباطني في تفكير بن غوريون، ولربما تكون الفقرة الأخيرة من أقواله هي الأكثر أهمية: "هكذا سننهي الحرب – وعندها نتحاسب بحسابات آبائنا مع مصر آشور وإرم".(12) نعم، بن غوريون أراد أن يجعل الفلسطيني يدفع ثمن آثام الفرعونيين، آشور وإرم، ولا يكتفي بآثام النازيين واللاساميين الأوروبيين.
الأمر بعينه يعبّر عنه الشاعر الفلسطيني صلاح محاميد بصراحة واضحة مخاطبًا اليهود:
"عشرون قرنًا / خانتك كرابيج العجم
تقمصت شكل الرصاص...
خمسون قرنًا / خانتك تأجيجات الكينونة
على عتبة الأهرامات
عما تبقى/من ضريح أتون
عما يعانق النيل/من صحراء فرعونية
من شرائع توت عنخ أمون.(13)
في مقابلة أجراها الصحافي الإسرائيلي أطيلة شومبليبي مع رئيسة حزب ميرتس وعضو الكنيست الإسرائيلي السابقة شولاميت ألوني، نشر في موقع " يديعوت أحرونوت" الألكتروني -واي نيت- في تاريخ 18/3/2004، تذكر ألوني القرّاء بأن "ناحوم برنياع (الصحفي الإسرائيلي) نشر في صحيفة يديعوت أحرونوت أن شارون قال أكثر من مرة إن "الدم اليهودي هو اللاصق الدبق الأكثر نجاعةً للحصول على اتفاق وتعاضد قومي بين اليهود. عندما يقل الإرهاب، تطفو الأسئلة، والإنتقادات تفيض، ويتعاظم التمرد. لا جدوى من إرهاب (فلسطيني) لا يُنَفَّذ، (انه يخلق) فقط باقات من الأشواك."(14)
كان ثيودور هرتسل قد بنى كل نظريته لبناء وطن قومي لليهود على الأسس المشروحة أعلاه. ففي كتابه "دولة اليهود" الذي شرح فيه كل طرحه، والذي لسببه فقدنا نحن الفلسطينيون وطننا، وفي الجملة الثانية من المقدمة يكشف لنا أن "صوت الصراخ ضد اليهود (اللاسامية) يعلو من أول العالم إلى آخره، وعلى خلفية ضجيج هذا الصراخ تفيق الفكرة النائمة" . ويكمل هرتسل فكرته قائلاً: "أنني أرمز، بتواضع، إلى أسنان وعجلات الماكينة التي ستُبْنى (لبناء دولة
اليهود)... الأمر المهم جدًا هو القوة التي ستحرك هذا المحرك. وهذه القوة ما هي؟ إنها ضائقة اليهود. من سيتجرأ على أن ينفي هذه الحقيقة؟ سنبحث هذا الأمر في الفصل الذي يتداول أمر اللاسامية". (15)
لا يلزمنا أن نفسر الماء بالماء، فهرتسل قالها على الملأ: اللاسامية المنتهجة ضد اليهود هي القوة المحركة لدفع اليهود لتنفيذ مشروع لبناء الوطن القومي لليهود.
لقد شرح هذا المفهوم الكاتب اليهودي أ. ب. يهوشوع في مقالة له حيث ينهيها كالتالي: "يتجلى شيء واحد؛ في ربط العلاقات الخاصة والمركبة بين دين معين وقومية معينة، تختبئ معضلة الهوية اليهودية، بما في ذلك شكل وإمكانية استمرار كينونتها، وكذلك معضلة علاقاتها المتبادلة مع محيطها الغريب. كل فكرة لتصحيح الأمر يجب أن تبدأ من هناك" (16). لماذا يعتبر الكاتب أن ارتباط مشكلة هوية اليهود مع محيطها الغريب هو أمر مهم؟ هذا لأنه يعتبر أن "المصير اليهودي المشترك" الذي يتمسك به اليهود وكأنه مرساة الهوية، يكون في بعض الأحيان رغبة أكثر منه حقيقة. لذلك وُلدت علاقة خاصة تجاه اللاسامية – من ناحية، غضب تجاهها وخوف منها، ومن ناحية أخرى انجذاب قوي لتداولها وتضخيمها لكي تُستعمل كالأسمنت المقوي في بناء الهوية اليهودية اللزجة المتسربة" (17).
ألامر واضح في شرح دور اللاسامية والعنف ضد اليهود في رسم هويتهم وبذلك سياستهم تجاه الفلسطينيين.
لنشير إلى ما ذكر أعلاه بصدق علينا أن نقرأ ما كتبه دافيد بن غوريون: "لو أنني كنت من أحد الزعماء العرب لرفضت قبول قيام ووجود دولة إسرائيل. هذا الأمر طبيعي جداً، لقد أستولينا على أراضيهم، التي بحسب التوراة وعدنا الله بها، ولكن ما يعنيهم هذا الوعد؟ عشنا تجربة العداء للسامية في اوروبا، كان هناك النازيون وهتلر وأوشفيتس والمحرقة. هل كل هذا ذنب العرب؟ العرب يرون فقط شيئاً وحيداً: لقد جئنا واستولينا على أراضيهم." (18)
عبر عن نفس الفكرة الجنرال موشيه ديان اثناء تأبينه لأبن كيبوتس ناحال عوز - روعي روتبرغ - الذي قتل في مواجهة عسكرية مع فدائيين عرب سنة 1956 في قوله: "ينظر إلينا في هذه اللحظات من رماد التاريخ الإسرائيلي ملايين اليهود الذين ابيدوا عندما لم يكن لهم وطن ويأمروننا بأن نستوطن ونقيم وطنا لشعبنا."(19)
يصيغ السيد موشيه كتساب رئيس دولة إسرائيل الحالي المولود في إيران هذه الأفكار في سنة 1978 على هذا القبيل: "يجب على أنماط التصرف اليومي لكل مواطني دولة إسرائيل أن تعكس تأثرها من إحداث المحرقة" (20)
"السيد غيرهارد ريغنير، محام أبن ثمانين عاما ويعمل في جنيف، شباك مكتبه يطل على البحيرة وعلى قصر الأمم القديم، مقر الأمم المتحدة، ريغنر كان منشغلا في نضال دولي، علني وسريّ والذي اداره الكونغرس اليهودي العالمي ضد إقامة دير مسيحي بجانب معسكر الإبادة
أوشفيتس في بولاندا... سألته لماذا الأمر مهم إلى هذا الحد. ريغنر قال بأن أوشفيتس لا تمثل فقط ذكرى قومية الذي يتبع للشعب اليهودي والذي لن يسمح لأحد آخر أن يسلبه من الشعب اليهودي، أوشفيتس تمثل ثروة دبلوماسية وسياسية مهمة في غاية الأهمية، وهي تمثل إدعاء دائما في شبكة العلاقات الدبلوماسية للكونغرس اليهودي ودولة إسرائيل".(21)
كان ريغنير أول من أوصل الخبر الموثوق حول إبادة اليهود المبرمجة حيث "عرف في أحد أيام صيف 1942 بأن النازيين يقومون بتجهيز خطة مبرمجة لإبادة ملايين اليهود، على الأغلب باستعمال الغاز. بعد بضعة أسابيع عرف أن الخطة تحولت إلى خطة تنفيذية. كان مصدر معلوماته رجل الصناعة الألماني إدوارد شولطه، الذي وصلت على الأغلب معارفه وعلاقاته إلى مقر قيادة ادولف هتلر نفسه.."(22)
اوري رمون ضابط إسرائيلي يصف في مقالة نشرت في "أوراق للابحاث عن المحرقة والتمرد" تحت عنوان "ذاكرة المحرقة في حرب الايام الستة مجموعة أ 1969" حالته قائلاً: "عندما شعرنا بأننا قريبون من الحسم وعندما كنت لابساً الزي العسكري وسلاحي معي, متسخا من الحراسة الليلية جئت إلى مبنى المقاتلين في الغيتوات. أردت أن أستودع الصور والذكريات والمقاتلين الذين توصلوا والذين لم يتوصلوا إلى هذا الموقف المعبر عن شعب يدافع عن وجوده. شعرت بأن الحرب بدأت من هناك في المحارق، في مخيمات في الغيتوات وفي الغابات... خرجت من البناية طاهرًا ومصقولاً وقوياً لهذه الحرب".
عضو الكنيست أرييه بن اليعيزر: "لم نكن قلائل حسبما يظن البع�


ساحة النقاش