أصابع اللوبي "الأمريكي ـ الإسرائيلي" تعمل في الخفاء من أجل عزل مصر عن محيطها الإفريقي والإضرار بمصالحها الاستراتيجية في القارة السمراء, حيث قال مصدر مصري مسئول إن المشاورات مع دول حوض نهر النيل العشر مستمرة بشأن الصياغة النهائية للاتفاقية الإطارية للتعاون بينها، لتجاوز النقاط الخلافية في إطار المصالح المشتركة، ولم ينفِ وجود تأثيرات خارجية وراء تأجيل قمة الدول العشر التي كان من المفترض أن تعقد في العاصمة الأوغندية كمبالا الشهر الماضي لتوقيع الاتفاقية،.
وأضاف:" الأسباب التي نعرفها أسباب فنية، حيث كان مقرراً ان تحال القضايا التي لم تحسم في مشروع الاتفاقية ولا تتعدى 2% من بنودها إلى قادة الدول العشر لحسمها، لكن رأي أن تستمر اللجان الفنية ووزراء الري والموارد المائية في المشاورات", مشيراً الى أن المشاورات مستمرة، وسوف يتحدد موعد آخر للقمة، حيث أسهمت الأحداث الأخيرة في كينيا في التأجيل أيضا لبعض الوقت.
وأثيرت في القاهرة أنباء عن تدخلات "أمريكية ـ إسرائيلية" وراء تأجيل القمة، وان واشنطن تدخلت لدى بعض دول حوض النهر لتأجيلها الى حين اكتمال المشاورات الأمريكية حول الاستراتيجية الأمريكية المائية في الشرق الأوسط, وفي هذا الإطار جاءت زيارة وفد الكونجرس الأمريكي برئاسة إيدي جونسون الأسبوع الماضي لدول حوض نهر النيل ومصر، والتقى خلالها مع وزير الري والموارد المائية الدكتور محمود أبوزيد.
تقرير إستراتيجي
وفي نفس السياق أكد التقرير الاستراتيجى الأفريقى الذى أصدره مؤخرا معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة أن هناك محاولات لعزل مصر عن محيطها الأفريقى، وحذر من تزايد مخاطر عدم الاستقرار فى حوض النيل والقرن الافريقى ومن التكالب الدولى على أفريقيا .
وقال التقرير إنه منذ إعلان الولايات المتحدة عن إنشاء قيادة عسكرية أمريكية خاصة بأفريقيا "أفريقوم" تستثنى مصر منها, والجدل يدور حول الحكمة من هذا الاستثناء وحول مدى تأثير ذلك على دور مصر الأفريقى ومستقبلها, مضيفاً أن البعض قد ينظر للأمر على أنه مسألة أمريكية أو منظور أمريكى لمسؤوليات جيوش الولايات المتحدة عبر العالم ،وقد يرى البعض الآخر أكثر من ذلك وأن مصر ربما تكون أهم من الدول الأفريقية الشقيقة فى المنظور الأمريكى ومن ثم لايليق إلا أن تكون فى الشرق الأوسط الذى تهتم به مصر وتهتم به القيادة المركزية الأمريكية.
مستقبل مصر
ويرى التقرير أن الأمر يتجاوز فى التحليل الأخير مجرد الرؤية الأمريكية للموضوع وكذلك المرتبة التى تضع فيها الدول الكبرى مصر وتتصور دورها وحركتها الاقليمية فالموضوع يتصل بمستقبل الدولة المصرية فى قارتها الأفريقية كدولة إقليمية كبيرة تتطلع لتمثيل القارة الأفريقية فى مجلس الأمن وتملك القدرات والمؤهلات لذلك .
وتتمثل رؤية التقرير الاستراتيجى الأفريقى فى أن المسؤولين والقيادات فى مصر عليهم مسؤولية كبيرة فى إقناع العالم الغربى وعلى رأسه الولايات المتحدة بأن دور مصر الإقليمى فى محيطها الطبيعى يتمثل فى بعدين رئيسيين البعد الأول هو العالم العربى , والثاني هو قارتها الأفريقية ،وأن البعدين متكاملان ،وأن مصر قد استطاعت عبر مراحل تاريخية متعددة أقربها مرحلة التحرر الوطنى أن تلعب دورا إقليميا ناجحا وفعالا على كلا الجانبين ،كما أن أمن مصر القومى لايتجزأ بل يتصل فى جزء منه بالعالم العربى وفى جزء آخر بأفريقيا، وأن القاهرة من حقها أن تنوب عن القارة فى القيام بمسئولية تمثيل أفريقيا فى مجلس الأمن الدولى, كما سبق أن عبرت عن ذلك عامى 2004و2005م.
واقع فعلي
ويقول التقرير إن الأمر فى هذا الصدد لاينبغى أن يتوقف على مجرد الحديث الشفهى أو الدبلوماسى بل يتعين أن يكون ذلك الاقناع مرتبطا بالواقع الفعلى والممارسة ،ثم ان القيادة العسكرية الجديدة بهذا التحديد الذى يستثنى مصر يعطى إشارة ضمنية للدول الأفريقية بأن مصر تعتبر خارج دائرة التنسيق الأمنى والعسكرى الأمريكى فى القارة الأفريقية ولهذه الإشارة مغزاها ومعناها فى هذا السياق وقد يكون وراؤها اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة خاصة فى وزارة الدفاع الأمريكية ،الأمر الذى يتطلب الحركة والمعالجة قبل أن يترسخ مفهوم مصر الشرق أوسطية التى رسخها الاحتلال البريطانى من قبل ،وثمة أوراق كثيرة للضغط فى الاتجاه المطلوب ،خاصة على ضوء التنافس الدولى بين الدول الكبرى فى القارة.
وأشار الى أن مخاطر عدم الاستقرار الذى اتسعت رقعته تهدد حوض النيل والقرن الأفريقى فبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل فى السودان واتجاه الشماليين والجنوبيين إلى تطبيق تلك الاتفاقية ارتفعت وتيرة الصراع فى دارفور، وزادت كثافة التدخلات الدولية والاقليمية الخارجية فى السودان عبر هذا المنفذ ،كما اتسعت رقعة الصراع الداخلى والاقليمى فى الصومال خاصة بعد التدخل العسكرى الأثيوبى الأخير فى ديسمبر عام 2006،وأصبحت الصومال ساحة للتدخلات الاقليمية والدولية التى تعقد التسويات وتعوق الحل عادة فى الصراعات الداخلية.
كما ينشط داخل أوغندا وعلى الحدود مع السودان والكونجو الديمقراطية جيش الرب الأوغندى المعارض ليشكل عنصر عدم استقرار داخلى وإقليمى فى أوغندا وحولها ،كما ينذر الوضع المتجمد المصحوب بموقف دولى ساكن على الحدود الأريترية الأثيوبية إلى احتمال استئناف الحرب مرة أخرى بين الدولتين الجارتين خاصة فى ظل عدم موافقة أثيوبيا على تطبيق قرارات التحكيم الدولى بشأن قضية الحدود المشتركة .
تعقد الأمور

وأكد التقرير الاستراتيجى الأفريقى أن الأمور زادت تعقيدا خلال عامى 2006 و2007 فى هذه المنطقة الحساسة، وهى أمور تحتاج من وجهة النظر الاستراتيجية إلى بذل مزيد من الجهد ،على الأقل من الجانب المصرى فى عدد من القضايا والمسائل ،وفى مقدمتها تطبيق اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب فى السودان .
وقال التقرير:" إن هذه المسألة ستظل أخطر المسائل على الاطلاق بالنسبة لاستقرار الأوضاع فى السودان ومنطقة حوض النيل والقرن الأفريقى بل وأفريقيا كلها ،وأكد أن قضية الإبقاء على الوحدة فى السودان كخيار أول يحظى بالرعاية والاهتمام من قبل الجانبين الشمالى والجنوبى هى التحدى الكبير أمام كل الأطراف الداخلية فى السودان وكذلك الأطراف الاقليمية، وفى مقدمتها مصر، فالانفصال كخيار ثان أمام الجنوبيين فى استفتاء حق تقرير المصير عام 2011، وقد أصبح وشيكا لايهدد فقط السلام واتفاقاته بين الشمال والجنوب وإنما يهدد أيضا منطقة حوض النيل والقرن الافريقى وأفريقيا كلها بالتفكك والانهيار .
انفصال جنوب السودان
وأشار التقرير إلى أن الانفصال بالنسبة لجنوب السودان لو حدث سيكون الاول من نوعه فى القارة الافريقية وسابقة لها مابعدها حيث لا تعتبر قضية أريتريا انفصالا عن دولة قائمة بل كانت حالة لسياق له وضعية دولية خاصة ،ومن ثم فإن ممارسة حق تقرير المصير لجنوب السودان عن طريق الانفصال ستكون مهددا للسلام والأمن فى المنطقة وفى القارة كلها ،وينبغى التحسب لذلك سواء عن طريق دعم الخيار الوحدوى وبذل كل الجهود التى من شأنها تعزيز هذا الخيار من جهة اومن خلال التحركات الدولية والاقليمية لوضع خيار الحكم الذاتى كبديل ثان ومقبول لخيار الوحدة مراعاة لظروف القارة الأفريقية ووقاية من مخاطر ستنجم حتما نتيجة الانفصال وتهدد الأمن والسلام الدوليين فى المنطقة والقارة فضلا عن التهديد باستئناف حرب أهلية جديدة بين الطرفين المعنيين .
كما أكد أهمية الاعتناء بضمانات نجاح إتفاقية أبوجا للسلام بدارفور وبصفة خاصة تطبيق برنامج القوات المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقى بالشكل الذى تم الاتفاق عليه بين حكومة السودان والأمم المتحدة وفقا لصيغة قرار مجلس الأمن رقم 1769 الصادر طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذى ينص على تشكيل قوة مشتركة قوامها 26ألف عسكرى فى دارفور .
توافق دولي
وقال التقرير إنه إذا كان هذا القرار قد عبر عن توافق دولى بشأن حل الأزمة فى إطار من الضغط على الحكومة السودانية إلا انه يمثل بحد ذاته ضمانة لنجاح الحل الذى لم تحققه الأمم المتحدة بالضرورة فى كل الحالات ،إنما الأمر يتعلق بموقف الفرقاء المتقاتلين فى دارفور أى الحكومة وجماعات التمرد المسلحة فى الاقليم والتى تكاثرت فى الأونة الأخيرة .
وتوقع التقرير أن يشهد العام المقبل مفاوضات قد لاتنتهى بين الطرفين لإعادة صياغة إتفاقية ابوجا وجعلها ملائمة ،وان يشهد ايضا ضغوطا دولية متزايدة على الحكومة السودانية بغية الوصول إلى اتفاق سريع إما تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أوربما بفعل التهديد المنفرد من الولايات المتحدة وهو الامر الذى ينبغى التحسب له كى لاتضطر الحكومة السودانية إلى قبول حل سياسى يفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات داخل السودان .
ويقول التقرير إن ضمان رحيل القوات الأثيوبية عن الصومال وإقرار المصالحة الوطنية قد صار مسألة معقدة وتتزايد تعقيدا مع استمرار الأوضاع والظروف الراهنة ،وهو مايستدعى أن تطرح مصر منفردة أو بالتنسيق مع بعض الأطراف الدولية والاقليمية صيغة لمؤتمر للمصالحة الصومالية يعقد فى جيبوتى أو مصر وتشارك فيه كل القوى الداخلية الصومالية ،بما فيها ممثلو المحاكم الاسلامية من المعتدلين والحكومة المؤقتة ،بالاضافة إلى الجماعات والقبائل الأخرى التى يضمها الصومال ولاتعبر عنها المحاكم ولا الحكومة المؤقتة .
ويضيف إذا كانت المحاكم الاسلامية تشترط شروطا معينة كخروج الأثيوبيين أولا قبل المصالحة، وتشترط الحكومة الانتقالية شروطا مقابلة ،فإن الاقتراح المعقول يتمثل فى أن يكون المؤتمر المقترح للمصالحة بلا شروط مسبقة من كل الأطراف ،على أن تشترك الأطراف الاقليمية المعنية وعلى رأسها أثيوبيا وكينيا وأوغندا والسودان وأريتريا بالاضافة إلى مصر وجيبوتى فضلا عن دول أصدقاء الايقاد من الشركاء الدوليين على أن يكون الهدف هو الوصول إلى صيغة تضمن إقامة حكومة وحدة وطنية مبنية على التوافق العام الداخلى والاقليمى والدولى مع جدول زمنى لخروج القوات الاثيوبية وضمان دعم عربى وأفريقى ودولى للاتفاق .
تكالب دولي
وقال التقرير إن التكالب الدولى على أفريقيا كبير ويستهدف ثرواتها المعدنية الهائلة وثرواتها من النفط والغاز التى زادت أهميتها وقيمتها فى السنوات القليلة الماضية وكذلك لمميزاتها وإمكاناتها الاستراتيجية .
وأضاف:" ان تزاحم الدول الكبرى على المنطقة يأتى فى إطار موجة تكالب لم يعد بالإمكان السيطرة عليها أو تحجيمها فى ظل المعطيات الدولية القائمة"، كما أصبح من الصعب التكهن بمستقبل القارة واحترام استقلالها مع استمرار هذا التزاحم أو التكالب الدولى أو تصور مستقبل مصر ودورها الاقليمى وكيفية تأمين مصالحها المصيرية فى القارة فى ظل هذا الوضع الذى يتفاقم يوما بعد يوم".
وفى ظل نظام دولى تهيمن عليه الولايات المتحدة والقوى الغربية وعدم وجود نظام معتبر للأمن الجماعى يضمن للدول الصغرى والمتوسطة استقلالها وقرارها السياسي والاقتصادى أصبح من غير المتصور أن تتمكن الدول الأفريقية فرادى أو مجتمعة من السيطرة أو التحكم فى هذه الموجة العاتية ،لكن يمكن التفكير والتحسب لتقليل الآثار والتداعيات التى تتركها هذه الموجة على القارة الأفريقية بوجه عام وعلى مصر بوجه خاص ،وأهم هذه التداعيات والآثار السلبية تتمثل فى تزايد التدخلات الأجنبية وتزايد دور الجيوش الأجنبية وخاصة جيش الولايات المتحدة ،ومحاولات عزل مصر عن محيطها الأفريقى وخاصة فى مجال الأمن والسلام وترتيب مناطق نفوذ للقوى الرئيسية وتنافس دولى على الموارد يدور أساسا بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى والصين وبعض القوى الآسيوية .
وحول العلاقات الاسرائيلية الأفريقية لاحظ التقرير استمرار اسرائيل فى تنمية علاقاتها مع غالبية الدول الأفريقية وخاصة فى منطقة غرب أفريقيا "نيجيريا وغينيا الاستوائية بسبب البترول", وكذلك دول حوض النيل وخاصة أثيوبيا التى بدأت اسرائيل تدفعها إلى استكمال بناء عدد من السدود على النيل بمساعدات إسرائيلية ،أما فى الشمال الأفريقى فمازال الموقف الاسرائيلى مع بعض الدول يثير الجدل الداخلى سواء بالنسبة للمغرب أو الجزائر أو موريتانيا .


ساحة النقاش