يملكني الغضب والأسى عندما أجد رجال الحديث النبوي ضعفاء الوعي بالقرآن الكريم ! يقرؤون على الناس الحديث غير شاعرين بقربه أو بعده من هذه الآيات القرآنية .
في الجزء الثالث من تيسير الوصول إلى جامع الأصول جاء أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال: (( لا يسأل الرجل : فيم ضرب امرأته )) ؟
قال الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على هذا الحديث: و أخرجه النسائي ! أي أنه قوّى سند الحديث ، و ترك المتن وكأنه صحيح لا غبار عليه..!
وهذا الظاهر باطل ، فالمتن المذكور مخالف لنصوص الكتاب ، ومخالف لأحاديث أخرى كثيرة ! و عدوان الرجل على المرأة كعدوان المرأة على الرجل مرفوض عقلاً ونقلاً وعدلاً ولا أدري كيف قيل هذا الكلام ونسب إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم).
إن من قواعد الجزاء الأخروي قوله تعالى: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومَن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) فهل الزوجة وحدها هي التي تخرج عن هذه القاعدة فلا يسأل الرجل (( فيم ضربها؟ )) وهل له أن يضربها لأمر ما في نفسه ، أو لرغبة عارضة في الاعتداء ؟ فأين قوله تعالى: ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) و قوله : ( أمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ) و أين قوله عليه الصلاة والسلام: (( استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك...))
ما يقع هو النشوز ، ومعنى الكلمة الترفع و الاستعلاء ، أي أن المرأة تستكبر على الزوج وتستنكف من طاعته و يدفعها هذا إلى كراهية الاتصال به في أمسّ وظائف الزوجية، فيبيت وهو عليها ساخط ! و قد يدفعه هذا إلى ضربها...!.
و هناك أمر آخر أفحش " أن تأذن في دخول بيته لغريب يكرهه مع ما في ذلك من شبهات تزلزل العلاقة الزوجية وتجعلها مضغة في الأفواه.." .
ولم أجد في أدلة الشرع ما يسيغ الضرب لا هذا وذاك..
و مع ذلك فقد اتفقت كلمة المفسرين على أن التأديب يكون بالسواك مثلاً ! فلا يكون ضرباً مبرحاً ، ولا يكون على الوجه ! ففي الحديث : (( ... ولا تضرب الوجه ، و لا تقبح أي لا تقل لها قبحك الله )) ..!.
ثم قال تعالى في الزوجات المستقرات المؤديات حق الله و حق الأسرة : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيرا ً) .
وختام الآية جدير بالتأمل ، فقد تضمن صفتين من صفات الله تعالى هما العلو و الكبرياء و هما صفتان تنافيان الإسفاف في التصرف ، و الاستئساد على الضعيف ، و المسلك البعيد عن الشرف ، و في ذلك كله لفت أنظار الرجال إلى أن تكون سيرتهم مع أهليهم رفيعة المستوى ، متسمة بالرفق و الفضل ، و ليس يتصور مع هذا كله أن يعدو الرجل على امرأته كلما شاء ، و أنه لا يسأل عن ذلك أمام الله...
و من ثم فالحديث الذي رواه أبو داود والنسائي في ضرب النساء لا أصل له ، مهما تمحلوا في تأويله...
على أن من احترام الواقع ألا نظن النساء كلهن ملائكة ، و الرجال جميعاً شياطين ، هذا ضرب من السخف ، و الانحياز في الحكم إلى أحد الجانبين ليس من الإنصاف..
و الأولى أن ندرس العلاقات العائلية بتجرد ، و أن نحسب آثار الطباع و الأزمات و الأحداث الطارئة ، و ألا نترك لسبب تافه القضاء على الحياة الزوجية..
إن انهدام بيت شيء خطير! وقد رأى الإسلام ـ حتى بعد وقوع طلاق ـ أن يجعل كلا الزوجين يواجه الآخر ، لعل الذكريات الحلوة تغلب الذكريات المرة ، أو لعل الإيلاف يطرد الفراق على نحو ما قال أبو الطيب:
خُلقتُ ألوفاً ، لو رجعت إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكياً
ومن ثم وجب تدخل المجتمع لفض الاشتباك على مهل و إعادة المياه إلى مجاريها ، و أولى الناس بأداء هذه المهمة أقارب الزوجين ، فهما أرغب في الصلح و أبصر بالمصلحة و أقدر على التنفيذ ، و هذا هو قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله و حكماً من أهلها ، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان علياً خبيراً ) .
و قد روى الشافعي بسنده عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، أنه جاءه رجل و امرأة ، ومع كل واحد منهما فئام من الناس ـ جماعات ـ قال: ما شأن هذين؟ قالوا: وقع بينهما شقاق! قال عليّ فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهله وحكماً من أهلها.
ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكم؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما! وإن رأيتما أن تفرِّقا فرقتما، فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما علي فيه وبما لي!.
و قال الرجل : أما الفرقة فلا..! قال علي كذبت حتى تقر بمثل ما أقرت به..
و معنى اعتراض الزوج أنه لا يعطى للحكمين حق إيقاع الطلاق باسمه.. أي أن لهما الجمع لا التفريق! و لكن علياً كذّبه! مبيناً أن للحكمين التوفيق أو التطليق أو المخالعة ، وهذا هو كتاب الله..
و الفقهاء يختلفون في سلطة الحكمين و مداها ، ولا ندرس الموضوع هنا ، و إنما نشعر بالغرابة لأن الرجل الذي استفحل الشقاق بينه و بين زوجته حتى بلغ ما بلغ لم يفرط في عقد الزوجية ، ورغب في بقائه..!.
وشيء آخر نتوقف عنده ، أن المجتمع باسم الله تدخل لحسم النزاع، واستدامة العلاقة العائلية! أما اليوم فقد تطلق المرأة في رطل لحم يعلق الرجل بقاء امرأته على شرائه!.
الحق أن قضايا المرأة تكتنفها أزمات عقلية و خلقية و اجتماعية و اقتصادية ، كما أن الأمر يحتاج إلى مراجعة ذكية لنصوص وردت، وفتاوى تورثت و عادات سيئة تترك طابعها على أعمال الناس .


ساحة النقاش