لا تصدق أن بيع أراضى مصر لشركات الاستثمارات العقارية المصرية أو الخليجية سيحل مشكلة الإسكان في البلد لان العكس بالضبط هو ما سيحدث ، و لا تصدق أن الحكومة لجأت إلى عملية البيع لمواجهة أزمة الباحثين عن سكن ، لأنها في حقيقة الأمر تسعى لحل أزمتها هي .
لقد نشرت صحف الأحد ( 13/5 ) أن هيئة المجتمعات العمرانية أجرت مزاداً علنياً لبيع مساحات من الاراضى بمدينة القاهرة الجديدة ، و أن ثلاث شركات مصرية و اماراتية و قطرية فازت بالقطع المعروضة للبيع ، و كانت حصيلة البيع 13.3 مليار جنيه في اليوم الأول ، و فيما فهمنا فإن تلك هي الدفعة الأولى من الاراضى المعروضة للبيع بالمزاد لان الشركات العقارية تنافست في اليوم التالي على شراء دفعة أخرى لأراض توزعت ما بين القاهرة الجديدة و 6 أكتوبر و الشيخ زايد ، و بلغت حصيلتها 17 مليار جنيه .
ما يهمنا في الأمر ، أن صحف صباح الأحد ، وهى تزف إلينا الخبر ، حرصت على أن تبلغنا أن القطع الجديدة ستقام عليها مشروعات للإسكان تناسب مختلف المستويات و بخاصة الإسكان المتوسط الذي يخدم شريحة عريضة للمجتمع – كما ذكرت الأهرام – و انه بعد دراسة أوضاع السوق تم التوافق على أهمية مراعاة أسعار الوحدات السكنية لتتناسب مع القدرات المالية للمواطنين .
و من التفاصيل المنشورة علمنا انه سيتم بناء أبراج بإرتفاعات تصل إلى 72 متراً (( حوالي 25 طابقاً )) ستخصص للوحدات الإدارية و مكاتب الشركات ، و أن المشروع سوف يستغرق ما بين خمس و سبع سنوات .
هذا هو كلام الجرايد . أما الكلام الجد فهو غير ذلك تماماً و هو ما يسلط الضوء عليه حوار جرى بيني و بين مدير إحدى الشركات الاستثمارية الخليجية ، تصادف أن كان جالساً إلى جواري في الطائرة أثناء رحلة عودة إلى القاهرة . إذ بعد أن عرفني بنفسه و أعطاني بطاقته تطرق حديثنا إلى ما ترتب على دخول شركة ( إعمار ) الإماراتية في مناطق القاهرة الجديدة و المقطم و سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي ، و مما قلته أن المشروعات الإسكانية التي تنفذها الشركات الاستثمارية تضاعف من أزمة السكن في مصر ، لأنها تعرض الوحدات السكنية بأسعار مرتفعة ، حيث تفوق قدرة المواطن المصري الذي يبحث عن سكن ، و بالتالي فإنها تقدم مساكن جديدة للطبقات الميسورة التي ليست لديها مشكلة و يتطلع أفرادها إما إلى الانتقال إلى مسكن أفخم من تلك التي يعيشون فيها ، أو إلى استثمار أموالهم في المساكن الجديدة ، و لا يقف الأمر عند هذا الحد و إنما يترتب على هذه المشروعات الاستثمارية ارتفاع قيمة الاراضى و ارتفاع الإيجارات بشكل عام ، و ضحية هذا الموقف هو المواطن المصري العادي ، الذي يعانى من مشكلة السكن ، و يفاجأ بان مشكلته قد ازدادت تعقيداً .
أصغى إلى صاحبنا حتى انتهيت من كلامي ثم قال: من قال لك إننا جئنا إلى مصر لنحل مشكلة الإسكان فيها ؟ ، لسنا جمعية خيرية ،و إنما نحن مستثمرون نريد أن نوظف أموالنا في مشروعات تدر ربحاً معقولاً ،و قد اخترنا أن نستثمر أموالنا في بعض الدول العربية بعدما أصبحت المخاطر تهدد إيداعاتنا في البنوك الأمريكية ، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر ، بالتالي فنحن نبحث عن الأمان و الربح بالدرجة الأولى ، و في الوقت ذاته فإننا نشارك في تنمية البلدان التي نعمل بها . أما حل مشكلة الإسكان في مصر أو غيرها فتلك مسئولية الحكومات بالدرجة الأولى ، و من الخطأ أن يطالب مستثمر بان يضحى بأمواله لحل مشكلات الآخرين .
رويت هذه القصة لأحد وزراء الاقتصاد السابقين ، فضحك وقال أن كلام الرجل فيه منطق و هو لا يعرف أن الحكومة تبيع الاراضى لمواجهة عجز التمويل الذي تعانى منه ، بعد أن استهلكت كل ما طالته أيديها ، بما في ذلك أموال المعاشات و التأمينات .
عدد زيارات الموقع
4,196,856


ساحة النقاش