| لقد كان أول لقاء له معها... معها شعر كطفل بين ذراعَي أمه... كل شيء كان جميلاً مشرقاً..
استيقظ باكراً ذاك الصباح -في واقع الأمر- هو لم يكُن نائماً في المقام الأول.. فلم يكُن يُطيق صبراً حتى يأتي ذلك اليوم.. اليوم الذي سيقابل فيه توءم روحه..
كانا اتّفقا على الالتقاء في السابعة مساءً.. وعلى ذلك فكان لديه قرابة الاثني عشرة ساعة ليحضّر ما سيقوله.. ما سيرتديه.. لقد كان يحاول لملمة شتات أمره..
أَحبَّها حباً تعجز الكلمات عن إعطائه حق قدره من الوصف..
لقد جعلت منه إنساناً جديداً.. أظهرَت الجوانب الحسنة في شخصيته..
وذلك على الرغم من أنهما لم يلتقيا أبداً.. فقد كانا أصدقاء عبر الإنترنت والهاتف فقط..!
لَكَمْ تمنّى أن يمرّ الوقت سريعاً.. ولكنه كانت عقارب الساعة تسير متثاقلة...
كان يحاول تخيُّلها.. لن يشكّل أدنى فارقاً لديه سواء كانت جميلة أو لا.. طويلة أم قصيرة.. ممتلئة القوام أو رشيقة...
فقد أَحَبَّ صوتها.. تفكيرها.. لقد أَحَبَّ رُوحَها..
لقد أخبرته قبلاً أن لديها شيئاً لم تُطْلِعْه عليه.. وستخبره به يوم يتقابلا.. يا ترى ما هو؟!.. يا ترى هل تصحّ ظنونه؟.. ويكون هذا السر هو حبُّها له؟؟ يا ترى هل تريد أن تبوح له بهذا الأمر لتريح قلبه الحائر؟!
قبل الموعد المنتظر بما يزيد على الساعة..
حلق ذقنه..
تناول طعامه.. ولكن ما هذا؟! فهو لم يأكل مثل تلك الكمية الهائلة من الطعام من قبل..!! لقد كان يأكل بشهيّة لم يعهدها في نفسه قبلاً!
قام لارتداء أفضل ما لديه من ملابس.. فقد اشترى تلك الملابس الجديدة خصِّيصاً لذلك الحدث الجلل..
تطيَّب بأحلى ما لديه من عطور.. واتجه إلى المكان المتَّفَق عليه..
يا له من مكان جميل للقاء الأول...
لقد تألَّقَت -كعادتها- في اختيارها لمكان على ضفاف النهر ليشهد ذاك اللقاء الذي طال انتظاره..
لقد طلب إليها الإمساك بزهرة حمراء.. وهو سيرتدي دبّوساً ذهبياً.. تماماً كالعشّاق في الروايات والأفلام الكلاسيكية القديمة..
وفي تمام السابعة..
رأى فتاة دلفت إلى المكان وفي يدها زهرة حمراء.. لا.. ولكن لا يمكن أن تكون هي.. فتلك الفتاة معها شخص آخر.. ولكن إن لم تكُن هي.. فلِمَ تحدّق في وجوه الناس كمن يبحث عن شيء ما.. والتقت الأعيُن.. عرفَته على الفور.. ورآها تتحرك نحوه ومعها ذاك الشخص.. إنها هي.. لقد كانت فتاة جميلة باسمة الثغر..
بدأَت الحديث بتقديم نفسها.. ثم قالت: "أتذكر ذاك الشيء الذي لم أُطْلِعْك عليه قبلاً؟ ها هو ذا أمامك.. إنه حبيبي وخطيبي....." تحدَّثَت مشيرةً إلى الشخص الذي كان بصحبتها..
بداخله ألَحَّتْ على قلبه وملأت كيانة كلمة واحدة تدوّي في أعماقه: لماذا؟؟!! لقد تمزَّق قلبه بين ضلوعه.. ولكنه لا يستطيع لومها.. وكيف يفعل؟ وقد كانت كهدية السماء إليه.. صحيح أنها تحوَّلَت إلى أكبر ألَم في حياته.. إنما لم ولن يستطيع لومها أو عتابها.. فقد كانت عنده أغلى حبيبة.. بينما كان عندها أعزَّ صديق..
وفي غمار ذلك الصراع الذي يجول في نفسه.. نجح في رسم ابتسامة على شفتيه.. وهنَّأَ الحبيبان وتمنّى لهما السعادة..
عاد إلى منزله متأخراً تلك الليلة.. منطفئ الحماس.. مثبَّط الهمّة كمن فقد كل شيء..
واتَّجَه موجِّهاً الحديث إلى والدته: "من فضلك لا توقظيني غداً.. لن أذهب إلى العمل.. إنني منهك.. متعَب.. وبحاجة إلى الراحة.."
|
ساحة النقاش