|
اسمه "إيتسر هارئيل"، وهذا الاسم معروف للخاصة أكثر منه للعامة. فالعامة يمكن أن يحددوا من ظاهر الاسم أن صاحبه يهودي، أما الخاصة فإنهم عندما يسمعون الاسم تنصرف أذهانهم فورا إلى جهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد. فالرجل كان يرأس هذا الجهاز لفترة قياسية وصلت إلى 16 عاما، ولم ينافسه في هذا الرقم سوى "إدجار هوفر" مدير جهاز التحقيقات الفيدرالية الأمريكي. وبالرغم من أن الرجل في وقت إجراء هذا الحوار كان قد طعن في العمر الذي بلغت سنواته الـ80، فإنه كان ما يزال يحتفظ بذاكرة حديدية، يختزن فيها ذكريات تمتد إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل وبداياتها وتاريخ الصراع. لحظات مرت أثناء قيام الرجل بإفراغ زجاجة المياه الغازية ليقدمها لي، بينما كنت أقوم بترتيب أوراقي، ولكي تبدأ المواجهة:
-: أحب أن أسمع تقديم نفسك لنفسك ...
هارئيل: اسمي "إتسر هارئيل"، وكنت من قبل مديرا لجميع أجهزة الأمن والمخابرات في إسرائيل. فأنا الوحيد الذي جمع بين رئاسة جهاز الأمن الداخلي (الشين بيت)، وهو المسئول عن مكافحة التجسس، وبين جهاز المخابرات الخارجية المعروف باسم الموساد، وهو الجهاز المسئول عن جمع المعلومات من جميع أنحاء العالم، وخاصة من الدول المعادية المحيطة بإسرائيل أي الدول العربية، والتي نسميها الدول الأهداف.
-: متى تركت الخدمة؟ وهل كان ذلك لبلوغ سن التقاعد، أم لأسباب أخرى؟
هارئيل: لقد تركت الخدمة في نهاية العهد الأخير والفترة الثانية لرئيس الوزراء "دافيد بن جوريون"، والذي خدمت تحت رئاسته مدة 16 عاما، توليت خلالها رئاسة جهازي الأمن الرئيسيين في إسرائيل كما قلت من قبل. والحقيقة هي أنني أنا الذي أسست الجهازين. أيضا، فإنني لم أترك الخدمة بعد الوصول إلى سن التقاعد، ولكني تركتها بتقديم استقالتي لخلاف نشأ بيني وبين رئيس الوزراء في عام 1964.
-: هل لنا أن نتعرف على طبيعة الخلاف الذي نشب بينك وبين رئيس الورزاء "بن جوريون" في ذلك الوقت؟
هارئيل: كان الخلاف حول وجود علماء الصورايخ الألمان الذين استقدمتهم مصر في الستينيات من القرن الـ20 لتطوير أنظمة صواريخ لها. وبالطبع، فإننا في إسرائيل لم نشعر بالراحة تجاه توجه مصر لذلك. ثم جاء الخلاف بيني وبين "بن جوريون" ليس على المبدأ، حيث كنا نتفق على الهدف، وهو ضرورة رحيل العلماء الألمان من مصر، وإنما اختلفنا على أسلوب التعامل مع هؤلاء الألمان. وقد طالبت في ذلك الوقت الحكومة الألمانية بضرورة التصرف بإخراج هؤلاء الألمان من مصر، إلا أن الحكومة الألمانية لم تتحرك كما يجب، وهنا بدأ الخلاف بيني وبين "بن جوريون".
-: ولكنك لم تحدد حتى الآن طبيعة هذا الخلاف حول سبل التعامل مع علماء الصورايخ الألمان في مصر في ذلك الوقت، وخاصة أن التعامل من جانبكم مع هذه القضية اتخذ شكل عمليات سرية لاغتيال بعض هؤلاء وإرهاب الباقين للهرب بحياتهم... فلم؟، وعلام كان الخلاف؟!
هارئيل: في ذلك الوقت كنا في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لا تغمض لنا عين بسبب ما أقدمت عليه مصر تحت قيادة الرئيس "جمال عبد الناصر" من سياسات تصنيع حربي متطورة، توجها بوضع برنامج طموح لتطوير أنظمة صاروخية متقدمة سبقت بها جميع دول المنطقة. كان من الطبيعي أن نقلق في إسرائيل من هذا التطور الخطير الذي كان يهدد بقلب جميع موازين القوى في المنطقة. الأمر كان في منتهى الخطورة وخاصة إذا توافرت تلك القوة في أيدي من يملكون الإرادة السياسية لاستخدامها، وذلك بغض النظر عن شكل استخدام هذا السلاح سواء كان بالردع، أو بالاستخدام الفعلي. لقد كان لدى مصر في ذلك الوقت الرغبة والقدرة على تطوير واستخدام هذا السلاح. كان علينا في إسرائيل -وتحديدا في الموساد- أن نتخذ جميع الإجراءات الكفيلة بمنع المصريين من حيازة هذا السلاح الخطير.
-: ولكن لم تذكر لنا حتى الآن ماهية الخلاف الذي نشب بينك وبين "بن جوريون" حول أسلوب التعامل مع هذه القضية؟
هارئيل: كان الخلاف حول درجة المزج بين الوسائل السياسية والعمل السري في التعامل مع العلماء الألمان في مصر. أما أنا فكنت أتبنى موقفا يدعو إلى عدم إهدار الوقت الثمين من خلال التعامل السياسي مع هذه القضية، وخاصة بعد ما أظهرته ألمانيا في ذلك الوقت من سلبية في التعامل مع القضية. تلك قصة طويلة أرجو أن تعفيني من الخوض في تفاصيلها الآن...!
-: لنترك التاريخ برهة -حيث سنعود له في موضع آخر– ولننظر إلى الموقف الحالي على الصعيد السوري على سبيل المثال. كمواطن إسرائيلي تتمتع بخلفية عميقة هي مزيج من صناعة القرار وتنفيذه، إذا ما جرى استفتاء في إسرائيل على الانسحاب من الجولان السوري المحتل... كيف ستصوت؟
هارئيل: أي استفتاء ستجريه أي حكومة إسرائيلية على هذا الموضوع ستخسره، فالرأي العام لا يؤيد إعادة الجولان لسوريا، إلا بتوافر ظروف وضمانات خاصة جدا. وكما قلت لك، فإن الرأي العام في إسرائيل حساس جدا تجاه الجولان وخاصة الرأي العام داخل المؤسسة العسكرية.
-: ولكنك لم تجب على السؤال الأساسي، إذا أجري الاستفتاء كيف ستصوت؟
هارئيل: اسمح لي ألا أجيب على هذا السؤال، فالقيادة السياسية لدينا لا تطرح فكرة الاستفتاء. أما عن صوتي، فهو أمر خاص بي وليس من حقك أن تعرفه!!
-: وماذا لو نجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق شامل به ضمانات كاملة للطرفين تضمن الأمن والعلاقات والحدود المفتوحة... هل تتوقع موافقة من الرأي العام الإسرائيلي على إعادة الجولان المحتل إلى سوريا؟
هارئيل: المشكلة مع سوريا ليست مثلما كانت عليه مع مصر. وأعتقد أنه إذا ما تعامل الرأي العام في إسرائيل مع القيادة السورية مثلما تعامل مع الرئيس "أنور السادات" نفسيا، فإن المسألة ستكون أسهل بكثير. وأنا شخصيا أؤكد لك أن "السادات" كسب ثقة كل الإسرائيليين بجميع تياراتهم وخاصة عندما كان يتكلم عن السلام. "السادات" فاز بثقة مطلقة في إسرائيل.
-: أنتم تتحدثون عن الثقة المفقودة، بالرغم من أن القيادة السورية تتحدث عن سلام شامل ودائم ينهي حالة الحرب... ما الذي تعتقد أنه مفتقد في هذه المعادلة لكي تتوافر الثقة لدى الإسرائيليين؟
هارئيل: المشكلة أن "السادات" أقدم على سابقة غير مسبوقة. فبعد حرب أكتوبر التي خاضها بنجاح ضدنا جاء إلى القدس وتحدث أمام الكنيسيت. ولا أعتقد أن أي حاكم عربي يمكنه أن يكسب ثقة مثل تلك التي حازها "السادات" في إسرائيل. ولكن إذا تقدم رئيس وزراء إسرائيل للرأي العام باتفاق سلام شامل مع سوريا، فهناك احتمال كبير برد إيجابي من الشعب الإسرائيلي! وبدون هذا الاتفاق، والحديث فقط عن المبادئ، فإن الرأي العام الإسرائيلي لا يرى سببا يدعوه لإعادة الجولان. وعلى أية حال، فإن الرأي العام يتغير، والدليل هو ما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية.
-: أنتم بهذا في إسرائيل تريدون قيادة سورية نسخة من "السادات" لكي تعيدوا الجولان المحتلة لأصحابها؟
هارئيل: أنا لم أقل هذا أبدا لا بالتصريح ولا بالتلميح. إن السوريين هم الذين يريدون الجولان، وعليهم السعي لتحقيق ذلك!! |
ساحة النقاش