لولا اختلاف الرأي يا محـــــترم
لولا الزلطتين ما الوقود انضرم
ولولا فرعين ليف سوا مخاليف
كان بيننا حبل الود كيف اتبرم؟
عجبي
(صلاح جاهين)

لأن الراحل "صلاح جاهين" كان دائم الصخب، ولأنه كان يمتلك ريشة حراقة، وفيضا من الكلمات والتعبيرات الصادمة، كان له في حياته ومماته العديد من المعارك أشهرها المعركة الغزالية مع الشيخ الكبير الإمام الغزالي والمعركة البهجورية مع الرسام المصري دائم الهجرة والترحال "جورج بهجوري".

• المعركة الغزالية

في أثناء خطاب الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" في 21 مايو 1962 أمام المؤتمر الوطني للقوى الشعبية تعرض لقضية مساواة المرأة بالرجل في كل الأمور، فقام الشيخ الغزالي وهو عضو في المؤتمر، بالمطالبة بالالتزام بالشرع فيما يخص المرأة والرجل، فطالب بتخفيف العبء على المرأة، والحد من الأمور التي تخرجها عن طبيعتها الأنثوية، ثم أضاف الشيخ الغزالي بضرورة تحرير القانون المصري من أية تبعية أجنبية والعمل على توحيد ملابس المصريين والـتأكيد على احتشام المرأة وارتدائها للحجاب.

في اليوم التالي خرج الأهرام بكاريكاتير لـ"صلاح جاهين" وقد رسم الشيخ الغزالي وهو يخطب في عدد غفير من الجماهير وكتب "جاهين" على لسان الشيخ الغزالي: "يجب أن نلغي من بلادنا كل القوانين الواردة من الخارج.. كالقانون المدني وقانون الجاذبية الأرضية!"..

وتكهرب الموقف بعد نشر الكاريكاتير إذ هاجم الشيخ الغزالي الأهرام والكاريكاتير في نفس اليوم الذي نشره فيه، الأمر الذي دفع "جاهين" لأن يرسم كاريكاتير آخر يسخر فيه من رؤية الشيخ الغزالي للمرأة، مما استفز الشيخ الغزالي الذي هاجم "جاهين" بضرواة مرة أخرى موضحا أنه لم يهاجم القوانين العلمية الثابتة كالجاذبية الأرضية وإنما يرفض أن يظل الشرق العربي محكوما بالقانون الفرنسي لفترة طويلة من الزمن، واختتم الغزالي هجومه بعبارة قوية ذات دلالات "إن هذا المؤتمر يعطي الحق لكل فرد ليقول الكلمة الأمينة الحرة، التي يجب ألا يرد عليها بمواويل الأطفال في صحف سيارة ينبغي أن تحترم نفسها".

ولعل العبارة الأخيرة هي التي دفعت "محمد حسنين هيكل" رئيس تحرير الأهرام آنذاك بأن يتدخل لأول مرة في الصراع الدائر بين الطرفين، إذ كتب في الأهرام أن الجريدة تقدس الدين وتحترمه إلا أنها ترفض في ذات الوقت أن يتحول الخلاف بين "صلاح جاهين" والشيخ الغزالي إلى خلاف ديني.

وفي نفس العدد رسم "جاهين" كاريكاتير جديدا أظهر فيه مجموعة كبيرة من الأفراد المشردين يوجهون حديثهم للشيخ الغزالي ويسألونه "أين الكساء يا مُشرع الأزياء.. لماذا لا تتكلم إلا عن ملابس النساء؟" حيث يرد عليهم الشيخ الغزالي قائلا: "ما باتكلمش عنكم يا جهلاء لأنكم ذكور.. وما ظهر من جسمكم ليس عورة!".

وتوالت الكاريكاتيرات الساخنة اللاذعة، إلى أن جاء يوم جمعة نشر فيه "جاهين" ستة رسوم كاريكاتيرية دفعة واحدة جميعها سخرية من الشيخ الغزالي ثم ذيلهم بقصيدة زجلية قصيرة أكثر سخرية، يومها ألقى الشيخ الغزالي خطبة قوية في الجامع الأزهر وشن هجوما قويا ضد "صلاح جاهين"؛ الأمر الذي دفع الكثير من الحاضرين إلى أن يحملوا الشيخ بعد الصلاة على الأعناق وذهبوا إلى مبنى الأهرام ورشقوه بالحجارة احتجاجا على رسومات "جاهين".

وقتها بدا أن الصراع بين الطرفين وصل لـ"حارة سد" ولم يعد هناك حل إلا بتدخل السلطة، فإثر اتصال من "كمال الدين حسين" نائب رئيس الجهورية آنذاك بـ"هيكل" تم عقد لقاء مصالحة في مبنى الأهرم بين الشيخ الغزالي و"صلاح جاهين" برعاية "هيكل" وتم التصالح بين الطرفين وطويت صفحة خلاف عنيفة تشابك فيها الدين والكاريكاتير.

• المعركة البهجورية

كان "صلاح جاهين" و"جورج بهجوري" من أوائل الرسامين الذين ساهموا في نشر فن الكاريكاتير في روزاليوسف وظلت تجمعهما طوال السنوات التي سبقت وفاة "جاهين" علاقة صداقة قوية ولذا صُدم الكثيرون عندما كتب "البهجوري" في كتابه الجديد الذي صدر مؤخرا "الرسوم الممنوعة" واتهم "جاهين" بأنه لص ظريف وأنه سرق رسوما أوروبية، بعدها دخل الشاعر "بهاء جاهين" طرفا في المعركة التي تمس والده وكتب في الأهرام مستاءً مما قاله "البهجوري" ثم أجرت مجلة الأهرام العربي حوارا مع "البهجوري" وسألته عن الأسباب التي دعته إلى أن يلقي بمثل هذه الاتهامات على صديق عمره "جاهين" وكان رد "البهجوري" صادما أكثر وأكثر..

"أنا أقرر حقائق محددة‏، كنا كطاقم فنانين كانت تأتينا قواميس ومراجع في فن الكاريكاتير الأوروبي تسمى ألف نكتة‏،‏ وكانت مؤسسة روزاليوسف تتعهد بتوفير هذه المراجع لنا‏،‏ كلنا لصوص ظرفاء،‏ و"صلاح جاهين" أحدنا،‏ وهو بالتأكيد لص ظريف‏‏".
لم يكتف بهذا فقط بل.....

"صلاح جاهين كان العبء الأكبر من كاريكاتير صباح الخير ملقى على عاتقه‏،‏ وفي الأعداد التجهيزية طلبت منا إدارة المجلة تجهيز مائة نكتة منا جميعا‏،‏ لذا اتجهنا إلى قواميس الكاريكاتير الأوروبي بحثا عن أفكار تصلح للتمصير‏"
و........
"صلاح جاهين ليس فوق مستوى النقد‏،‏ وكون أنه شاعر عظيم ورحل عن عالمنا لا يمنحه قدسية أو يجعله إلها لا يجوز المساس به‏.

أنا لا أقرر سوى وقائع‏.‏ صلاح جاهين كان يأتي إلى مكتبي في روزاليوسف متسللا ليتعلم مني رسم الخطوط وتوزيع الضوء والظل‏،‏ لقد تخرج في كلية الفنون الجميلة بعد عام واحد، وكانت تنقصه معرفة القواعد الأكاديمية لمزاولة الرسم‏،‏ وبنفسه كان يقول لي الأفكار تأتيني كثيرة ومتنوعة‏، لكني حين أبدأ في تنفيذها أشعر بحالة من التوهان‏،‏ وأحس بأنني في حاجة إلى البحث عن ثوب فني ألبسه هذه الأفكار‏"

إلا أن "البهجوري" عاد وأكد بأنه لا يود أن يزايد أحد في حبه لـ"صلاح جاهين" وأنه الوحيد الذي أبكاه في رسومه وأنه هو الذي طالب بإغلاق زاوية "جاهين" في الأهرام احتراما لموهبته ثم ختم بـ.........

"صلاح جاهين عبقري ونجح في ابتكار أفكار مصرية حميمة لاحقا،‏ لكن أفكاره الأولى كانت مأخوذة عن مراجع وكتب أوروبية‏، أي أنني أتحدث عن البدايات فقط‏،‏ وليس عن كل مسيرة صلاح، هو في البدايات لص،‏ وفي مجمل مسيرته.... عبقري‏".

ولم يغلق ملف المعركة بعد.
 

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 427 مشاهدة
نشرت فى 22 أغسطس 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,016