بعد أن تم إقرار تعديلات المادة 76 من الدستور المصري والخاصة بتغيير طريقة اختيار رئيس الجهمورية من الاستفتاء إلى الانتخاب، كان من الضروري أن يصاحب ذلك إدخال التعديلات على القانون المنظم للأحزاب السياسية، باعتبار أن تعديلات المادة 76 تعتمد بشكل واضح على حيوية ونشاط الأحــزاب في مصــر خاصة وأن هــذه الأحزاب تعاني -منذ أن بدأت التعددية الحزبية في مصر عام 1976- من العديد من القيود والضوابط التي تقلل بوضوح من إمكانية مشاركتها في تطوير الحياة السياسية في مصر.
ولهذا تقدمت الحكومة بمشروع قانون إلى مجلسي الشورى والشعب، يهدف إلى إدخال تعديلات على قانون الأحزاب السياسية، وكان هذا القانون حلبة جديدة للصراع والاختلاف بين الحكومة والمعارضة.
فمشروع القانون الذي بدأ مجلس الشورى في مناقشته هذا الأسبوع، تضمن أكثر من نقطة أثارت حفيظة المعارضة واعتراضهم، أهم هذه النقاط كانت منح لجنة شئون الأحزاب كل السلطة في أن تقوم بحل الحزب "وفض الليلة" إذا ما استشعر أعضاء اللجنة أن النظام القائم داخل حزب ما بأنه "غير ديمقراطي!".
دون أن يحدد القانون ما الضوابط التي يمكن من خلالها الحكم على النظام القائم داخل الحزب بأنه غير ديمقراطي!
كما أن هذا يعد تدخلا سافرا في شئون الأحزاب الداخلية، خاصة أن لكل حزب لائحته الخاصة التي تختلف من حزب لآخر.
أضف إلى ذلك إلى أن القانون أعطى كل السلطة للجنة الأحزاب في أن تشطب أي حزب من الحياة السياسية في مصر إذا ثبت للجنة وجود تجاوزات مالية داخل الحزب، أو ثبت تلقيه تبرعات من جهات أجنبية، وذلك من خلال مراقبة تبرعات الأحزاب كل ثلاثة شهور، وكانت هذه النقطة محل اعتراض مماثل من المعارضة لأن متابعة الأمور المالية داخل الأحزاب تتم بالفعل من خلال الجهاز المركزي للمحاسبات وبشكل سنوي وليس ربع سنوي، فما الإضافة التي ستضيفها لجنة الأحزاب إلا أن تترك لنفسها ثغرة يمكن من خلالها السيطرة على الأحزاب والتلاعب بمصيرها؟!
نقطة الاختلاف الرئيسية كانت في أن أعضاء لجنة شئون الأحزاب أغلبهم سيكونون منتمين للحكومة دون أن تضم أي عضو ممثلا للمعارضة، فمشروع القانون ينص على أن يكون أعضاء اللجنة هم رئيس مجلس الشورى رئيسا، ووزير الداخلية عضوا، ووزير شئون مجلس الشعب عضوا، وثلاثة من غير المنتمين الي أي حزب سياسي من بين الرؤساء السابقين للهيئات القضائية ونوابهم وثلاثة من الشخصيات العامة غير المنتمين إلى أي حزب سياسي، كما أن كلمة الشخصية العامة غير واضحة المعالم ويمكن أن تنطبق على أي شخص بغض النظر عن كفاءته أو تميزه.
وبات واضحا أن الهوة الكبيرة بين الحكومة والمعارضة بخصوص هذا المشروع وهي الهوة التي وصفها "د. رفعت السعيد" رئيس حزب التجمع وعضو مجلس الشورى بأنها قد تتسبب في زلزال في الحياة الحزبية بمقدار 8 ريختر "اشمعنى 8 يعني ماحدش يعرف!" اللافت أن رئيس مجلس الشورى "صفوت الشريف"، بعد أن استشعر أن القانون به الكثير من البنود الجائرة تعهد -في مفاجأة كبيرة- بإجراء تعديلات جوهرية على اختصاصات لجنة الأحزاب بشكل يرضي أحزاب المعارضة قائلا بأنه لا يجوز أن تكون لجنة الأحزاب هي الخصم والحكم، بمعنى أنها هي التي تعطي الشرعية للأحزاب في الخروج للحياة السياسية وهي ذاتها التي تقضي عليها!
نأمل أن تنقذ التعديلات الجديدة التي من المفترض إضافتها إلى قانون الأحزاب المعدل أصلا، لأن الأمر الآن أشبه بتلك الإشارة الصوتية التي نسمعها من بعض السيارات وهي تعود للخلف "تيت.. تيت.. انتبه.. السيارة ترجع للخلف"! |
ساحة النقاش