|
تدافعت داخلي قوى جبارة تكاد تهدمني. فشلت محاولاتي لقمعها أو تحويلها لفعل إيجابي لا قراءة ولا رياضة ولا مشاهدة التليفزيون ولا أي شيء. لم يبقَ إلا المشي.
وعصياناً لي، اخترت أماكن قد قلت لنفسي وأنا أنزل السلم: "لا تذهبي هناك".. وبالفعل ذهبت هناك وأطلقت قدمي لتجد وتدب في السير.
وكما عصيتني في المرة الأولى، عصيتني مرة ثانية فأطلقت لجواد عقلي وقلبي عنانه وكنت قد قلت لنفسي: "ستمشين لتخففي من إحساسك بالضغط حتى تستمر الحياة، ولا تفكري في أي شيء".
وبالفعل، فكرت في كل ما لم أرغب في التفكير فيه، حتى أُبقي على البقية المشحونة بالحزن واللوعة من عقلي، لأقول اسمي صحيحاً وكاملاً إذا سئلت عنه.
... ... ... ...
... كان يُهلّل حين يسمع صوتي... " أهلاااااااااااً".
... كان وجهه الأسمر المحبوب يشرق بنور شفاف عجيب لا أعلم أيستمده من الشمس، أم من قلبه أم من حبه حين يراني.
... كان يشرئب بعنقه نحوي ويتطلع إليّ مثبتاً عينيه على وجهي وكأنني في برج عال وهو طويل القامة، فلا أملك إلا الضحك خجلا حتى يكسر الموجة.... كان يبادر ويسألني عني بكل صور وأشكال الأسئلة والاستفسارات، فلا أستطيع ملاحقته والإجابة عليه، حتى أكاد أقول له اعطني فرصة لأسألك، أعطني فسحة لآخذ أنفاسي وأتمالكني.... كان في كل مرة يشعرني أنه يحبني لأول مرة وكأنني لأول مرة ألقاه، ولأول مرة أعرف أنه يحبني، ولأول مرة أشعر بلذة الفوز لأني ذقت الحياة، ولأول مرة أحيا.

عانقت عيناي أوجه المحلات البردانة الخالية من الزبائن، وكانت خطاي تحتضن كل شبر من هذا المكان الذي مشينا فيه سوياً، وتتشبث به لكي لا تتوه. كنت أجد في كل شارع كلمةً خطها بقلبه في ذاكرتي، ونظرةً غرسها بقلبي وحياةً هيأ لها حياتي لتتحول إليها. كنت أمر ببصري على كل "اليفط"، على كل العمارات لعلي ألتقط اسمه على واجهة شركة أو عيادة أو حتى جزارة أو الإعلانات، حتى تلك المكتبة العريقة بوسط البلد وقفت أمام واجهتها لعلي ألتقط أي شيء منه أو عنه أو يشبهه في كتبها. كنت أتملّى العمائر القديمة الشاهقة ذات الزخارف المتربة ببطء سعيد، حتى أصل لقمتها. وبذلك أستطيع أن أراه فهي تشبهه في علوه وسماره المملوء بحكايات لي وإحساسات جميلة لي أيضاً.
ولأنني أحترف الألم أو لعله هو الذي احترفني، تذكرت أن كل "الكانات" التي تذكرتها وأنا أمشي وأستمد منها طاقتي وابتسامتي ما هي إلا جمع لـ"كان"!!!!... أصبح يقابلني بفتور بلاستيكي معلب.... أصبح يهرب بعينيه مني وهو الذي كان يشخص بهما نحوي ويتأمل في تفاصيل تعابيري. لم يعد يسألني باهتمام وشوق ولهفة عني. أصبح يجيبني ويحدثني بعبارات مقتضبة من فئة "نعم، لا، أحيانا، يمكن، وربنا يسهل". أصبح يشعرني بفعل الـ"الأصبحات" السابقة أن ما كان بيننا لم يعد كائنا.

ولأعزز من إحساسي بالألم الذي نزلت أمشي بعنف وقسوة لأهرب منه، استرجعت آخر لقاء جاء مصادفة بيننا. طرت نحوه بروحي وأنا أبطئ السير حتى لا تستجيب قدمي لروحي فتطير معها نحوه. هللت باسمه كما كان يهلل باسمي فأحبه منه. لكنه لم يتحرك سوى خطوتين ومد يده بكلل لمصافحتي. ألجمتني مقابلته التي تكررت على هذا النحو، فلم أستطع أن أستمر في الكلام والسؤال والاهتمام. وهاجمتني كل "الكانات" وتفاصيل آخر مرة رأيته فيها في عصر الكان لما قال لي استعدي لتكوني لي زوجة.
وجاءني صوت "نجاة" الناعم الدافئ من إحدى محلات ملابس البنات ليترجم أفكاري ويزيد من لهيبها:
بكّاني لما خلصت دموعي سهرني لما دابت شموعي واشتقت لما قادت ضلوعي الدنيا كانت حلوة برضاه دلوقتي هانت من يوم جفاه ليه عشرتي هانت عليه ليه خلصت دموعي دابت شموعي
ما الذي غيره؟ أيعقل أن يبرد حبه لي فجأة ودون أن أفعل أي شيء يغضبه؟
لسنا في مرحلة التعارف لأضع احتمال أنه لما عرفني أكثر وجد أنني لست التي يحلم بها كما قال لي. إذن على أي أساس تغيرت عواطفه؟!
وهل في استطاعة الإنسان أن ينسى كل ما كان هكذا فجأة بلا سبب؟!
المشكلة أنني أحبه وفي الوقت الذي يبعد عني فيه، يزداد حبي وشوقي له. بل إنني لا أصدق أصلا أنه تغير ولا يزال عندي أمل في عودته.

يارب يكون ما طرأ عليه بسبب ضغوط عمله... يارب تكون فترة وتمر ثم يرجع لي... يارب... يارب
قلتها بصوت متهدج ودموع نزلت لتمتزج ملوحتها بعذوبة رذاذ المطر. تعلقت بها لأنها أملي الوحيد.. أن أدعو..
لا.. لا.. لا.. لا يعقل هل يعقل؟! هل يحدث ذلك؟! هل...؟ ماذا؟...
|
ساحة النقاش