|
تململت في الكرسي الرمادي الضيق، ألقت برأسها على كتفي...، وأخذت نفساً عميقاً من هواء الـC.T.A المكتوم.... وطارت بفكرها خارج النوافذ المتسخة....
مرت لحظات طويلة من السكون لم يقطعها سوى صوت تنهيدة تخرج من بين ضلوعها لتعود وتسكن مرة أخرى في ثبات عميق... مرت اللحظات ثقيلة مؤلمة مثل المطبات تحت أرجلنا... وكأن السائق يتعمد أن يمر بهذه المطبات ليزيد من عذابنا... سرحت قليلاً في أحوالي... في إخوتي... في أصحابي... في...
"ها... ها... دا أنا كنت عبيطة بشكل"
ضحكة عالية من صديقتي خرجت بمنتهى التلقائية لتلفت أنظار جمهور الحاضرين في الأتوبيس، والشعب المصري لا يوصى, فالمتعارف عليه أن الشعب المصري "يموت في الهيصة" وكانت أنظارهم وتعبيرات وجوههم كفيلة بأن تصيبها بالإحراج... ولكن لم تكن كفيلة بأن توقفها عن استكمال حديثها... غطست في كرسيها ألقت برأسها مرة أخرى عى ذراعي وبدأت تحكي بدون انقطاع..
"كلما تذكرت حكايته معي لا أستطيع أن أتمالك نفسي من الضحك... يااااه.... كم كنت ساذجة وفعلاً "عبيطة"... كنت صغيرة عندما قابلته لأول مرة... على وشك إتمام عامي الخامس عشر... تعلقت به من أول نظرة... شعرت بشيء ما يشدني إليه... شخص هادئ بملامح حزينة يفضل الجلوس وحيداً ولكن لو اضطر للجلوس مع الآخرين كان الأكثر مرحا وحركة...
في وقت قصير جداً صارحني بحبه ووجدت نفسي أحبه هكذا... بدون تفكير قررت أن يكون هو حبي الوحيد... أحببته دون مبرر لم يكن لدي إجابة على سؤاله المتكرر "إنت حبيتيني ليه؟" سوى "مش عارفة، حبيتك علشان مش عارفة، قدري وخلاص" كان يضحك على كلماتي وكنت أضحك معه ولكن كنت أشعر بقلق شديد لا أعرف مصدره وازداد القلق بمرور الأيام...
علم أهلي بحبنا وباركوه وشفع لنا أن من أحب هو ابنا لأقرب الأصدقاء لأبي... ولكن بشرط أن يتفوق في دراسته ويركز في مستقبله حتى نتمكن من الارتباط... كبرنا مع بعض... احتفلنا بعيد ميلادنا معا - والذي تصادف أن يكون في نفس اليوم- عام وراء عام... وفجأة بدأت المشاكل تدق على بابنا.. لم يكن هو بنفس طموحي... لم يجتهد في المدرسة ولم يحصل على المجموع المناسب لدخوله كلية محترمة تضمن له مستقبلا أفضل... وطبعاً رفض أهلي استمرار علاقتنا... وقفت أمام رفضهم وصممت على الوقوف بجانبه "يعني هم اللي دخلوا هندسة عملوا إيه؟"
شعرت بأعصاب جبينها وهي تعتصرها على كتفي وتستكمل حديثها بانفعال أعلى..
كتمت احباطي بداخلي وأصررت أن تنجح هذه العلاقة "بالذوق بالعافية"، ولم أجد مبررا لذلك سوى كرهي للفشل... فلم أعتد على الفشل، كما أني اعتدت على وجوده في حياتي...
وقفت معه كثيراً، تغاضيت عن مشاكل كثيرة كانت كفيلة بأن تهد علاقتنا... وكلما مرت الأيام كان السؤال يكبر بداخلي "هو أنا بحبه ليه؟" وكان نفس الإجابة "أهو قدري وخلاص"!!
بدأ وجوده في حياتي يمثل عبئاً غير متوقع، بدأت أنسى مواعيد لقائنا ومواعيد اتصاله بي... بدأت أنسى مواعيد امتحاناته... بدأت أنسى ذكرياتنا معاً... حتى لو حاول هو أن يذكرني بها... وبدأ السؤال بداخلي يكبر ويتحول من "هو أنا بحبه ليه؟" لـ"هو أنا بحبه أصلا؟"، وكانت الإجابة الفورية "إيه السؤال السخيف ده بعد 5 سنين جايه تسألي؟"
اكتفيت بهذه الإجابة لأجهز نفسي مرة أخرى لاستقبال المزيد من الفشل والصدمات، بدأت أقنع نفسي بأني لا زلت أحبه وأن شيئا لم يتغير... وبدأت أحكي معه عن مستقبلنا معاً وأنا أشعر بغصة في حلقي... أشعر بأن جلدي يتغير... بأن شكلي يتبدل وأنا أتحدث معه... لم يعد هناك صدق في كلامي.. لساني يثقل عندما أقول له أحبك وأشعر بالدوران في رأسي...
"طاااااااااااخ" مطب قوي.. هز رأسها من على ذراعي... نظرت إليّ ونظرت حولها تذكرت أن هناك أشخاص حولها... نظرت لي وهي تبتسم..
لا أصدق أنني أخيراً استطعت أن أتخذ قرار البعد عنه... كنت اعتقدت أنني اعتدت عليه لدرجة ستمنعني من هذا القرار، ولكن الموضوع كان أبسط مما توقعت، فقد صممت أن أجد الإجابة على أسئلتي.
"إنتِ بتحبي فيه إيه؟" "بحب حبه لي" "يعني إنتِ بتحبيه؟" "لأ أنا بس اتعودت على وجوده في حياتي" "طب ليه مش عايزة تنهي العلاقة دي؟" "ماتعودتش على الفشل.. وبعدين صعبان عليّ بعد السنين دي نسيب بعض".
أخذت القرار ورفعت سماعة التليفون وأخبرته بكل ما كان يدور بداخلي، والغريب أنه تفهم ذلك جداً، وأخبرني أنه توقع ذلك منذ فترة، فقد تغيرت تصرفاتي... أغلقت معه السماعة وأنا أشعر بصفاء كنت أفتقده منذ زمن، وشعرت بأني وجدت نفسي مرة ثانية... ظللت أضحك وأضحك وأتسأل "طب ليه أعذب نفسي ده كله؟ ما هو طبيعي جداً إن مشاعر الناس تتغير، ليه ظلمت نفسي وظلمته معايا؟ وليه أكمل في تجربة وأنا عارفة إنها هتسيب جوايا مشاعر هتتعبني كل ما أفتكر تفاصيلها؟"
ولكن الحمد لله أصبحت الآن كلما أتذكر هذه التجربة أضحك... وأريد أن أحكيها لكل من حولي، أريد أن يصارح الناس أنفسهم بما في داخلهم... أريد أن يكون هناك هذا الصفاء الذي يأخذك للأمام...
"هاها... دوشت دماغك مش كده؟... يلاّ أشوفك على خير بكره".
نزلت صديقتي في محطتها كالعادة وتركتني وراءها أتعجب لقوتها بعد هذه التجربة... سنوات تحب شخصا، ثم تكتشف أنها لم تعد تحبه وتخفي على نفسها هذه الحقيقة وتكذبها، وتكتم أنفاسها لو قالت غير أنها تحبه... وبعد صراع طويل تجد الشجاعة لكي تغلق ملف 5 سنوات من عمرها... لتستعيد نفسها واحترامها لنفسها بكلمات بسيطة....
بعد شرود طويل في قصتها لم أستطع أن أتمالك نفسي، ووجدتني أفتح نافذة الأتوبيس المتسخة لأرفع وجهي للسماء الصافية وأقولها بصوت عالٍ "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
|
ساحة النقاش