قراءة من قريب

للمجموعة الشعرية ( لا شئ يبقى )

للشاعر المصرى

محمد رشدى عبد الباسط

إصدارات المجموعة الأدبية – مصر

 بقلم : عشم الشيمى – مصر

 

- 1 -

     وهكذا ينطلق الشاعر من جوف قمقمه ليطلع علينا بمجموعته الشعرية ( لا شئ يبقى ) بعد مسيرة شعرية تتعدى 10 سنواتٍ مبرهناً على مبدأ : " لا شئ يبقى " – فى الذاكرة - غير الجيد .  

   

    قسم محمد رشدى عبد الباسط ديوانه إلى ثلاثة أقسام :

1-  على حافة الكلمات .

2-  وقفة معى .

3-  اضطرابات .

     ونتساءل - إيجاباً -  هل كان الشاعر على وعىٍ بهذا التقسيم ؟ هل فكر مليّاً فى اختياره ؟

أجد " محمد رشدى " على درجةٍ من الوعى التام لتقسيمه ، فجعل له بدايةً ( على حافة الكلمات ) ،

وسط (وقفة معى ) ونهاية (اضطرابات ) .

 

    عندما نقرأ " محمد رشدى " الشاعر نجد الشخصية الإنسان داخل روايته الشعرية – إن صح التعبير _ فقد جعل من مجموعته الشعرية روايةً ورؤيةً له على الجانب الإنسانى فى الأساس لينطلق فى سلاسة إلى الجانب الشعرى المشكِّل لتكوينات  " محمد رشدى " ورؤاه .

 

     يتصدَّر المجموعة الشعرية بحكته الأبدية كى يبقى ، كى يتغنّى :

تكونين أو لا تكونينَ

ليست هى المشكلهْ

إنما - فى اشتياقٍ -

أحبِّذ رؤياكِ جاثمـةً فـوق أوراقنا

تسهرين ،

تضيئين للنغمات طريقاً

تباعد بينى وبين الأعاصير

حينئذٍ ..

تصبحينَ قصيدهْ ...

 

     يفتتح تصديره بالغناء من أجل الاستعداد لم أراد أن يحدّثنا ويشغلنا به .. فى بدايته ( على حافة الكلمات ) يعلو الجانب الإنسانى المتعمق فى النفس دون إلحاحٍ أو ترتيب من الشاعر نفسه ، إنه يتحدث تلقائياً – وعن وعىٍ – عن إحساسٍ .. هكذا نرى فى قصيدته ( رفاق ) :

 

هنيئاً

لكلِّ رفاقى الذين ينامونَ

فوقَ سريرى

ويقتسمون رفاتى

هنيئاً لهم

ثم :

كنتُ أقتسمُ الخبزَ

والجبنَ ..

أُرجئُ نفسى

ثم :

 

ألـقِّنهم

سِفْرنا الأبدىَّ :

المحبةُ دَيْـنٌ

وتاجٌ يُجَمِّلُ هامَ المحبينَ ...

 

ليعمق ذلك الإحساس  فى قصيدته ( أنا والمريدون ) ليتوحد مع البحر المحتوِى والمناجَى بكل أمل وألم :

 

أنا البحرُ - يا سادتى -

فادخلونى

ولا تفزعوا

من خروجى عليكم

 ثم :

 

فإنِّى أفيضُ عليكم

بسيلٍ من الأمنِ

يعلو الجانب الإنسانى مرةً أخرى فى ( وجه مرمرى ) لتتضح لنا رؤيته الفلسفية المنطلقة من إنسانيته لليوم الجديد :

 

صباحٌ يحرّك فىَّ القصيدةْ

يفجِّرُ عهداً

من الذكريات

 

وكأنه يعلن لنا : لا تنظر إلى الخلف أبداً ، أنت جديد طالما أنت فى جديد وينشر دعوته للعالم فى قصيدته  ( آمال كبرى ) ، قد جئت من أجل الفكرة والقصيدة ليس إلا ،  إنى شفاف :

 

 فأنا إنسانٌ عادىٌّ وبسيطٌ جداً

 بيتى من قشٍّ هشٍّ

ثم :

 

أقضى نصفَ العمرِ الباقى

بين البسطاءْ

وبين صفوف الملهوفين لكسرةِ خبزٍ

تبعث آلاف الأفكارِ

لأرسم للأشعار سبيلاً

 

    أدهشتنى كثيراً  قصيدة ( قد اخترتك الآن لى ) لأسأل نفسى أولاً قبل أن اسأله عن اتجاهه للنزعة الصوفية والفناء ، لكننى أدرك ما يدعو " محمد رشدى "  للاستناد إلى ذلك الملمح .. فعل شاعرنا ذلك ليكمل وجهه - الشعرى - الإنسانى والشفاف ، متحدياً الموت :

 

أنا لا أخافك يا موت

لماذا يخافك كلُّ الرجال ؟

 

ثم :

 

 

أيُّها المتأملُ فىَّ

يطمئنك الواقف الآن عند المرايا

بأنى ..

أرى الموتَ ينظر فيها ..

ثم يحدّث الموت فى تحدٍ واعٍ :

 

فما عدت أخشاك ،

أنت الذى جئتنى راغباً فى عناقى 

وتقبيل وجهى

قد اخترتك الآن لى ..

 

هل فعل " محمد رشدى "  ذلك ليبرهن على إنسانيته المتناهية ؟!

- 2-

     هكذا يتركنا فى بدايته ( على حافة الكلمات ) ليلج بنا إلى الوسط وبداية الصراع ( وقفة معى ) ليعطى مثالاً على الكفاح من أجل الفكرة .

فى قصيدته ( جميلة ) أحد رموز الكفاح الجزائرى التى :

 

تكافحُ وحدها الجرذانَ

فى وضح النهار

جريئةٌ هى ..

لم تخفْ جبروتهمْ

لماذا ؟

 

لقِّنوا أبناءَكمْ

      درسَ الوطنْ ...

وفى قصيدة ( حصة نحو عربى ) يذكى شاعرنا الصراع من أجل الإنسانية أيضاً :

 

فى بيتى أتعلم صدقاً

أحفظ فى نفسى قيماً عُليا

أهديها للزملاء زهوراً

كل صباحْ

     أما قصيدة ( تحديق بارد ) فإن وعى " محمد رشدى "  بالرضا عن اختيار العنوان للقصيدة - كثيرٌ يختار ولا يرضى – يحدد مدى دقته الشاعرة ، فالتحديق لا يكون بارداً إذ أنه ينبعث من طاقة انفعالية حارة ، وإنما أضاف ( بارد ) ليتأكد شيئاً فى القصيدة : القصد والفعل ، ليعطى حكمة : إن التغير مبدأ ثابت .

فلا أساس لكى للتكهن المستند إلى الثابت :

 

وخابتْ ..

طقوسُ التكهنِ

ما عادَ " أوديبُ " طفلاً

تحطُّ على وجنتيه البراءة ..

فها أنتَ تعدو وحيداً

 

القصد والفعل :

 

تهيـمُ

وتطوى الفيافىَ

تحملُ بين أظافرك القِرْمزيَّةِ

سيفَ الخلاصْ ..

 

     ثم يعود شاعرنا ليتغنى بإنسانيته فى قصيدة ( أرغول قديم ) يدعو إلى التأمل الذى يرضى عن هذا العنوان لقصيدته :

 

عفواً ..

جرِّبْ أرغولك يوماً

أنصت للألحانْ ..

 

وطالما الكفاح من أجل الفكرة أحد مرامى الإنسانية لدى " محمد رشدى "  فإنه لا ينسى الشهيد الذى ضحى من أجل فكرة : إننى حرٌ ، لا أرضَى بغير ذلك ، ليكسو وجهَهُ بهاءٌ فى قصيدته ( بهاء الوجوه ) :

 

حكاياك لا زلت أذكرها

لحظاتُ النجاحِ

ووقتُ انكسار السلاح

وما بينَ مدٍ وجزرٍ

ليالٍ طويلةْ ..

 

يستعرض فى مقاطعها السبعة رحلة الشهيد من أجل تحقيق الفكرة ليعود وبين يديه :

 

بيارقُ  من وهجٍ

كدتَ تغرسها

فوقَ خدِّ الوطنْ

ودماؤكَ تصبغُ كلَّ رمال الجميلةِ

حبَّاً ..

وتصعدْ ...

 

- 3-

     ويشتد الصراع منتهياً   ( فى اضطرابات ) للحظة المضيئة ، وهى عبارة عن قصائد قصيرة منفصلة ما يميزها : لحظة الاختيار والتركيز .

إذ تعتمد كل قصيدة على فكرة ما ، لا يمكن أن يحيد الشاعر عنها أو يشد القماش قليلاً لها إذ لا تحتمل التمزق .

نرى فى نماذج لتلك القصائد الأفكار .. وخاصةً فى قصيدة ( جاحظان )  ليعيد صياغة موقف الصائغ من السيدة التى أتته لينقش صورة شيطان على خاتم لها فأربكته ، وكان ( الجاحظ ) ماراً بهما فأشارت إليه – تقصد الشيطان – لينقشه على خاتمها فى مفارقة غير مسبوقة .. لكن هل يسكت " محمد رشدى "  عند تلك المفارقة ، إنه يبحث عند كل ما هو معرفى وإنسانى ليضيف :

 

لم يعرفْ ...

لم تعرف ْ أن الحدقى

يرى ...

ما لم تره النجلاءْ

 

وفى قصيدة ( شعور ) تتأكد لنا قوة مذهبه – الإنسانى – الشعرى :

 

أحسُّ سعادتى

إذ ما شعرتُ بداخلى

شيئاً ..

يقودُ خُطاى

وفى قصيدة ( لحظ ) أعود لأبرهن عن الرضا الذى يقنع به " محمد رشدى "  فى اختيار العنوان ، فهو بلحظه يمكنه أن يرى ما وراء الأشياء .. ليس تكهناً إنما رؤية :

 

الطوفانُ الآتى

سيكون عنيداً

والطغيانُ سينسف مملكةً

تتجرَّدُ ممَّا يعصمها ..

 

وفى قصيدة ( غريب ) لا تزال القضية تتأكد لى من صدق المنحى لديه / الإنسان ، إنه ذلك العصفور المنتفض – فى تمردٍ – والذى يأبى خسارة عُشِّه :

 

ويهاجرُ دوماً فى أرضهْ

ثمَّ يعودْ

يُفَتِّـشُ عن فجرٍ

وعن الحريةِ

عن لونِ الخبزِ الضائعْ

عن بيتٍ آمِنْ

منذُ عهودْ ..

 

    وفى قصيدة ( شتاءً كان ) يجدد " محمد رشدى "  دعوته للسلام مع النفس ، فلا مجال لما هو         " لا إنسانى " :

 

أقول لكل الذين يسيرون

تحت نوافذ بيتى

ويبتسمون

 صباح جميل

 

 

 

 

 

ثم يعرض حلولاً فى إجراءات ميسرة  :

 

مشيت وفوق يدىَّ

قلاع همومى

زججت بها

عند أول منعطف للطريق

.. قطفت مزيداً من البسمات

ورحت أبدّل وجهى ..

 

-        4 -

 

     إن الملمح الأساس للمجموعة الشعرية ( لا شئ يبقى ) يتتركز فى الإنسانية ، الشفافية والسلام مع النفس المرتبط بحس الفناء .

أقول : إذا أردتَّ أن  تعرف الشاعر فاقرأ له ، لا تستطيع الشخصية الشاعر أن تنفصل عن الشخصية الإنسان .. هل تستطيع ؟

 

لم يقدم " محمد رشدى "  قصيدة طويلة واحدة ، أتساءل .. ملمح آخر .

 

    ويبقى ملمح نتتبعه فى ( لا شئ يبقى ) وهو إصراره على إبراز فعل الكتابة على مستوى الأداة والمفردات :

( فوق أوراقناً – تصبحين قصيدهْ – على حافة الكلمات – سوى شاعرٍ – جدار الشويعر – كلماته – شطراً – صفحتى الناصعة – سفرنا الأبدى – بالقصيدْ – يحرّك فىَّ القصيدهْ – آلاف الأفكار – للأشعار – وأقطف معنى – سأكتب فجراً – وتلهم شعراً – ونقش معانيك – كتب – الأفكار المثلى – دفاترهم – الأحرف  - معنى مفهوماً – ذيل الأوراق – نقشت – أخطّ – والفكرة تائهة – تسقط أوراقاً – مداداً – فوق الدفاتر – والشعر يسبح – مدادك المسكوب – والقلم الذى – شعرى – والشعر – بحور القصائد ) .  

 

    هكذا يهتم الشاعر بالصورة اللفظية المتعلقة باللفظة الشعرية لندرك ملمحاً جديداً لدى ( محمد رشدى ) وهو أهمية الشعر بشكل خاص لديه واحتفاله بمفرداته . 

 

   وإذا كان ( لا شئ يبقى ) المجموعة الشعرية الأولى

  • Currently 50/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 510 مشاهدة
نشرت فى 28 يوليو 2006 بواسطة asham

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

29,185