بدو سيناء: الإسرائيليون فتحوا لنا السلك الشائك.. وقالوا: «اتفضلوا» لكننا رفضنا 

 

يوم واحد «مهلة» وربما يمتد إلي ٣ أيام صباح اليوم، هو أحد بنود الاتفاق الذي تم بين مسؤول كبير والبدو المعتصمين علي بعد خطوات من السلك الشائك الذي يفصل بين مصر وإسرائيل عند قرية المهدية.

و١٥٠ فقط تراجعا إلي الخلف بعيدا عن السلك، حدث بعد هذا الاتفاق لكن البدو ينتظرون انتهاء المهلة ليعودوا إلي المكان نفسه الذي اعتصموا فيه في مساحة ٢٠ مترا بجوار «السلك»، مقر الاعتصام عبارة عن «خيمة» كبيرة منصوبة بالخشب وقطع الفراشة التي تحمي من حر الصحراء ..

 السيارات النقل والملاكي تبدو وكأنها معتصمة بجوار أصحابها علي بعد خطوات من المخيم الذي يحتضن بجواره أواني الطعام، ومكان آخر تم تجهيزه لإعداد الشاي والقهوة أيضا للضيوف بعد الطعام، أما الضيوف فهم بعض البدو الذين حضروا من قبائل وسط وجنوب سيناء يشاركون إخوانهم الاعتصام ليكونوا يدا واحدة.

المخيم الذي تبلغ مساحته قرابة ١٠٠ متر يقع علي بعد خطوات من مخيم آخر يقترب منه في المساحة، لكن الأول تميز بوجود «علم مصر» مثبتا بقوة أعلي المخيم وكأنه يقول بالنيابة عنهم: «هنا مصر» الرجال أو «الزلما» كما ينادون بعضهم وقت التشاجر أو النقاش، ليسوا وحدهم فالأطفال من الثالثة إلي العاشرة يقفون بثبات ينصتون، يتحركون في الداخل والخارج وهم يشيرون بأصابعهم الصغيرة: «هذا فلان ولد فلان اللي أبوه اتجتل، والله كان هنا وغادر هاالحين».

علي الوجوه تلمح حزنا وغضبا ويأسا وتحفزا للمواجهة، بينما تحتضن السيارات المتراصة قطعا من الأسلحة والذخيرة في وضع استعداد دائم للهجوم أو للدفاع.

قرية المهدية تقع علي بعد ٥٥ كيلو متراً شرق العريش وعلي بعد ٣٠ كيلو مترا من موقف الشيخ زويد، حيث تنطلق بك سيارة في قلب الصحراء إلي موقع الاعتصام ناحية الشرق، الطريق «أسفلتي» يكفي بالكاد لاستقبال سيارتين متجاورتين،

علي جانبيه زراعات الخوخ الموجودة بكثافة، بينما تقطع عليك سكون الطريق سيدة تختفي ملامح وجهها خلف الملابس البدوية وهي تستقل «عربة كارو» في طريقها إلي الزراعات أو العودة للمنزل وربما تجد طفلا يلهو في الرمال أو مجموعة أخري تنتظر من ينقلهم إلي الاعتصام وهم يوجهون سؤالهم إلي السائق «تقطرنا معك»، قبل أن تصل إلي المكان تجد الطريق الأسفلتي قد اختفي ويقودك طريق «رملي» إلي هناك، بينما تختفي تماما كمائن الشرطة وسياراتهم ورجالهم من الطريق، فليست هناك حواجز أو عسكري واحد يقول «أنا هنا» أو «نحن هنا»!

وفي «المخيم» تأتي حكاية قتل خليل سليم أبوجبرة وسليمان حسين حميد وكيف تلقوا الخبر ورد فعلهم ولماذا توجهوا إلي هذه المنطقة ولماذا اختفي رجال الشرطة من المكان نهائيا، يوم الأربعاء حوالي الساعة الثانية ظهرا «يعني في عز النهار، والضوء هكذا» يقول محمد كان خليل وسليمان «القتيلان» في طريقهما لبيع سيارة نقل يمتلكها الأول وشراء سيارة بديلة لها عند منطقة تسمي السر وبجوارها الرويسات،

 و«الأحفا» وهناك شاهدهما كمين متحرك وكأنهم شاهدوا «عفريتا» لأن هذه السيارات «الربع نقل» تستخدم ـ حسب اعتقاد الشرطة ـ في التهريب، ودون مقدمات، اطلقوا نيرانهم علي الضحيتين من سلاح «آر. بي. جي» وليس من سلاح آلي أو مسدس وانتهت حياة سليمان علي الفور، بينما انطلق خليل بالسيارة وهو مصاب بطلقات نارية لمسافة ٥ كيلوات في الصحراء،

 وفي هذه اللحظة، بدأ يفقد إتزانه، وكانت السيارة تتحرك بطريقة أقرب للأمواج وشاهدها بدوي كان في زراعاته واقترب منها تأكد من وفاة الأول وأن الثاني لا يتكلم نهائيا، وعندما رن هاتف أحدهما التقطه الرجل ورد علي المتحدث وأخبره بأن صاحب «الموبايل» وصديقه مصابان بطلقات نارية، الغريب أن قوات الشرطة روجت لكلام بأنه تم قتل الضحيتين عند الحدود أثناء عملية تهريب وهو كلام غير واقعي، فالحادث وقع علي الطريق السريع والرجل عثر عليهما في منطقة «الرويسات» وأبلغنا بما حدث.

ويضيف محمد: انطلق أفراد من عائلتي «السواركة» و«المنايعة» إلي هناك ونقلوا جثة المتوفي إلي المستشفي ونقلوا المصاب أيضا.. لكنه لفظ أنفاسه بعد ساعة . نعم تم قتلهم دون مبرر أو سبب واضح وسبق أن وقع حادث مماثل لشاب يدعي عايد سليمان عايد قتله رجال الشرطة قبل أسبوعين من الآن، وبالتحديد في ١٤ أبريل الحالي، عندما كان يستقل دراجته النارية بعد خروجه من مركز شرطة «القصيمة» وفي طريقه لمركز شرطة «الحسنة» لإنهاء أوراق متعلقة بالميراث وذلك بعد وفاة والده بأيام،

 وعندما شاهد كمينا أمامه، اكتشف عدم وجود فرامل في دراجته، فانطلق ناحية الصحراء، فعاجلوه بطلقات نارية أنهت حياته علي الفور واختلطت دماؤه بشهادة وفاة والده وبعض الأوراق المتعلقة بالميراث، والحق أن ضابطاً قال: «سيبوه الواد ده أنا عارفه» لكن مسؤولا كبيرا بمديرية الأمن قال: لازم يموت ليكون «عبرة» رغم أنه كان خارجا من مركز شرطة وفي طريقه إلي آخر.

عدنا إلي القرية بجثتي القتيلين وبعد الدفن أشعلنا النار في إطارات الكاوتشوك، وبعد لحظات قررنا أن نعتصم في مخيم حتي تتحقق مطالبنا.

ويقول محمد: «إحنا مش رايحين إسرائيل ولن ندخلها مهما حدث فكلنا مصريون لكننا اخترنا مسافة الـ٢٠ مترا بجوار الحدود لأن الشرطة لا تستطيع أن تقبض علينا هناك، ويومها قال لنا الإسرائيليون: اتفلضوا وفتحوا لنا قطعة من السلك الشائك لكننا رفضنا،

فنحن لنا أهداف كثيرة ليس من بينها الدخول لإسرائيل، وهذا علم مصر «يزين» المخيم ويناطح علم إسرائيل الموجود في الناحية الأخري، وصل عددنا هنا إلي قرابة ٢٠٠٠ شخص رفضنا - ومازلنا- مقابلة أي أحد من الداخلية وكذلك المحافظ لكن مساء أمس الأول جاء إلينا رجل محترم من جهة سيادية لا يجب أن نبوح باسمه واتفقنا معه علي أن نتراجع ١٥٠ مترا حتي تتحقق مطالبنا والمهلة لن تستمر كثيرا وربما نعود إلي الـ٢٠ مترا اليوم أو غدا علي الأكثر.

في تلك الأثناء توجه زميلي المصور عمرو عبدالله للبحث عن صورة بجوار السلك الشائك وتوجه معه شاب من البدو، وبعد دقائق حدث هرج وقالوا: «خطفوا زميلك» وأصابني قلق، لكن أمسك بي أحد البدو وقال بثقة: سيعود نحن المسؤولون عنه وعن سلامته، ولم أنتظر، لكنه عاود كلامه وبنفس الثقة، وتوجه العشرات إلي عمرو وبعد ١٥ دقيقة، عاد عمرو مرتجفا وهم يضحكون: صعب يأخذوه مننا.

استمر حديث محمد «نطلب الأمن والأمان تخيل أننا لا ننزل السوق ونحن نرتدي ملابسنا البدوية، سيتم اعتقالنا علي الفور أما إذا كانت ملابس أفرنجية نعود إلي أسرنا سالمين، ونطالب أيضا بعدم «شيل» «حريمنا» - أي القبض عليهن- وعدم إطلاق النار بصورة عشوائية علي البدو أثناء استقلالهم سيارات أو دراجات نارية..

 البدو ليسوا ملائكة وليسوا شياطين، لكن نطالب بمعاملة آدمية، أسأله عن أوراقه ثم أقبض عليه! والأهم من ذلك هم المعتقلون الذين يتم تجديد اعتقالهم أثناء فترة اعتقالهم بخطاب يقول: لقد عاود المذكور نشاطه في التهريب وتجارة المخدرات، رغم أن المذكور يكون بين أيديهم في الحفظ والصون!

 

  • Currently 56/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
19 تصويتات / 1426 مشاهدة
نشرت فى 30 إبريل 2007 بواسطة areda

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

4,195,400