|
|
 |
أعيش مصر وتعيش في نبضي, متطلعا أن تكون منارة حداثة, كما كانت مهد حضارة. وبرغم عمري الذي تجاوز الثمانين واستمرار تقلدي لعدة مناصب ومواقع دولية تستوعبني كثيرا إلا ان المجلس القومي لحقوق الانسان يظل هو الأقرب لقلبي وعقلي ويستأثر كل جهودي. ويحضرني ذلك لأروي نقاشا دار حول نشأة هذا المجلس وقبل صدور قانونه في يناير2003, حيث اتجهت آراء كثيرة تحبذ أن تكون تبعية هذا المجلس الي رئاسة الجمهورية, والمدافعون عن هذا الرأي يؤكدون ان ذلك يعطي الفعالية ويضفي علي توصياته ثقلا مهما, فضلا أن ذلك ليس ببدعة باعتبار أن مجالس أخري تتبع رئاسة الدولة والحكومة مثل المجلس الاستشاري الفرنسي مثلا والذي يتبع رئاسة الوزراء.
بينما اتجه رأي آخر يؤكد أهمية تضمين عضوية المجلس لممثلي وزراء الداخلية والعدل والخارجية.. إلخ, بما يساعد هذا المجلس علي الانجاز.. وهو الرأي المتبع مثلا في المجلس المشابه في اليونان, إلا ان حصافة الرئيس ورؤيته المستقبلية لعمليات الاصلاح السياسي والديمقراطي غلبت مبدأ استقلالية المجلس وتدعيم هذا الاستقلال بما تضمنه قانونه وبقرار نشأته الصادر من مجلس الشوري, وذلك لاتاحة أوسع مساحة من الاستقلالية ودون تبعية لجهة ما قد تسعي للتأثير عليه.
وهو الأمر الذي أعاد تأكيده السيد الرئيس مبارك خلال لقاءاتي وسيادته, حيث كان يصر علي ضرورة تفعيل المجلس ـ رغما عن كل المعوقات ـ صيانة للحقوق والحريات, كما تقبل تقرره الأول والذي احتوي رصدا دقيقا لحالة حقوق الانسان في مصر والتجاوزات والانتهاكات لتلك الحقوق والمعوقات التي تعترض تعزيزها.
ما أسعدني أخيرا ان توصيات المجلس لمواجهة هذه الحالة وجدت صداها الطيب لدي الرئيس بل أكدها خلال خطاب الترشيح لولاية جديدة, حيث ركز علي إنهاء حالة الطوارئ, وهو المطلب الأول لهذا المجلس وبضرورة اللجوء للقانون لمواجهة الإرهاب..
كما شدني ايضا أن توصيات المجلس الخاصة بتدعيم الحريات العامة تضمنتها تأكيدات سيادته للولاية الجديدة علي اجراء التعديلات الدستورية اللازمة بتوسيع مجال هذه الحريات وتحقيق توازن بين السلطات وتعزيز دور مجلس الوزراء علي حساب الوظيفة الرئاسية.. الخ.
كما كان لافتا ايضا ما طرحه من ضرورة تعزيز وجود المرأة في الحياة السياسية العامة والبرلمانية, اضافة للكثير من حيث حق العمل, والحق في الرعاية الاجتماعية الصحية وحق التعليم والحق في السكن, فلا يسعني إلا ان أشيد بها باعتبارها مطالب محددة تقدم بها المجلس, والأمل معقود علي تنفيذها وفقا لجدول زمني محدد, بما يضيف للديمقراطية ويؤكد استمرارية عملية الاصلاح في جميع جوانبها.
واللافت للنظر ان صدور قانون انشاء المجلس القومي لحقوق الانسان2003, تزامن مع نشاط عربي مكثف لمصر وللرئيس مبارك, حيث تم اصدار ميثاق حقوق الانسان العربي في قمة تونس مايو2003 بعد أكثر من عقد من الزمان من محاورات ومشاورات شاركت مصر فيها بفعالية, وهو مايؤكد الفهم العميق للارتباط بين التحرك الخارجي والداخلي في هذه القضية المهمة, ولا أبالغ في القول ان اضافة جديدة لعملنا الدبلوماسي تتأكد يوما بعد يوم فأصبحت دبلوماسية حقوق الانسان أحد أركان هذا التحرك, وهو الأمر الذي استثمره المجلس القومي ومنذ عامه الأول بالقيام بعدة مبادرات علي الساحة الاقليمية والدولية وتجسد بعقد أول مؤتمر عربي للمجالس العربية المشابهة, فضلا عن مشاركته في المجتمع الفرنكوفوني لهذه المجالس والذي يشارك فيها كعضو كامل في مؤتمرها الأول القادم, اضافة الي العمل من خلال الجهاز المعني للأمم المتحدة في جنيف.
ودبلوماسية حقوق الانسان تفتح لنا قنوات جديدة للاتصال مع العالم الخارجي, والتي نحن في أشد الحاجة لها والتي نستطيع بموجبها ان نعمل علي تدعيم الوجود المصري علي الصعيد الدولي, وهي في رأيي لها ثلاثة أهداف يمكننا تحقيقها:
ـ تصحيح صورة مصر من خلال الترابط والتعاون مع مجالس حقوق الانسان الأجنبية وابراز الاصلاحات التي حققناها والتي سوف نحققها, ونسطيع بذلك ان نقاوم التيار المعادي الذي يحاول ان يربط ظاهرة الارهاب بالمجتمع الاسلامي العربي.
ـ الانفتاح والاتصال مع المجتمع المدني الأجنبي والذي يمثل قوة جديدة صاعدة في السياسة الدولية, حيث يصعب التعامل معه من خلال الدبلوماسية التقليدية.
ـ المساهمة في عولمة حقوق الانسان وعولمة الديمقراطية من خلال الشبكة الدولية التي تربطنا بمختلف مجالات حقوق الانسان, ومن خلال هذا العمل نستطيع ان نسهم في الدفاع عن حقوق الانسان ليس في مصر فقط ولكن في المجتمع الدولي.
ومن هنا أؤكد تفاؤلي بفترة رئاسية قادمة يتحقق فيها ما سبق تعزيزا لمسيرة حقوق الانسان وتمثل بداية تحرك جديد ومتسارع نحو الديمقراطية والتي تأخذ في الاعتبار التلازم المنشود الوثيق بين حقوق الانسان والديمقراطية اتفاقا وقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن والتي أقرها مؤتمرها في فيينا.1993
وهي كلها خطوات ودوائر تترابط ببعضها, هدفها في النهاية المواطن المصري في عالم أكثر استقرارا وأكثر عدلا وأكثر سلاما..
فالأمل والواقع ينبئ بقيام الجمهورية الثانية جمهورية القانون, جمهورية الديمقراطية وحقوق الإنسان. |
|
|
|
| |
ساحة النقاش