بسم الله الرحمن الرحيم

 

مجلة الواحة – د. عصام شرتح
الثلاثاء 2016-03-01

⟨⟨ دراسة نصية جمالية في قصيدة: بلقيس ح2 ⟩⟩
2- جماليَّة الأنساق، والعلائق الوصفيَّة، والمضافة

ماجستير في النقد الحديث.
المقالة مذيلة بنبذة عن الكاتب

   إنَّ الجمال الشعريّ ما هو إلاَّ حراك لغويّ عميق؛ يعكس درجة من الصوغ الشعريّ المغامر بشكله النسقي؛ وما من شكّ في أنَّ الشاعر الجماليّ يعزف بإيقاع صوره؛ وليس فقط بإيقاع كلماته؛ وانسجامها وتناسبها الفني؛ وسرعة سيلانها العاطفي؛ ورشاقة إيقاعها الموسيقي العذب الذي يتناغم مع أصداء الذات وتجاوباتها الشعوريَّة الداخليَّة؛ لتعكس ما في الداخل من إيقاعات نفسية وشعوريَّة إلى السطح اللغويّ عبر الأنساق اللغويَّة المبتكرة، والمحفِّزة للداخل الشعوريّ قبل أنْ تحفِّز الإمتاع اللغويّ الجماليّ؛ وإنَّ جماليَّة الشعريَّة – في القصائد الحداثية- تكمن لذتها من خلال لذة العلائق التركيبيَّة المفاجئة؛ عبر فاعليَّة الحراك الدلاليّ الذي تعكسه العلائق اللغويَّة بين [الصفة/ والموصوف] و[المضاف/ والمضاف إليه]؛ بتوظيف تخييلي فني بارع؛ وبعلائق إسناديَّة؛ منزاحة؛ تستدرج القارئ إلى جمالها بتكثيفها الشعوريّ، الحامل لشحنات دلاليَّة عديدة؛ وخرقها الأسلوبي الجديد؛ باستعارة مفاجئة؛ تعزز جماليَّة النسق الشعريّ؛ “أي تسعى إلى توظيف الخيال المُحَلِّق الاندفاعي في الرؤية، والرؤيا، ورصد الصور الخاطفة الحركيَّة المُلَوَّنة؛ والجري وراء المغامرة الشعريَّة في جماليَّات فتنتها، وذهولها، والخروج من بوتقة الشعر الاستهلاكي المختنق بآليات الرتابة والتكرار في الأسلوب، والأداء إلى أفق الشعر الإبداعي المبتهج بإنجازه النصّيّ الغنيّ بالتأثير والجاذبيَّة؛ ودهشة الحداثة عن طريق الغرابة، والصدمة، والفتون، والجدة، والابتكار، ومخالفة السائد المكرور في القول الشعري المعاد، وفرحة عروس آلهة الشعر في يوم طقوسي زفافها المهيب؛ وإبراز فتنتها، وإثارتها بأساليب استعمال الصور الشعريَّة المداهمة والمفاجئة في بنية القصيدة؛ تكوينها وجسدها وروحها ودمها وأعصابها، ذلك لأنَّ الشعر هو الميدان الشرعي الوحيد للجمال الطافح بثروته الخلاَّبة؛ ولأنَّ الصورة – أيضاً- هي الوسيط الأساسي الذي يستكشف به الشاعر بتجربته، ويستجليها كي يمنحها دلالة المعنى وإيغاله”(1).

   فالإبداع الشعريّ هو تشكيل لغويّ انسيابي يعتمد جماليَّة الأنساق في علائقها اللغويَّة، سواءً أكانت علائق وصفيَّة أم علائق إضافيَّة؛ أم علائق رابطة على مستوى الفاعليَّة؛ [فعل/ وفاعل] و[متبدأ/ وخبر]، وقد تبدَّت لنا هذه الفاعليَّة في حركة الأنساق اللغويَّة المكثفة لدفق مشاعره؛ فجاء المقطع التالي – رغم خلوه من هذه الفاعليَّة إلاَّ ما ندر من العلائق والروابط الرشيقة- حاملاً لصدى ذات الشاعر الحزينة التي تبث حزنها بأسى شعوري انكساري مأزوم؛ كما في قوله:

“يا نَيْنَوَى الخضراءَ..
يا غجريَّتي الشقراءَ..
يا أمواجَ دجلةَ..
تلبسُ في الربيعِ بساقِهِا
أحلى الخلاخِلْ..
قتلوكِ يا بلقيسُ..
أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ..
تلكَ التي
تغتالُ أصواتَ البلابِلْ؟
أين السَّمَوْأَلُ؟
والمُهَلْهَلُ؟
والغطاريفُ الأوائِلْ؟
فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ..
وثعالبٌ قَتَـلَتْ ثعالبْ..
وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ..
قَسَمَاً بعينيكِ اللتينِ إليهما..
تأوي ملايينُ الكواكبْ..
سأقُولُ ، يا قَمَرِي ، عن العَرَبِ العجائبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟”.

   إنَّ الخطاب الشعريّ – هنا- ليس خطاباً مُعَقَّداً فنّيًّا؛ إنَّه يجري منقاداً إلى إيقاعات الذات الداخليَّة؛ إلى الأصداء الشعوريَّة الحارقة التي تبثه على شكل موجات انفعاليًّة متتابعة؛ تعتمد كثافة حركة النداء، وتسارعها المنبعث على شكل أنَّاتٍ، وحسراتٍ، وتنهدّات، وزفرات، ومواجع؛ ففي كلّ مرة ينادي (بلقيس)، يرتدُّ النداء؛ جارحاً؛ ويرتدُّ وقع الجراح على ذاته؛ ليزيدها أسىً، وحزناً، وهيجاناً، وصخباً صوتيًّا حارقاً؛ يطعمه بالتساؤلات الاستهجانيَّة المريرة التي تدلُّ على استنكار شعوريّ حارق لهذا الفعل الإجرامي الفاضح الذي تمثل بمقتل بلقيس؛ وقد جاءت بعض هذه الأسئلة كاشفة عن مرارتها الجارحة، وأنَّاتها المبثوثة بالأسى والاختناق؛ “قتلوكِ.. يا بلقيسُ.. أيَّة أمّةٍ عربيَّة.. تلك التي تغتالُ أصواتَ البلابل”؛ وهكذا؛ يكثف الشاعر الجمل، والصور تكثيفاً دلاليًّا دافقاً بالحساسية، والشعور، للتعبير عن احتجاجه على هذه الجريمة التي انتهكت بحق البراءة، والطهر، والجمال؛ فمحبوبته بلقيس بريئة ترفل بالجمال كالبلابل؛ تشدو بأنغامها، وألحانها العذبة، لتمنح الحياة سحرها ونشوتها؛ كيف استطاعوا أن يقتلوا وجه البراءة على هذه الأرض؛ وهنا؛ يَتَوَّعد الشاعر بأنه سيفضح هذا الواقع العربي الدموي الذي ينتهك البراءة، ويقتل وجه الخصوبة، والجمال؛ مستنكراً تاريخنا الأسود، وحاضرنا المشوه الكاذب بالجرائم والاغتيالات: “فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ؟/ أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟”؛ واللافت أنَّ الشاعر يُعزِّز الرؤى والدلالات؛ ويثير الانفعالات النفسيَّة الحارقة؛ التي تدل على حزنه، وغضبه، وحقده من جهة، وتدل على رهافته، وحسّ شعوره، إزاء محبوبته بصور تجمع بين النقيضين؛ أي تجمع العنف، والقوة، والصرامة حين يخاطب المجرمين القتلة، وتجمع اللين، والخفة، والرشاقة، والدموع عندما يخاطب محبوبته بلقيس بنداءات مكررة تحمل معها جميع مشاعر الوجاعة، والحرقة، والألم؛ كما في قوله:

“بلقيسُ
لا تتغيَّبِي عنّي
فإنَّ الشمسَ بعدكِ
لا تُضيءُ على السواحِلْ..
سأقولُ في التحقيق:
إنَّ اللصَّ أصبحَ يرتدي ثوبَ المُقاتِلْ
وأقولُ في التحقيق:
إنَّ القائدَ الموهوبَ أصبحَ كالمُقَاوِلْ..
وأقولُ:
إنَّ حكايةَ الإشعاعِ ، أسخفُ نُكْتَةٍ قِيلَتْ..
فنحنُ قبيلةٌ بين القبائِلْ
هذا هو التاريخُ.. يا بلقيسُ..
كيف يُفَرِّقُ الإنسانُ..
ما بين الحدائقِ والمزابلْ”.

   إنَّ دائرة الإبداع الشعريّ لا تقتصر على شكل أسلوبيّ محدَّد؛ أو رؤية معينة؛ إنها تشاكس، وتصادم رؤى؛ وخلق زمكاني جدلي بين حركة الأشياء؛ وبث لمشاعر وأصداء داخليَّة؛ إنها لغة الذات في مناوشتها للواقع، وصدامها مع الآخر؛ إنها مغامرة في فضاء اللاوعي  صوب الآخر؛ وصدام مع العالم الوجودي؛ وهذا يقودنا إلى القول: “النصُّ الإبداعيّ عموماً، والشعريّ خصوصاً؛ هو حركة الانطلاق نحو المقارعة، والتناقض، والمشاكسة، والشغب مع كلّ أشكال التمثلات الأيديولوجيَّة؛ إنَّه شكل الاختراق الممكن، والتجاوز المشروع السائد القابل للتجاوز؛ فهو يُعَبِّر عن نماذج، ومظاهر التناقض الحاد في طموحه مع الأرقى؛ بين قدرة اللغة (المعرفة)، على الكشف، والإضافة؛ وبين المنظومة المعرفية السائدة ذات التمثُّل الأيديولوجيّ المُثَبِّط للتجاوز الشعريّ، وقدرته الخلاّقة على تأسيس البيان المعرفي اللازم في الذاكرة الجمعية”(2)؛ وهذا الصدم، والتناقض، والمشاكسة هي التي تخلق الحراك الجمالي الباعث على الحركة النصيَّة المبدعة في عالم القصيدة الشعريَّة المعاصرة؛ وإنَّ قصيدة القبَّاني عكست هذا الجو الصدامي المتوتر الذي ولدته على صعيد الأنساق اللغويَّة؛ والرؤى المتوترة التي تبيِّن حجم الأسى، وثورة الانتقام؛ وتؤكِّد -في الآن ذاته- إيقاع التهكم والسخرية من تاريخنا العربي الدمويّ؛ إذْ يقول: “هذا هو التاريخ.. يا بلقيس.. كيف يُفَرِّقُ الإنسانُ ما بينَ الحدائقِ والمزابل”؛ إذْ يعبِّر الشاعر بصريح العبارة عن هذا الواقع التصادمي المؤلم  والتاريخ المتفسِّخ بالقزارة ، والدناسة؛ إذاً؛… إنَّ الإحساس الحزين إزاء رحيل محبوبته (بلقيس) قد أثار الحساسية الشعريَّة، وبلور النسق الشعري بأسى شعوري، وانكسار نفسي مكلوم أو جريح؛ فما أقسى مرارة الحنين، والإحساس الدامي بفراقها الأبدي قائلاً: “بلقيسُ لا تتغيَّبِي عنّي فإنَّ الشمسَ بعدكِ لا تُضيءُ على السواحِلْ..”؛ إنَّ هذه  النفثة، والحسرة الحزينة تعبِّر عن عمق الجرح، برشاقة تصويريَّة، وحدَّة تعبيريَّة تبدَّت من خلال الصور الانفعالية الصاخبة؛ الحادة التي تدل على الإحساس الشعوري الانكساري الحزين؛ كما في قوله:

“بلقيسُ..
يا عصفورتي الأحلى..
ويا أَيْقُونتي الأَغْلَى
ويا دَمْعَاً تناثرَ فوق خَدِّ المجدليَّةْ
أَتُرى ظَلَمْتُكِ إذْ نَقَلْتُكِ
ذاتَ يومٍ.. من ضفاف الأعظميَّةْ
بيروتُ.. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا..
وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّةْ
والموتُ.. في فِنْجَانِ قَهْوَتِنَا..
وفي مفتاح شِقَّتِنَا..
وفي أزهارِ شُرْفَتِنَا..
وفي وَرَقِ الجرائدِ..
والحروفِ الأبجديَّةْ…
ها نحنُ.. يا بلقيسُ..
ندخُلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ..
ها نحنُ ندخُلُ في التَوَحُّشِ..
والتخلّفِ.. والبشاعةِ.. والوَضَاعةِ..
ندخُلُ مرةً أُخرى.. عُصُورَ البربريَّةْ..
حيثُ الكتابةُ رِحْلَةٌ
بينِ الشَّظيّةِ.. والشَّظيَّةْ
حيثُ اغتيالُ فراشةٍ في حقلِهَا..
صارَ القضيَّةْ..”.

   إنَّ شعريَّة أيّ دفقة شعريَّة تكمن في مقدار ما تحفِّزه من رؤى، وما تستثيره من أحاسيس؛ وما تحقِّقه من انفتاح دلاليّ؛ وتناغم إيقاعي؛ تستجرّ إليها الدلالات؛ وتحقِّق ينبوعها الجمالي المتدفق؛ وإننا نلحظ في المقبوس السابق- عمق المعاناة التي ألقت بأعبائها على كاهله؛ فلم يعد قادراً على الثبات أمام جهامة الخطب، وفظاظته المؤلمة على قلبه؛ فبدا حزيناً يائساً يجرُّ إيقاع كلماته بحسٍّ منكسر؛ أتبعه بالتسكين؛ تسكين القافية؛ دلالة على حالة الاختناق التي تعتصر قلبه، وتدمي فؤاده؛ فلم يعد للحركة أيّ معنى؛ ولم يعد لها أي جدوى بعد رحيل بلقيس؛ فجاء التسكين؛ كاشفاً بالتاء المربوطة؛ عن حالة الاختناق، والضيق؛ التي أدمت أنفاسه؛ بثت أنين الكلمات؛ وإيقاعها الحزين الساكن؛ دلالة على سكونية المشهد الجنائزي الصامت الذي أسدل ستاره على جزئيات المكان؛ ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ وإنما أصبح يلوم نفسه؛ وكأنه هو السبب وراء اغتيالها عندما أصرَّ على نقلها من عروس قاسيون دمشق إلى بيروت أم الجرائم، والاغتيالات، والويلات، والقتل؛ إذْ يقول: “أترى ظلمتكِ إذْ  نقلتُكِ ذاتَ يومٍ من ضفافِ الأعظمية”؛ وهنا؛ نقل المشهد أو الحالة الشعريَّة من حالة اليأس، والإحباط، إلى حالة اللوم والعتاب؛ إلى حالة المكاشفة والتعرية للواقع العربي الدموي الذي يعيش على القتل، والدمويَّة، وسفك الدماء؛ إذْ يقول: “ندخل مرة أخرى عصور البربريَّة.. حيث الكتابة رحلةٌ.. بين الشظيَّة والشظيَّة.. حيث اغتيال فراشة في حقلها صار القضية”؛ إنَّ هذا الأسلوب التعبيريّ يؤكِّد فاعليَّة الترسيم الشعوريّ الحسّي العميق الذي يخطُّ إيقاعه العاطفي المأزوم بحسٍّ منكسرٍ وتصدُّع نفسي مرير؛ إزاء هذه المناجاة التأملية إثر اغتيال محبوبته بلقيس؛ إذْ رسم الشاعر أبعاد الرؤية؛ وحرَّك المثيرات؛ ببث أشجانه، وأحزانه إثر فراق محبوبته بمكاشفةٍ حوارية ذاتية هادفة إلى الإلهام بالمشهد الإجرامي الذي حدث لمحبوبته، محاولاً الفكاك من أثر الحدث المؤلم، الجهم الجاثم على صدره؛ حدث اغتيال بلقيس؛ لتبقى دائماً قريبةً منه؛ مؤكِّداً أنَّ عصرنا مازال عصراً دمويًّا قائماً على التخلف، والقتل، والدمار، والاغتيالات الدائمة منذ فجر التاريخ إلى الآن؛ ونحن في معركة أزليَّة على ساحة الوجود بين عالم البراءة، والطهر، والجمال، وعالم الغربة، والسفك، والقتل، ومصّ الدماء؛ وهكذا؛كشفت القصيدة بأنساقها اللغويَّة عن شعريَّة حقيقية مبدعة رغم المباشرة، والدلالة المقصوديَّة الصريحة.

——————–
1)  السكاف، ممدوح، 2008- في تأمل الشعر، اتحاد الكتَّاب العرب، دمشق، ط 1، ص 46.
2)  الخضور، جمال الدين، 2000- قمصان الزمن (فضاء حراك الزمن في النصّ الشعريّ العربي)، اتحاد الكتَّاب العرب.، دمشق، ط 1، ص 83.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 121 مشاهدة
نشرت فى 2 مارس 2016 بواسطة arzew

amine sage

arzew
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,329