نعمان جمعة.. تاريخ حافل بالنضال الوطني
انضم إلي لجنة الطلبة الوفديين فى سن 14 عاماً
الدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد
  كتبها: سيد عبدالعاطي
لم يكن اختيار الدكتور نعمان جمعة، ليكون الرئيس الرابع للحزب العريق، قد أتي من فراغ، ولم يكن مصادفة، فقد كان الذراع اليمني للزعيم فؤاد سراج الدين، وكان الرجل الثاني الفعلي لسنوات طويلة.. بالإضافة إلي هذا وذاك، كان نعمان هو مهندس عودة الوفد عام ،198 بعد تجميد الحزب عام 1978.. وكان فؤاد سراج الدين وكوكبة من رجالات الوفد قد أعادوه إلي الحياة السياسية بعد غياب استمر 25 عاماً، عاشها في الظل عقب حل الأحزاب السياسية عام 1953. فمنذ إعلان الرئيس أنور السادات عن إنشاء المنابر عام ،1977 والتي تحولت فيما بعد إلي أحزاب، كان الدكتور نعمان جمعة ملازماً لفؤاد سراج الدين في كل تحركاته وقراراته،
وكان هو المسئول عن إعداد الأوراق والوثائق ورفع القضايا، ثم فيما بعد أعلن عودة الوفد في مؤتمر صحفي عالمي، حيث كان فؤاد سراج الدين وإبراهيم باشا فرج، معزولين سياسياً.
ولد نعمان جمعة في 22 يونيو ،1934 والده كان مهندساً زراعياً، وكان رجلاً مكافحاً، يعيش من جهده وعرقه، وكان وفدياً صميماً.. وكانت والدته سيدة متعلمة ومحافظة جداً، لذا غرست في أبنائها كل صفات الخير والمحبة والإخلاص والاجتهاد.. وفوق كل هذا صفة القناعة، كما حرصت علي أن تجعل أبناءها متدينين منذ الصغر، يحرصون علي الصوم والصلاة.
وفي منزل الأسرة بشبين الكوم عاصمة محافظة المنوفية، تلك الأرض الطيبة، تربي نعمان جمعة بين عشرة أبناء، خمسة أولاد، وخمس بنات، وكان هو أصغرهم جميعاً.
جاء نعمان من قلب الطبيعة التي أعطته كل مزايا القرويين في سعة المحيط، وقوة التربية، وسلامة المناخ ليدرك من الصفات التي تهيئ له سبل النجاح، وتفتح له الطريق إلي التفوق وتعينه علي التمرس بالشدائد، والتجلد للصعاب والمشاق، واحتمال كبار الأعباء، والصبر علي عظائم المحن.
<!-------------------------------------->
انضم للوفد مبكراً
وفي شبين الكوم التحق نعمان بمدرسة المساعي المشكورة، من المراحل الأولي في الابتدائي وحتي الثانوي، وفي عام 1948 عندما كان عمره 14 عاماً انضم الطالب نعمان جمعة إلي لجنة الطلبة الوفديين، فقد كان والده يشجعه علي الانضمام للوفد، وعلي المشاركة في المظاهرات التي تندد بالاستعمار وتطالب بجلاء الإنجليز عن مصر.. وفي تلك المظاهرات تفجرت كمائن الوطنية داخل الشاب نعمان.. لذا عندما تخرج في الثانوية، أصر علي الالتحاق بمدرسة الوطنية التي تخرج فيها ثوار مصر وزعماؤها سعد زغلول ومصطفي النحاس، التحق نعمان بكلية الحقوق جامعة القاهرة، ورغم ذلك لم تنقطع صلته بالوفد، ففي الجامعة أيضاً انضم إلي لجنة الطلبة الوفديين، فقد كان يري أن مثله الأعلي بعد والده، هو مصطفي النحاس زعيم الأمة، تأثر بخطبه، وشجاعته في مواجهة الإنجليز والقصر، ودفاعه عن الحرية والدستور.. وكان الشاب الثائر يري أن الوفد هو أمل الأمة في تحقيق الاستقلال ورفعة الوطن وإعلاء شأنه.
وعندما قامت حركة يوليو ،1952 فرح الشاب الثائر كان مؤيداً لها، مثلما أيدها رجال الوفد وزعيمه مصطفي النحاس، لكن سرعان ما تحول هذا الفرح والتأييد إلي ثورة غضب، فقد خرجت الثورة عن أهدافها وعن طموحات الشعب المصري بعد انقلاب عبدالناصر ورفاقه علي محمد نجيب، وإلغاء الأحزاب السياسية بما فيها حزب الوفد.. وتحول الشاب نعمان من مؤيد للثورة إلي معارض لها.
عندما التحق نعمان بكلية الحقوق، كان يؤمن بأن دراسة القانون هو فن البحث عن الحق والعدل، مهما كان من صعوبة القضايا وتعقدها.. وكان يؤمن بأن المحامي الباحث عن الحق والعدل لا يترافع ضد ضميره، ولا يغلبه الطمع في الكسب علي التطلع إلي الفوز بإزهاق الباطل وجعل كلمة الحق هي الغالبة، لا أن يعمد إلي التعمية أو يلجأ إلي اخفاء الحقائق، كما أن بلاغته وقوة منطقه وكفاءته وبراعته ينبغي أن تنصرف جميعاً لخدمة الحق والعدل، وهذا لا يتعارض بلا ريب مع واجب الدفاع باعتباره حقاً مقدساً لكل متهم، وإنما يجب أن يلبس المحامي كل حالة ثوبها الحقيقي، ويصورها في صادق صورها، ويصرف همه وعنايته إلي شرح الظروف الصحيحة المحيطة بالقضية وملابساتها، فإن هذه قد تكون عوامل تقتضي الرحمة، أو ظروف توجب التخفيف.
علي هذه المبادئ درس نعمان جمعة القانون، واستطاع أن يتفوق علي أقرانه في الجامعة، وبعد التخرج عمل وكيلاً للنائب العام، وتنقل بين نيابات جنوب القاهرة، وباب الشعرية، والمخدرات، وقد أتاحت له فرصة العمل في النيابات، أن يتعرف أكثر علي أوجاع المجتمع ومشاكله ومعاناته، ودوافع ارتكاب الجريمة.
نعمان فدائي
وفي ديسمبر ،1956 وقع العدوان الثلاثي علي مصر، ثلاث دول هي: إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، هاجمت مصر أغارت عليها بالطائرات، وزحفت بالدبابات لاحتلال أرضها، لم يقف وكيل النيابة ابن الوفد مكتوف الأيدي، كان عمره وقتها 22 عاماً، لم يخش أن يفقد وظيفته المرموقة ومصدر رزقه الوحيد، ترك عمله ولبي نداء الوطن مدافعاً عن تراب بلده.. وفي معسكر جيش التحرير بالهرم تلقي التدريب، ثم انطلق مع عشرين من الفدائيين إلي قلب المعركة، إلي سيناء وهناك ظلوا يتغلغلون فيها نحو 50 كيلو متراً لمواجهة القوات الاسرائيلية الغاشمة، وحدث اشتباك بين الدوريات الاسرائيلية والفدائيين المصريين في منطقتي »كليانة« و»البرج« واستطاعوا مقاومة تقدم تلك الدوريات عدة أيام.. ولأن العدو الاسرائيلي كان يملك من العتاد ما يصعب مقاومته بتلك الأسلحة الخفيفة التي في أيدي فدائيينا، فقد صدرت إليهم التعليمات بالتوجه إلي جزيرة »أم خلف« التي تقع علي بعد كيلو مترين من منطقة »الكاب« في بحيرة المنزلة.. وكانت المهمة المكلفون بها هي مراقبة تحركات القوات المعتدية عند الكاب بطريق القناة، وأن يتولوا حماية هذه الجزيرة، وفي يوم 8 ديسمبر 1956 تخفي الفدائي نعمان جمعة في ملابس صياد، للوقوف علي تحركات العدو، ركب مع أحد زملائه الفدائيين وكان ضابطاً بالبوليس المصري، زورقاً صغيراً يقوده صيادان للأسماك هما: أحمد مرايا وحسن الخولي، لكنهم فوجئوا بوابل من الرصاص ينهال عليهم، في البداية ظنوا أن البوليس الدولي يرابط هناك وفقاً لما سبق أن أعلنته قوات الطوارئ الدولية، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن القوات الفرنسية هي التي تحاصرهم.. ووقع الفدائيان ومعهما الصيادان في الأسر.. وتم ترحيلهم إلي بورفؤاد، واحتجازهم داخل معسكرات الجيش الفرنسي بعد استجوابهم.. وبعد ثلاثة أيام تمت مبادلة ضابط البوليس المصري بجندي بريطاني، كان الفدائي يس محمد علي، قد تمكن من أسره.
تعرض للتعذيب
وبقي نعمان جمعة والصيادان في الأسر، وانضم إليهم في المعسكر عدد من الأسري المصريين، وداخل المعتقل تعرض نعمان وزملاؤه لأبشع أنواع التعذيب البدني والنفسي علي أيدي الفرنسيين، وتعرضوا للإهانة والحرمان من الطعام والشراب.
كان الفرنسيون يعاملون هؤلاء الأسري معاملة قاسية، كانوا يتركونهم للنوم علي الأرض، ودون غطاء، وفي العراء، رغم قسوة البرد.. لم يكن يقدم لهم الطعام إلا مرة واحدة في اليوم، ولا يزيد ما يقدم عن ربع رغيف لكل شاب، لقد أرادوا قتلهم جوعاً، بعد أن تأكد الفرنسيون أن هؤلاء الأسري من الفدائيين والمقاومين.
كان الشبان المصريون في الأسر، أشد قوة وأكثر صلابة، لم تلن عزيمتهم، ولم تنحن رؤوسهم، وكان نعمان يحثهم علي الصبر والصمود، وفشل الفرنسيون في تحطيم أعصابهم، وإذلالهم، فلجأوا إلي إرهابهم، كان الجنود الفرنسيون يصوبون فوهات بنادقهم إلي صدور الفدائيين الأسري، وقتلوا ثلاثة منهم بهدف إشاعة الذعر والرعب بين الآخرين، لكن نعمان ورفاقه لم يرهبهم رصاص العدو، ولم يخفهم أن يموتوا في سبيل الوطن وعزته وكرامته، وقد ازدادوا قوة وقدرة علي تحمل كل أساليب الإرهاب والبطش التي مارسها الجنود الفرنسيون ضدهم في الأسر.
وبعد حوالي شهرين، تم الإفراج عن الشاب الثائر نعمان جمعة ورفاقه، ولم ينقذهم من هذا الأسر سوي البوليس الدولي الذي سلمهم إلي البوليس المصري.
وقد تناولت جريدة »الأهرام« في عددها الصادر بتاريخ 26 ديسمبر 1956 بطولة وكيل النيابة نعمان جمعة علي صدر صفحتيها الأولي والثالثة، ونشرت صورته.
شهادة كمال الدين حسين
كما كشفت مذكرات كمال الدين حسين نائب رئيس الجمهورية السابق، ووزير التربية والتعليم الأسبق، وعضو مجلس قيادة الثورة وقائد المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي سنة 1956 عن الدور الوطني للدكتور نعمان جمعة رئيس الوفد.
قال كمال الدين حسين: »لا أنسي نعمان جمعة الذي قرأت له عدة مقالات يلمس فيها كبد الحقيقة في موضوع الديمقراطية، وكشف الديكتاتورية وما يواكبها من فساد، وحكم الفرد المطلق الذي لا يمكن محاسبته ولا محاسبة من يتسترون تحت عباءته من المفسدين، واستشراء الفساد وتخريب كل ما هو جميل في الوطن، وسألت عنه ووجدت أحد الأصدقاء يعرفه، وفعلاً استقبلته في منزلي وأعربت له عن إعجابي بشجاعته التي لا تخشي في الحق لومة لائم.. وقال لي: إنه كان وهو وكيل نيابة يتدرب متطوعاً في معسكر جيش التحرير في الهرم.. ثم انتقل إلي معسكر أنشاص الخاص، ثم كان ضمن كتائب الجامعة المتطوعة ضمن جيش التحرير التي حضرت وقت العدوان الثلاثي إلي منطقة
الإسماعيلية تحت قيادتي«.
ومضي كمال الدين حسين في مذكراته معلقاً علي هذا اللقاء قائلاً: »حمدت الله أن المجهودات التي بذلت في الحرس الوطني وجيش التحرير لم تذهب هباء.. فهي علاوة علي القتال الفعلي الذي مارسوه ضد الإنجليز والاسرائيليين، وعلاوة علي رفع الروح المعنوية للشعب كافة أثناء العمليات وتأثير ذلك علي تطور الأمور وكسب معركة التحدي، فإن الذين شاركوا في هذه المعسكرات أثبتوا امتيازهم في الحياة العامة، ومارسوا شجاعتهم لإعداد رأيهم في تحد وإصرار.. ولا أقول إن هذه الصفات طارئة وجديدة عليهم، ولكنها متأصلة فيهم.. ولولاها لما تطوعوا.. ولكن لا شك أن الممارسات العملية خاصة في خط النار وأمام المخاطر تصقل معادن الرجال وتزودهم بمقاييس جديدة للحياة.. تتحدي الجبن والنفاق.. تقهر العدو في الميدان.. وتجعلهم مستعدين للبذل أدبياً ومعنوياً.. خاصة في سبيل الأهداف التي بذلوا فيها العرق والدم في يوم من الأيام«.
الدكتوراه من فرنسا
بعد عدة أشهر من الإفراج عن وكيل النائب العام نعمان جمعة سافر إلي فرنسا في بعثة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة باريس.. لم تؤثر تجربة السجن في معسكر الجيش الفرنسي داخل الشاب نعمان سلباً تجاه الفرنسيين، لأن العدوان كان من الجيش، والسجن كان لدي الجيش الفرنسي، ولم يوافق الشعب علي ما قام به الجيش في ذلك الوقت.
وحصل نعمان جمعة علي الدكتوراه في القانون المدني بتفوق، وحرصت جامعة باريس علي أن تضمه إلي صفوف هيئة التدريس للاستفادة بكفاءته، وهناك أيضاً عمل بالمحاماة.. وبعد عشر سنوات قضاها في باريس قرر نعمان العودة إلي مصر، ليدرس لأجيالها القانون، والتحق للعمل بالتدريس في حقوق القاهرة، وتدرج استاذ الجامعة في المناصب حتي انتخب عميداً لكلية الحقوق مرتين متتاليتين.
ويذكر هنا، أن لجوء الحكومة إلي تعديل قانون الجامعات ليصبح تولي عمداء الكليات مناصبهم بالتعيين بدلاً من الانتخاب، كان أحد أسبابه الرئيسية، المواقف المستقلة التي اتخذها الدكتور نعمان جمعة داخل الجامعة، والتي أغضبت الحكومة حين كان عميداً لكلية الحقوق بعد أن فاز في انتخابات العمادة مرتين متتاليتين وباكتساح.
الوفد لا ييأس
في عام ،1953 أي بعد قيام حركة يوليو بعام واحد فقط، تم حل الأحزاب السياسية، وكان المقصود هو حل حزب الوفد، وتصفية رموزه وقياداته، لكن لم يستطع أحد انتزاع الوفد ومبادئه من قلوب المصريين، وكان وقتها فؤاد سراج الدين سكرتيراً عاماً للوفد، وتعرض الوفديون علي أيدي ثوار يوليو للتنكيل والسجن والاعتقال وتلفيق القضايا، لم تنحن رؤوس الرجال، ولم يستسلموا لليأس، كانوا علي يقين أن لكل ظالم نهاية، ولكل ليل نهاراً.. ونجح فؤاد سراج الدين وكوكبة من الوفديين الكبار في الحفاظ علي وفديتهم، وعلي مدي ربع قرن كامل من القهر السياسي، عاشوه في الظل، ونجح سراج الدين بهؤلاء، وكانوا عصبة قليلة، ولكن شديدة البأس، نجحوا في إعادة الوفد إلي ساحة العمل السياسي.
وكان من بين هؤلاء العصبة القليلة، أحد الشباب الوفديين الثائرين، كان الدكتور نعمان جمعة استاذ القانون بحقوق القاهرة، وكان عمره وقتها 42 عاماً.. وداخل منزله بحي الزمالك عقد اجتماعاً لمناقشة خطة عودة الوفد، وكان هذا الاجتماع يضم فؤاد باشا سراج الدين، وإبراهيم باشا فرج، ومصطفي بك مرعي، ومحمد باشا صلاح الدين، والكاتب الكبير الاستاذ مصطفي أمين.. ثم توالت الاجتماعات، ودب الأمل في النفوس لعودة الوفد إلي الساحة السياسية.
منذ ذلك الاجتماع، ظل الدكتور نعمان جمعة ملازماً لفؤاد باشا في تحركاته، وفي المرور علي منازل الأصدقاء، الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، والدكتور سعيد النجار، والدكتور حامد سلطان، والدكتور يوسف والي، الذي انضم فيما بعد للحزب الوطني الديمقراطي، وعين وزيراً للزراعة، وأميناً عاماً للحزب، ثم نائباً لرئيس الحزب الوطني.
حكم تاريخي بعودة الوفد
وفي أحد هذه الاجتماعات، اقترح بعض الحضور، أن يكون الدكتور نعمان جمعة رئيساً لحزب الوفد، وأن يكون فؤاد سراج الدين وباقي الكبار هم الآباء الروحيين والموجهين لسياسة الوفد.. إلا أن الشاب الوفدي الثائر رفض قبول ذلك، وأصر علي أن يعود الوفد وعلي رأسه الزعيم فؤاد سراج الدين.. كان نعمان حافظاً للجميل، مقدراً لدور الكبار الذين دفعوا من أموالهم وحرياتهم الكثير من أجل الوفد ومبادئه.. وظل رجال الوفد منذ عام 1978 في صراع مع السلطة داخل أروقة المحاكم، وتمكن الدكتور نعمان جمعة من الحصول علي حكم تاريخي بعودة الوفد إلي الحياة السياسية عام 1984.
كان الدكتور نعمان ينظم عملية ترشيح الوفد لقائمة انتخابات المحليات في شمال القاهرة بالتعاون مع كرم زيدان وأحمد طه، وذلك للحصول علي قرار سليم يمكنه من الطعن أمام القضاء الإداري.. كان يعد الأوراق، ويجمع الوثائق ، ويرفع الدعاوي، ويترافع أمام القضاء مطالباً بعودة الوفد.. ونجح نعمان وأعلن العودة في مؤتمر صحفي عالمي، لأن فؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج كانا معزولين سياسياً.
منذ ذلك التاريخ 1984 والدكتور نعمان هو الذراع اليمني، والرجل الثاني لفؤاد باشا، ظل ملاصقاً له، يشاركه تحركاته، وقراراته، وكل معارك الوفد.. ومع عودة الوفد وصدور صحيفته في 22 مارس ،1984 خصص الدكتور نعمان جمعة له زاوية بالصحيفة بعنوان »نبضات« يكتب فيها كل خميس مقالة يعبر فيها عن رأيه، ،وبكل حرية، ودون خوف من سلطان.. وخاض من خلال مقاله الأسبوعي معارك شرسة مع النظام الحاكم. طالب بتعديل الدستور الذي أصبح كسيحاً ـ علي حد تعبيره ـ وغير قادر علي ضبط إيقاع الحكم في مصر، بعد التحول من النظام الاشتراكي إلي النظام الرأسمالي، من نظام الحزب الواحد إلي التعدد الحزبي.. وطالب الدكتور نعمان بإلغاء القوانين الاستثنائية وسيئة السمعة ومن بينها قانون الطوارئ الذي تحول إلي سيف علي رقاب المعارضين لنظام الحكم.. وطالب بإطلاق الحريات العامة، وحرية الرأي والتعبير وحرية إصدار الصحف، وإنشاء الأحزاب السياسية، بما لا يتعارض مع وحدة الأمة ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحة.. وطالب بوضع ضمانات حقيقية تكفي اجراء الانتخابات العامة بما يضمن لها النزاهة بعيداً عن العبث والتزوير وتقفيل الصناديق لتعبر عن إرادة الأمة.. وطالب بضرورة أن يكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر، وليس بالتعيين أو الاستفتاء.. ومن خلال مقالاته حارب الدكتور نعمان الفساد بكل ضراوة، وطالب بضرورة تطبيق قانون محاكمة الوزراء الذي ناضل من أجله الزعيم مصطفي النحاس.. وكتب يطالب بالمزيد من الديمقراطية والحرية، والحفاظ علي حقوق الإنسان المصري، وهي المبادئ التي قام وعاش عليها الوفد طوال تاريخه النضالي.
الوفد عملاقاً
وفي 9 أغسطس من عام 2000 رحل فؤاد سراج الدين رئيس الوفد.. رحل الزعيم الذي أعاد الوفد إلي الحياة مرة أخري بعد 25 عاماً من القهر السياسي.. وظن أعداء الوفد والمتربصون به، أن الوفد قد مات، ولن تقوم له قائمة، وأن الصراعات والخلافات ستدب في جنباته وأركانه، وأراد الحاقدون أن يشعلوها ناراً> لكن باءت كل محاولاتهم بالفشل.. وكانت إرادة الله فوق كل إرادة، ليبقي الوفد عملاقاً.
كان الدكتور نعمان هو النائب الأول لرئيس الوفد، وحسب نص لائحة الحزب، يتولي النائب الأول الرئاسة لحين انتخاب الرئيس الجديد، وهذا ما فعله الدكتور نعمان، بل أصر عليه.. فهو الذي حارب وناضل دفاعاًعن الديمقراطية، ومن أجل إجراء انتخابات حرة تعبر عن جموع المواطنين، فكيف يتسني له أن يخالف ما يؤمن به، ويناضل من أجله.
من هذا المنطلق، وفي 15 أغسطس 2000 أصدر الدكتور نعمان جمعة بصفته رئيساً للحزب، قراراً بدعوة الهيئة الوفدية للاجتماع في أول سبتمبر، لانتخاب رئيس جديد لحزب الوفد، خلفاً للراحل فؤاد سراج الدين، وتضمن القرار، فتح باب الترشيح للمنصب.
وحفاظاً علي وحدة الوفد، وعدم وجود انشقاقات، أعلن سعد فخري عبدالنور السكرتير العام لحزب الوفد، وأحد القيادات التي تتمتع بشعبية وفدية كبيرة، وتاريخ وطني مشرف، أنه تنفيذاً لوصية فؤاد سراج الدين زعيم الوفد الراحل، فإنه ـ أي سعد ـ يرشح الدكتور نعمان جمعة رئيساً لحزب الوفد، وأضاف أنه اتخذ هذا الموقف لأنه كان أقرب الوفديين إلي فؤاد سراج الدين، ويعرف أفكاره، ويعرف أن فؤاد باشا لو أراد اختيار شخص آخر ليصبح النائب الأول لرئيس الحزب لفعل ذلك دون معارضة، وأن فؤاد باشا كان يعتمد علي الدكتور نعمان جمعة الذي كان يجلس دائماً علي يمين فؤاد باشا.
انتخابات رئيس الوفد
وفي 21 أغسطس، يوم غلق باب الترشيح، كان قد تقدم 6 مرشحين لمنصب رئيس حزب الوفد، وهم طبقاً لأولوية تقديم الطلبات:
د. نعمان جمعة
د. مدحت خفاجي
د. إبراهيم دسوقي أباظة
د. محمود السقا
د. فؤاد بدراوي
د. عبدالمحسن حمودة
وفي 27 أغسطس، أي بعد 6 أيام من غق باب الترشيح، أعلن كل من الدكتور إبراهيم دسوقي أباظة السكرتير العام المساعد، والدكتور محمود السقا عضو الهيئة العليا التنازل عن الترشيح لمنصب رئيس الوفد.. وقدم المرشحان خطابي تنازلهما إلي لجنة الإشراف علي الانتخابات.. حيث أكد أنه من منطلق الحرص علي وحدة الصف واحترام المبادئ التي يعيش الوفد بها ومن أجلها، وتجنباً لأي انقسام يؤدي إلي نقل الخلافات من داخل الحزب إلي خارجه، قررنا الانسحاب من ترشيح أنفسنا لرئاسة الحزب.
وفي اليوم التالي، أصدر الدكتور نعمان جمعة بياناً عقب نشر خبر تنازل »أباظة« و»السقا« عن الترشيح قال فيه: »لقد هزني هذا الخبر من أعماقي، نظراً لموقفهما النبيل الذي لم يبغيا منه سوي وحدة الصف في حزبنا الموقر.. كما أنني عبرت مراراً شفاهة وكتابة عن محبتي وتقديري لشخص ووطنية الصديقين العزيزين »أباظة« و»السقا« وأعدهما، وأعاهد كل إخواني في حزب الوفد، في حالة فوزي بمنصب رئيس الحزب، أن ألتزم بما تعهدت به من احترام الديمقراطية والتشاور مع الجميع في كل شئون الحزب وألا أقطع أمراً حتي يشهدوا«.
وقبل إجراء الانتخابات، شكلت 5 لجان للاقتراع برئاسة شخصيات عامة من خارج الوفد، وهم:
مكرم محمد أحمد: رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور
كامل زهيري: نقيب الصحفيين الأسبق
د. أسامة الغزالي حرب: رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية
د. إبراهيم درويش: استاذ القانون الدستوري والنظم السياسية بجامعة القاهرة
د. وحيد عبدالمجيد: رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي للأهرام
وفي يوم أول سبتمبر ،2000 توجهت أنظار القوي السياسية في مصر والعالم العربي، صوب حزب الوفد لمتابعة أول تجربة انتخابات حزبية فريدة من نوعها، تجري علي أرض مصر.
أجريت الانتخابات، وأعلن فوز الدكتور نعمان جمعة برئاسة حزب الوفد خلفاً للزعيم الراحل فؤاد سراج الدين.. أجريت الانتخابات في جو ديمقراطي فريد، حيث تنافس 4 مرشحين، حصل الدكتور نعمان جمعة علي نسبة 78.25% من الأصوات.
ولأول مرة تجري في مصر انتخابات من خلال صناديق زجاجية، ولجان محايدة، وفرز لا تعبث به الأهواء، أو يسيطر عليه البلطجية.. انتخابات يحصل فيها كل مرشح علي نفس الفرصة، وبنفس الحياد، وتكون الكلمة فيها للصوت الحر الذي لا يباع ولا يشتري، وبلا إرهاب أو ضغوط أو وعيد.
ديمقراطية الوفد
وضرب الوفديون لكل المصريين مثلاً علي الطريقة الصحيحة للانتخابات التي يطالب بها الوفد، وهكذا جاءت انتخابات الوفد درساً في الديمقراطية.. وهذا ما أعلنه الذين راقبوا الانتخابات، والذين أشرفوا علي التصويت، والذين فرزوا الأصوات، وأعلنوا النتيجة.. وخرج الوفد من معركة الانتخابات علي قلب رجل واحد.
واهتمت وكالات الأنباء، وأجهزة الإعلام المحلية والعربية والعالمية وشبكات المعلومات الدولية، بالانتخابات الديمقراطية لاختيار رئيس حزب الوفد الجديد.. ووصفت الوكالات انتخابات الوفد بأنها تجربة نموذجية وفريدة.
كم اهتمت الصحافة العربية بانتخابات الوفد، ووصفتها بأنها درس في الديمقراطية للحكومة والمعارضة.
  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 330 مشاهدة
نشرت فى 20 أغسطس 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,023