اعترافات قادة مخابرات إسرائيل لصحفي مصري!!

مؤسس الموساد:
السبب في إعادة سيناء كان الثقة في "السادات" وإبعاد القوات المصرية عن قوات الجيش الإسرائيلي!!

يـحـيى غـانـم
مدير مكتب الأهرام بجنوب إفريقيا

 
 

الحديث متواصل مع "إتسر هارئيل" مؤسس ومدير جهاز الموساد الإسرائيلي، والذي ترأسه لمدة 16 عاما. قبل أن يتواصل الحديث ارتفعت يد "هارئيل" –الذي مازال يُعرف في أوساط أجهزة المخابرات في العالم بالذئب– بكأس الوسكي لكي يرتشف منه ببطء.
بادرت الرجل بسؤال:

-: بناء على خلفيتك العسكرية العريضة وكونك ترأست أهم جهاز أمني في إسرائيل لفترة قياسية... هل تعتقد أن الأهمية الاستراتيجية العسكرية للجولان السوري المحتل مازالت تمثل نفس الأهمية لأمن إسرائيل، بالرغم من تغير النظريات العسكرية بتطور الأسلحة التقليدية وخاصة في مجال الصواريخ ذاتية الدفع؟

هارئيل: بالتأكيد، لقد تغيرت النظريات العسكرية خلال السنوات الأخيرة، ولكن بالرغم من امتلاك سوريا صواريخ يمكن أن تنزل بنا في إسرائيل خسائر فادحة، وبفرض امتلاكهم سلاحا جويا قويا جدا،  فإن نتيجة المعركة لا يمكن حسمها إلا من خلال القوات البرية على الأرض. ولذا، فإن السوريين إذا عادوا ليسيطروا على الجولان بأكملها، فإن باستطاعتهم تمثيل تهديد شديد جدا على إسرائيل. وهذا هو رأي غالبية رجال المؤسسة العسكرية هنا. وأعود فأقول، إننا -لهذا السبب- بحاجة إلى توافر الثقة في نوايا السوريين، بالإضافة إلى اتفاق شامل. وعند هذا، فإن الصورة يمكن أن تتغير تماما!!

-: هل لك أن تشرح لنا ماهية الضمانات التي تطالب بها إسرائيل لكي تريحنا وتستريح هي الأخرى؟!

هارئيل: الثقة، ثم الثقة، وبعد ذلك الثقة!!

-: نعم ولكن يجب ترجمة هذه الثقة إلى شكل ضمانات قانونية وسياسية وعسكرية... فما هي؟

هارئيل: لنأخذ مصر والرئيس "السادات" مثلا. فبالرغم من الأهمية الإستراتيجية لسيناء بالنسبة لنا، فإنه في اللحظة التي كسب فيها "السادات" ثقة الشعب الإسرائيلي، تمت الموافقة على مبدأ إعادة سيناء كلها لمصر، وذلك بالرغم من وجود رجل متشدد مثل "مناحم بيجين" في السلطة في ذلك الوقت.

-: لقد عدت ثانية إلى نموذج "السادات"، بالرغم من أنك انزعجت من سؤال طرحته عليك سابقا حول إذا ما كنتم في إسرائيل تحلمون بقيادة سورية على غرار النموذج الساداتي؟!

هارئيل: (صمت)....!

-: حسنا، سأعيد صياغة سؤالي. إن الثقة هي عبارة فضفاضة مسكونة بالعديد من الإيحاءات الرمزية، في حين أنني أسال عن ضمانات محددة ترغب فيها إسرائيل؟!

هارئيل: لننظر إلى الموقف السوري المتشدد بعدم إجراء أية مقابلات مباشرة مع مسئولين إسرائيليين... هل هذا أمر يدعو إلى الثقة؟

-: ولكن هناك مفاوضات مباشرة جرت بالفعل في الماضي وفي العاصمة الأمريكية واشنطن بالتحديد، وذلك على الصعيد الثنائي؟!

هارئيل: أنا أتحدث عن لقاءات مباشرة بين القيادتين السورية والإسرائيلية مما قد يدفع بتغيير دراماتيكي جذري يحرك الرأي العام الإسرائيلي نحو الثقة. لقد حدث ذلك من قبل من جانب مصر، وبناء عليه وثقنا في الرئيس "السادات"، بما في ذلك من كانوا يؤمنون في إسرائيل بالأهمية الإستراتيجية لسيناء.

-: وماذا إذا تم مثل هذا اللقاء المباشر وانتهى بالفشل، فبالطبع أنت لا تتوقع أن يبلغ رئيس الورزاء الإسرائيلي القيادة السورية خلال الاجتماع بالموافقة على مبدأ الانسحاب؟

هارئيل: بالطبع لا، فلا يستطيع أي رئيس وزراء إسرائيلي أن يقدم على ذلك، وإلا فإنه سيكون قد حكم على نفسه بالإعدام من جانب شعبه. ولكن خطر الفشل سيكون ماثلا أمام رئيس وزراء إسرائيل بقدر ما سيكون ماثلا أمام القيادة السورية.

-: ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يكون لديه ما يخسره في هذه الحالة، فهو لديه الأرض التي يحتلها والتي سيعود لها في حال فشل اللقاء مع الرئيس السوري، الذي لا يمكنه الإقدام على مثل هذا التحرك بدون وجود ضمانات خاصة جدا... في حال عدم توافر مثل هذه الضمانات، فما الوسيلة لبناء الثقة؟

هارئيل: ولماذا نستبعد مثل هذا اللقاء؟ إذا فشل الاجتماع فستستمر القيادة السورية في موقعها المطالب باستعادة الجولان، ولن تخسر شيئا... المشكلة هي أن القيادة السورية لا ترغب في الاعتراف بإسرائيل!!

-: كيف؟ لقد أعلنت سوريا أكثر من مرة استعدادها لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل في حال عودة الجولان كاملة لها. ودعني أذكر في هذا المقام بأن العلاقات الطبيعية لا تعني بالضرورة علاقات حميمة. فيكفي لكي نصفها بالطبيعية ألا تكون هناك حالة حرب وهذا النموذج من العلاقات شائع في العالم... أليس ذلك اعترافا كافيا؟! أنا أعتقد من كلامك أن المشكلة تكمن في أنكم لا ترغبون في الإقدام على أية مبادرات إيجابية... أنتم تريدون أن يأتي الطرف الآخر لكم ملبيا شروطكم أيا كانت..

هارئيل: إذن، فلتقرن القيادة السورية الفعل بالقول، ولتجلس معنا للحديث. لقد بدأ الأمر مع مصر بلقاءات على مستويات مختلفة وسرية قبل أن يقدم "السادات" على ما لم يقدم عليه زعيم في التاريخ من قبل بأن أتى إلى قلب دولة مازالت في حالة حرب معه. وأعتقد أنه -بدون مثل هذه الخطوة- لم تكن دول عربية لتنتهج نفس النهج تجاه إسرائيل فيما بعد. فبالرغم من النفوذ والقوة الكبيرة لمصر في زمن الرئيس "جمال عبد الناصر"، وهو الأمر الذي تعرض لهزات عديدة على مدار السنوات الماضية، فإنها مازالت الدولة الأولى الرائدة حتى الآن في المنطقة.

-: ألا ترى أن الأمر مع مصر لم يكن لمجرد الثقة في كلمات الرئيس الراحل "السادات"، وإنما كان رغبة إسرائيل في الحصول على أوضاع ومكاسب عسكرية وسياسية واقتصادية من خلال إعادة سيناء لمصر وعقد سلام في الجبهة الجنوبية، وبالتالي ضرب الصف العربي والقضاء على أي فرصة لقيام حرب عربية ضد إسرائيل؟

هارئيل: بالطبع، لقد كان هذا هدفا أساسيا، وخاصة أننا أصبحنا بعد السلام مع مصر على يقين من أن القوات المصرية لم تعد ترابض الآن على نفس المسافة القريبة منا، مثلما كان الأمر من قبل. ولكنني أعود فأقول إن المكاسب التي ذكرتها جنبا إلى جنب مع الثقة هي التي دفعتنا إلى إعادة سيناء لمصر. أيضا، فإن الجولان إذا قورنت بسيناء، فإنها ليست مجرد قطعة أرض. فهي منطقة إستراتيجية بمعنى الكلمة، ومن يسيطر على قمتها، فإنه يمكن أن يشكل خطرا كبيرا على من يقع أسفلها.

-: تتكلمون عن الثقة من الجانب الآخر، في حين أنكم لا تفعلون أي شيء لدعم ثقة الطرف الآخر فيكم؟!

هارئيل: كيف؟ ماذا تقصد بذلك؟

-: هل من دواعي الثقة بكم جهودكم المستميتة في حيازة هذا المخزون الهائل من الترسانة العسكرية، والإنفراد بقدرات نووية في المنطقة كأداة ابتزاز لتحقيق مكاسب على مائدة المفاوضات، ناهيك عن فرض الأمر الواقع بالاستمرار في احتلال أراضي الغير؟

هارئيل: دعني أتناول هذا الموضوع بشكل منظم..
أولا: نحن لم نعترف في إسرائيل حتى الآن بحيازة أسلحة نووية.
ثانيا: أنا لست مستوعبا كيف يمكن أن أستخدم القدرات النووية -إن وجدت- في الحصول على مكاسب على مائدة المفاوضات؟!
ثالثا: ما الداعي إلى قلقكم من هذه القدرات النووية المزعومة لنا إذا كنا قد اتفقنا ضمنيا على أن الحرب لا يجوز لها أن تكون شريعة المنطقة؟


-: دعني أكون محددا مثلما حاولت أنت أن تكون محددا:
أولا: إن عدم اعتراف إسرائيل بحيازة أسلحة نووية، لا يعني شيئا في هذا المضمار، حيث إن العديد من الدول التي تحوز الأسلحة أو تسعى لتطويرها تنفي تلك الحقيقة بهدف التقليل من الضغوط الدولية عليها في هذا الصدد.

ثانيا: إن الإنكار في هذا الصدد يحقق للدولة الحائزة على السلاح النووي ما يعرف بـ(إستراتيجية الردع بالشك)، وبالطبع، فإنك تعلم أن هذه الإستراتيجية توفر على الطرف الرادع الكثير من العناء. كما أن هذا الشك يجعل الطرف الواقع عليه الردع في حالة من التردد، من حيث سعيه لحيازة سلاح رادع مماثل.

ثالثا: أما من ناحية تحقيق المكاسب على مائدة المفاوضات من خلال هذا السلاح الرادع، فإن هذا الأمر في منتهى الوضوح، ولدينا عليه العديد من الأمثلة من خلال مفاوضات بين أطراف تحوز رادعا فوق التقليدي وأطراف أخرى لا تحوز هذا الرادع.

رابعا: إن نبذ المنطقة للحرب كأسلوب حياة جاء من طرف واحد وهو العرب، وليس من جانب إسرائيل التي تعتمد على القوة في فرض تعريفات مختلفة للحرب تبرر بها حروبها الصغيرة في المنطقة، مثلما حدث في حربكم ضد لبنان. وبالطبع، فإن نبذ العرب للحرب من جانب واحد -على مستوى الحكومات على الأقل- جاء نتيجة لعدد من الأسباب من بينها تفردكم بقدرات نووية.


هارئيل: ألا تعتقد أن العرب إذا ما كانوا في نفس وضعنا من حيث ما يدعونه من امتلاكنا قدرات نووية، فإنهم كانوا سيستخدمونها بنفس الشكل؟!!

-: هذا سؤال افتراضي لا يقوم على حقائق على الأرض. فإذا ما قلت لك إن العرب لم يكونوا ليستخدموا رادعا فوق تقليدي بنفس أسلوب استخدامكم له، فإنك ستقول لي: وكيف يمكن التأكد من ذلك؟

هارئيل: إن تعريف السياسة ليس فقط بأنها فن تحقيق الممكن، وإنما هي فن استغلال القدرات التي تحوزها بما يعود عليك بأكبر قدر من المكاسب!!

(ألقى "هارئيل" بكلماته تلك، وذلك قبل أن يقوم من مقعده معلنا نهاية هذه الجلسة على أن تعقبها جلسة أخرى، وقد كان...)

 
  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 197 مشاهدة
نشرت فى 29 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,264